إسحاق شابيرا .. والإرهاب المسكوت عنه

لـ

عندما ألّف الحاخام الصهيوني إسحاق شابيرا كتابه الذي سماه “فتاوى يهودية” وذلك سنة 2009، طالب فيه صراحة بإبادة كل العرب دون استثناء وقتلهم والتنكيل بهم، سواءً كانوا مسلمين سنة أو شيعة أو دروزًا أو مسيحيين أو حتى ملاحدة، على اعتبار أنهم غير يهود ولا ينتمون إلى عرقه أو طائفته أو مذهبه، وليسوا جزءًا من شعب الله المختار حسب الرواية التِّلموذية المحرّفة، وقد استند في ذلك على مجموعة من النصوص الدينية الموجودة في التراث العبري، التي ترى الآخرين من غير بني صهيون عبارة عن غويم أو أغيار لا قيمة لهم، وليس لهم أي دور في الحياة الدنيا إلا خدمة اليهود والسَّهر على راحتهم؛ بل هم في مرتبة أدنى من مرتبة البشر. وحسب بروتوكولات حكماء صهيون؛ فإن كل ما يمتلكونه من مال وممتلكات عينية، وحتى أرواحهم التي في أجسادهم ليست إلا هديَّة من الله قد أودعها في أجساد الآخرين، وعلى اليهودي أن يشكر الله عليها، وأن يستعملها في قضاء حوائجه، وفي مختلف الميادين، وبالكيفية التي يراها مناسبة.

الكتاب أثار ضجة وزوبعة إعلامية كبيرة وقتها بين عرب 1948 وطائفة الدروز الكريمة؛ ولكن لم نسمع للإعلام العربي أو العالمي الغربي أي صوت؛ وإن حتىَّ كلمة إدانة أو تنديد بالكتاب أو صاحبه؛ لأنه  ليس عربيًا أو مسلمًا ولا ينتمي إلينا لا فكريًا ولا عقائديًا ولا لغويًا؛ بل هو يهودي صهيوني يعيش في كيان سرطاني مُحتلّ. ولكن؛ ولأن اليهود يسيطرون على الوكالات الإعلامية العالمية الكبرى التي معظم رؤسائها صهاينة حتىًّ النخاع ومتعاطفون مع الكيان الصهيوني؛ فإنهم يغضون الطرف عنه، ولا تذكره بوابات أخبار وكالاتهم الإعلامية أو تشير إليه، وكل من ينتقد شابيرا وغيره يتهمونهم بالإرهاب، وأنهم يصبحون في نظر هؤلاء أعداء ومناهضين للسَّامية، ويهمشونهم ويقصونهم ويشنُّون عليهم حرب عبس وذبيان؛ بل يزجون بكبار رجال الفكر والأدب والسِّياسة ويدخلونهم غياهيب السجون ظلمًا وعدوانًا، كما فعلوا بالكاتب والفيلسوف الغربي الفرنسي المرموق روجيه غارودي بعد أن فضح في كتابه المسمَّى “الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية”  زيف ادعاءات بني صهيون والسَّاسة الإسرائيليين في عدة مواضيع كانت بالنسبة لهم من المسلّمات في الفكر اليهودي الغربي، لا يجوز لأحد التشكيك في مدى صحتها أو انتقادها، ومنها محرقة الهولوكوست التي حصدت – وما تزال – إسرائيلُ المليارات سنوياً من الدول الغربية وعلى رأسها ألمانيا، كتعويضات ماليّة عن ما حاق بهم من أضرار جسيمة في رأيهم، ألحقها بهم أدولف هتلر في الحرب العالمية الثانية؛ علمًا أن المجازر التي ارتكبت في حقِّهم ولو سلمنا بصحتها؛ لم تقتصر عليهم لوحدهم؛ بل شملت مُختلِف الأعراق والأجناس من غجر وأرمن وشركس و هنغاريين…الخ

الإرهاب الصهيوني الذي أمعن، وما يزال على مدار عشرات السنين في القتل والذَّبح والحرق والتدمير، ولم تسلم منه لا امرأة ولا شيخ ولا صبي رضيع، وتوثِّق كتب التاريخ المجازر البشعة التي ارتكبها جيش الصهاينة في حرب 1967 حينما تمَّ دفن الجنود المصريين أحياء، أو عندما قُصف أهالي غزة في حروبهم المستمرة عليها بأطنان من الفوسفور الأبيض، أو الأسلحة التي منعت اتفاقيات الأمم المتحدة واتفاقيات جنيف 4 استعمالها. فحالة شابيرا ليست حالة استثنائية أو شاذّة؛ بل تدرس لأطفال المدارس الصغار في تل أبيب، فحسب دراسة موثقة نشرها مركز القدس للدراسات التوثيقية؛ فإنَّ الاستبيان الذي أجرته “مجلة هاولا م هاري” الأسبوعية اليهودية يوضح بأن هناك أكثر من 95 بالمائة من المستطلعة آراؤهم فيه ذكروا بأنهم يؤيدون قتل كل العرب وطردهم من الأرض المقدسة حسب معتقداتهم المكذوبة والمحرّفة، وهذه نتيجة سنوات من التحريض المُمنهج والمتناغم الذي تشرف عليه وزارة التربية والتعليم في الكيان الصهيوني، وبتناغم تام مع مختلف الأحزاب الصهيونية التي لا تحيد على الاستراتيجية العامة للمجتمع الإسرائيلي التي تقوم على نبذ الآخر، والاستعلاء عليه ثقافيًا وحضاريًا وأخلاقيًا وعقائديًا، فهم ما يزالون مؤمنين بمقولة: أرض بلا شعب لشعب بلا أرض، ومن ثمّ عليهم قتل كل شخص لا يدين بمعتقداتهم ورؤيتهم لدولتهم القومية العنصرية اليهودية، فالإرهاب لم يقتصر على من يعتبرونهم أعداء أبديين لهم من أهل فلسطين والعرب عمومًا؛ بل يشمل كل الطوائف اليهودية  الدينية التي لا تدين بهذه الأفكار، وبعض هذه الطوائف والنِّحل الدينية تُنكر أصلًا أن  للصهاينة الحق في الوجود في الأرض المقدسة؛ بدعوى أن الله عزّ وجلّ قد كتب عليهم التيه في الصحراء  لمدة 40 سنة، ولم يأمرهم بتأسيس مملكته على أرض  يهوذا السامرة، كما يذكرون في مختلف أبجدياتهم السِّياسية، ومنهم اليهود الأرثودوكس الذين خرجت منهم 6 منظمات دينية يهودية مهمّة ترفض السِّياسة الصهيونية وإنشاء الكيان الصهيوني، وهي منظمة ناطزوراي كارتا اليهودية، وصوت يهودي للسلام، هعيدا هحريديت، وفوضويون ضدَّ الجدار، ومنظمة ترابط، وكذلك منظمة زوخروت وهي تنتشر داخل إسرائيل وخارجها، وتناهض السِّياسة العنصرية الاستيطانية الإرهابية التي تبناها كل القادة الصهاينة باختلاف توجهاتهم السِّياسية وانتماءاتهم الحزبية أو اتجاهاتهم الفكرية والإيديولوجية، فالعرب الذين قال عنهم أرييل شارون بأنهم لا شيء، وبأن الدم الفلسطيني رخيص؛ بل لم يكن يعتبر أعداءه من الآدميين، وارتكب عندما كان مسؤولًا عن الوحدة 101 المهام الخاصة ذاتها، وعمره لم يتجاوز حينئذ 25 سنة؛ مجازر مروعة  في فلسطين المحتلة، منها “مجزرة قبية” سنة 1953 التي راح ضحيتها أكثر من 70 من المواطنين العرب، وتم التنكيل بجثثهم بطرق تشبه كثيرًا ما تفعله الجماعات الإرهابية كداعش والنصرة ببني جلدتهم من العرب والمسلمين، وتصل حدَّ التطابق التَّام ربما.

 

فالتاريخ الصهيوني هو تاريخ ملطّخ بدم الأبرياء العزّل، ومُمعنٌ في مختلف صنوف التعذيب والقتل، ومغرقٌ في السَّادية والعنصرية، فالإرهاب هو أحد الأسس الثابتة في المنظور والنظريات الصهيونية اليهودية، وأحد الركائز الأساسية لقيام ما يُعرف بإسرائيل، والسُّكوت عنه عربيًا وغربيًا ودوليًا مفهوم نوعًا ما إذا ما أخذنا بعين الاعتبار أنَّ اللوبيات اليهودية هي التي تسيطر على الكثير من مراكز صنع القرار في الدول الكبرى والمؤيدة للفكر الصهيوني الإسرائيلي، ومن ثَمّ فإن ما تقوم به إسرائيل من مجازر ضدَّ أهلنا في فلسطين ليس مستغربًا ما دام أن ضمير العالم الذي يكيل بمكيالين ما يزال مُخدرًا، وما دامت الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية والعربية التي تدور في فلكها ترى في الإرهاب الذي يرتكبه المستوطنون في أرض فلسطين وضدَّ سكانها الأصليين حقًا ومشروعًا، حتى ولو كان هذا الدفاع عن أنفسهم كما يزعمون لا يتأتّى إلاَّ بحرق طفل فلسطيني رضيع، وهو الشَّهيد علي سعد محمد الدوابشة البالغ من العمر 18 شهرًا فقط وبدم بارد مع الاحتفال بذلك، وهذه الدّول نفسها ترى فيمن يقاوم هذه الدولة الاستعمارية الصهيونية العنصرية الإرهابية الليبرالية إرهابًا يستحق أصحابه السَّجن والملاحقة الأمنية والاعتقال والقتل، فالصهاينة يجدون من يعينهم على ارتكاب المزيد من المجازر هناك ما دام أن مجلس الأمن الدولي والجامعة العربية لا يمتلكان إلا لغة الشجب والتنديد والخطابات الخشبية، فيما تُجيَش الجيوش والعصا الغليظة لضرب كل من يوصم بالإرهاب من العرب والمسلمين حصرًا دون سواهم. فسياسة القوة التي تقوم على أساس نظرية أن من يمتلك القوة يمتلك حق فعل ما يريد هي التي تسودُ حاليًّا وتسيطر على المجتمع الدولي، ومن يمتلكها هو من يضع القوانين ويسيرها؛ خدمة لأجندات استعمارية، ويتلاعب بالمصطلحات كما يشاء، فيجعل من المُجرم ضحيّة، والعكس صحيح.

 

عميرة أيسر- كاتب جزائري

0 471 13 سبتمبر, 2017 السابع والثمانون, سياسة سبتمبر 13, 2017