“لماذا تفشل الأمم ؟”

لـ

كتاب يسرد خفايا استحواذ النخب على مجتمعاتها

 

مصادفة غير مقصودة وغير مُخطط لها بالمرة أن يتوافق بدءُ قراءة هذا الكتاب المثير والغني بوفرة معلوماته وأساليب عرضها تمهيدًا لإعداد قراءة تحليلية له، مع انطلاقة قمة “بريكس” مطلع شهر سبتمبر للعام الحالي، 2017، وهي القمة الاقتصادية التي تُعنى بمحاولة تعميم تجربة الدول الخمس صاحبة النمو الاقتصادي الأسرع في العالم، وهي: البرازيل، روسيا، الهند، الصين، وجنوب أفريقيا، وهي الدول التي شكّلت هذا النادي الاقتصادي، ومن أحرفها الأولى اشتق شعار النادي الذي اتسعت عضويته لتشمل عددًا من الدول التي تسعى إلى محاكاة تجربة هذه الدول والاستفادة منها.

المهم في المسألة أن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ترأس وفد بلاده في المؤتمر، وألقى في الحاضرين كلمة كشف من خلالها عن السبب الرئيس لتعثر أو “فشل” بلاده في تحقيق معدلات تنموية بصورة إيجابية، واشتكى للحاضرين من رؤساء دول وخبراء اقتصاد عالميين مرَّ الشكوى من حالة التأخر التي تعاني منها بلاده بسبب الزيادة المتسارعة لمواطنيه، وأن الحكومة تعاني من فرط هذه الزيادة وتناميها. وفقًا لكلمة السيسي؛ فإن شعبه البالغ 90 مليون نسمة أفشلوا وأحبطوا كافة المشاريع التنموية والخطط الاقتصادية. المفارقة في المسألة أن الرئيس المصري لم ينتبه وهو يجامل دولًا محاولًا الاستفادة من تجربتها ومحاكاتها، لم ينتبه في غمرة بث شكواه وألمه أن نصف سكان المعمورة تقريبا موزعين بين أربع دول من التي تترأس هذه المنظمة. الصين لوحدها يقارب عدد سكانها المليار ونصف المليار، الهند تراوح قريبا من هذا الرقم، وروسيا تناهز 150 مليون نسمة، والبرازيل تجاوزت الـ 200 مليون، ومع ذلك تمكنت هذه الدول من تحقيق قفزات واسعة في مستويات التنمية الاقتصادية والسياسية معا. يقال إن الخبراء في الصين أغمي عليهم من الضحك بعد سماع مبرر السيسي في فشل نمو بلاده.

وعندما شرعت في قراءة كتاب “لماذا تفشل الأمم ؟”  بقي عامل النمو السكاني الذي ساقه السيسي في مؤتمر ” بريكس ” حاضرا في الذهن باعتباره سببا وجيها من أسباب فشل تجارب الدول، وتتبعت التوضيحات والشروحات التي قدمها اثنان من أهم الخبراء الدوليين في مجال التنمية، مؤلفا هذا الكتاب، وهما التركي الأمريكي دارون أسيموجلو، و جيمس أ، روبنسون، اللذان كشفا في كتابهما الذي يقع بنسخته المترجمة إلى العربية في 626 صفحة، أنه ليست الجغرافيا ولا الثقافة السائدة ولا الأمراض ولا الجهل في علوم الاقتصاد، ليس أي من هذه العوامل السبب المباشر وراء وجود بعض الدول غنية وأخرى فقيرة، إضافة الى أنهما لم يتناولا في كتابهما ظاهرة زيادة عدد السكان باعتبارها سببا لهيمنة شبح الفقر.

على امتداد 626 صفحة، هي حجم الكتاب بنسخته المترجمة إلى العربية، بقي الجدل والتفسير يراوح حول فكرة أساسية، باعتبارها جوهر الكتاب وأساسه النظري الذي يعكس قناعة المؤلفين، فكرة واحدة بقي الكتاب يدافع عنها بصيغ وأشكال متعددة باعتبارها السبب المباشر في وجود هذه التمايزات بين الشعوب، إنها مسألة مؤسسية وسياسية بالدرجة الأولى، فالدول لا تنجو من شبح الفشل والفقر إلا إذا توفرت لديها مؤسسات اقتصادية فاعلة، وتعززت لديها روح المنافسة، وهذا كله لا يتحقق إلا إذا اعتمد النظام السياسي مبدأ التعددية، هذه العلاقة الحميمة بين المؤسسات السياسية والاقتصادية هي جوهر الإسهام الوطني في تحقيق تنمية أو نهضة شاملة، والنتيجة الكبرى التي تشكلت بعد قراءة هذا الكتاب الممتع والغني، أن كافة التبريرات التي أمطرنا بها رجال السياسة والحكم في عالمنا، التي يُلقي معظمها باللائمة على الناس العاديين والبسطاء، وتحميلهم وزر فشل الاستراتيجيات التنموية، لأي سبب من الأسباب، بعد قراءة هذا الكتاب ستتضح الرؤية للقارئ أن هذه التبريرات ما هي سوى علامة إضافية من علامات الفشل، مجسدة بالتبرؤ من الفشل وتبعاته وإلقاء التبعات على الجانب الضعيف في كيان الدولة: الناس العاديون.

عبر عدد كبير من الأمثلة والنماذج التاريخية والمعاصرة، قدم المؤلفان إضافة مهمة، وإجابات معقولة ومقبولة ذهنيًا للأسباب التي تجعل بعض الأمم المتشابهة في العديد من المناحي والظروف المحيطة، غير أنها تختلف بدرجة هائلة في مجالات تطورها الاقتصادي والسياسي. وفرة من الأسئلة وضعها المؤلفان لنفسيهما اعتبرا من شأن الإجابة عليها أن تقدم تصورًا منطقيًا للوضع الدولي بصورة عامة، من مثل: ما الذي يفسر هذه الفوارق والاختلافات الكبيرة في معدلات الفقر والازدهار وأنماط النمو؟ لماذا بدأت دول أوروبا الغربية والمناطق الاستعمارية التابعة لها المليئة بالمستوطنين الأوروبيين في النمو منذ القرن التاسع عشر، التي بالكاد تتلفت إلى الوراء؟ ما الذي يفسر التصنيف الثابت والمستمر لعدم المساواة والتكافؤ الموجود في الأمريكيتين؟ لماذا تفشل دول إفريقيا وجنوب الصحراء ودول الشرق الأوسط في تحقيق نمط النمو الاقتصادي الموجود في أوروبا الغربية، في حين أن الكثير من دول شرق آسيا قد شهدت تحقيق معدلات مذهلة في النمو الاقتصادي ؟

جادل الكاتبان في فرضية الموقع الجغرافي باعتبارها إحدى النظريات الرائجة في تفسير أسباب عدم المساواة والتكافؤ بين دول العالم، التي ترى أن الفارق الكبير بين الدول الغنية والفقيرة تخلقه الاختلافات الجغرافية. فالكثير من الدول الفقيرة تقع بين المنطقة الاستوائية لمدار الجدي والسرطان ” دول أفريقيا، أمريكا الوسطى، جنوب آسيا”، وعلى النقيض تتجه الدول الغنية إلى وجودها عند خطوط عرض معتدلة، ويؤكدان على أن رواج هذه النظرية لدى علماء الاقتصاد وعلماء الاجتماع، رغم سطحيتها، لا يجعلها أقل خطأ أو أكثر دقة في حال المعاينة. وللدلالة على خطأ هذا التصور يعرض الكاتبان التجربة التاريخية لدول المكسيك وأمريكا الوسطى وبيرو وبوليفيا التي احتضنت حضارتي الأزتيك والاينكا، اللتين كانتا تمثلان أنظمة مركزية ومعقدة من الناحية السياسية، ووسائل تقنية متقدمة في زمانها، في الوقت الذي كان فيه سكان المناطق الشمالية، التي تشمل اليوم الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والأرجنتين يفتقدون لكافة الوسائل المدنية، وكانت حياتهم أشبه بحضارات العصر الحجري.

كما يرفض المؤلفان نظرية طبيعة المناخ والبيئة المستوطنة للأوبئة باعتبارها عوامل تقف وراء حالة الفقر والتراجع، فبريطانيا كانت لغاية القرن التاسع عشر مكانا غير صحي بدرجة كبيرة، غير أن الحكومات بدأت بالتدريج في الاستثمار في مجالات المياه النظيفة، وفي المعالجة المناسبة للصرف الصحي، وفي مجال الخدمات الصحية الفاعلة.

كما تبرز النظرية الثقافية التي تربط معدل الازدهار بالثقافة، وهي كمثل سابقتها “الجغرافية” تتسم بأصول تعتمد التمييز، وجاء اكتمالها على يد عالم الاجتماع الألماني “ماكس فيبر”، الذي رأى أن الإصلاح البروتستانتي مهد الطريق أمام ظهور مجتمع صناعي في أوروبا. واتسع مجال هذه النظرية ليتجاوز فكرة الدين بصورة منفردة، وغدت تشمل المعتقدات والقيم والأخلاقيات أيضا. فالأفارقة، وفقًا لهذه النظرية فقراء لأنهم يفتقدون أخلاقيات العمل المناسبة، وأنهم ما زالوا يؤمنون بالدجل والسحر، وأنهم ما زالوا يُقاومون وسائل التكنولوجيا الحديثة. كما يعتقد الكثيرون أن أمريكا اللاتينية لن تصبح أبدًا غنيّة لأن سكانها يغلب عليهم الإسراف والإفلاس معا. لقد غاب عن هؤلاء المنظرون السبب الحقيقي وراء عزوف هذه الشعوب عن التقدم؛ فتجنب شعب الكونغو لاستخدام الوسائل المتطورة مرجعه أنهم لاحظوا بعد التجربة افتقادهم لأي محفزات أو فرص تدفعهم لذلك، وأنهم واجهوا مخاطر تتعلق بمصادرة كل ما يقومون بإنتاجه، وأنه كانت تُفرض عليهم الضرائب من قبل السلطة المستبدة، بغض النظر عن المعتقد أو الأخلاقيات التي يؤمن بها المواطنون.

ودول الشرق الأوسط، التي هي دول إسلامية في الأصل، نجدها إما دولا غنية، ممثلة بالدول المنتجة للنفط، وإما دولا فقيرة، غير أن الوصول المفاجئ للثروة في الدول الغنية لم يخلق اقتصاديات حديثة متنوعة، كما أن معظم دول المنطقة لا تتوافر فيها مؤسسات اقتصادية سياسية واقتصادية مهمة وقادرة على تحقيق التطور والنجاح. إن هذا الغياب لا يمكن ربطه بالدين وتحميله مسؤولية حالة الفقر المنتشرة بالشرق الأوسط.

النظرية الأخيرة التي يسوقها عدد من علماء الاقتصاد في تبرير فشل الدول هي الخاصة بـ ” الجهل ” في علم الاقتصاد وربطه بالسلوك الإنساني، وهذا يستدعي الدول الغنية إلى تقديم النصيحة والمشورة الصحيحة من خلال إقناع الساسة بتبني السياسات الاقتصادية المناسبة. ويغيب عن ذهن هؤلاء المنظّرين أن العقبة الرئيسة لا تكمن في جهل الساسة، وإنما في القيود والعقبات التي يضعها هؤلاء الساسة في مؤسساتهم الاقتصادية والسياسية، إضافة إلى تبنيهم سياسات تعملُ أساسًا على إفقار الأغلبية الساحقة من مواطنيهم.

بعد هذا التطواف التفصيلي عبر أزمان وحقب متعددة، وبعد هذا التوثيق الدقيق لعدد وافر من تجارب أممية؛ يأخذ الكاتبان باستعراض الأسباب الكامنة وراء فشل أمم ونجاح سواها، وتبدأ المعالجة من خلال قصة حدثت عام 2000 في مدينة هراري، عاصمة زيمبابوي؛ ففي نهاية هذا العام أجري سحب يانصيب وطني، المدهش في المسألة أن الشخص الذي فاز بالجائزة الكبرى وقدرها مائة ألف دولار زيمبابوي هو صاحب الفخامة رئيس الجمهورية، روبرت موجابي. هذه الجائزة ما هي إلا نموذج بسيط ومؤشر مهم على ما أطلق عليه الكاتبان اسم “المؤسسات الاستحواذية” التي تستخلص لنفسها كافة الثروات الوطنية بكافة صورها وأشكالها، وبغض النظر عن قيمتها ومدى ثرائها، تستخلصها هذه المؤسسة لصالحها، وعليه  لا يعدو موجابي كونه نموذجًا حقيقيًا، وربما بسيطًا للسبب الحقيقي وراء فشل الأمم.

إنها المؤسسة الاقتصادية السياسية الاستحواذية قبل أي شيء آخر من مبررات وأسباب مكامن الخلل والفشل، إنها المؤسسة التي تستخلص الثروات لذاتها، ولا تخلق الحوافز والفرص اللازمة للأفراد من أجل الاستثمار والابتكار. وهناك تعاون متبادل بين الطرفين، المؤسسات السياسية الاستحواذية تدعم نظيرتها الاقتصادية داخل الوطن عن طريق تدعيم قوة أولئك المستفيدين من الاستحواذ، ورغم اختلاف تفاصيل المؤسسات الاستحواذية بسبب اختلاف الظروف؛ إلا أنها تبقى تمثل جذور هذا الفشل. في كثير من الحالات كما في الأرجنتين وكولومبيا ومصر، يتخذ هذا الفشل شكل غياب ما يكفي من النشاط الاقتصادي؛ ذلك لأن السياسيين راضون بالاستحواذ على الموارد والثروات أو قمع أي نوع من النشاط الاقتصادي المستقل الذي يشكل تهديدًا لهم وللنخب الاقتصادية.

يمكن تحديد اكتمال سياسة الاستحواذ في مطلع تسعينيات القرن الماضي، هذه الفترة شهدت  مستوى عالميًا لما عُرف بالإصلاحات الاقتصادية ضمن نظام عالمي جديد، نظَّمَ لهذه الإستراتيجية مؤسساتٌ مالية واقتصاديون دوليون، والغاية كانت تحرير الأسواق وتقليص دور الدولة في الاقتصاد. كانت خصخصة الأصول المملوكة للدولة بمثابة الركيزة الأساسية لهذه الإصلاحات في كل مكان. البرنامج المكسيكي على سبيل المثال حوّل ببساطة احتكار الدولة للأصول المملوكة لها إلى احتكارات يملكها أشخاص من خلال عملية إثراء رجال أعمال مرتبطين بالسياسة، مثل كارلوس سليم. وهذا بالضبط ما حدث بمصر؛ فقد كان رجال الأعمال المتصلون بالنظام قادرين على التأثير بقوة في تنفيذ برنامج الخصخصة ليصب في صالح نخبة من رجال الأعمال الأثرياء الذين عرفوا على مستوى شعبي باسم “الحيتان”. وفي الوقت الذي بدأ فيه برنامج الخصخصة سيطر اثنان وثلاثون رجل أعمال على مفاصل الاقتصاد الرئيسة.

الاستنتاج العريض الذي يخلص إليه المؤلفان في كتابهما المهم الذي استغرق خمسة عشر عاما لتحرير فصوله، وصدر عام 2015، أن هناك اختلافات ملحوظة بين عدد من الدول التي آل وضعها السياسي أو الاقتصادي أو كليهما إلى الفشل، فبعضها استوائي، والبعض الآخر في مناطق معتدلة. بعضها كان ضمن مستعمرات بريطانية أو إسبانية أو فرنسية أو روسية، لكل منها تاريخها وثقافتها ولغتها، هذه كلها عناصر غير مشتركة فيما بينها، لكن الشيء الوحيد المشترك بينها هو حضور المؤسسات الاستحواذية وفاعليتها. لكل نموذج نخبتُه التي تشكل طبيعة المؤسسات الاقتصادية من أجل إثراء نفسها، واستدامة قوتها وسلطتها على حساب الغالبية العظمى من الشعب.

إن وفرة النماذج التاريخية والقصص الواقعية التي ساقها الكتاب كفيلة وبطريقة ما بإثارة حالة من التأمل والتفكر لدى كل من يقرأ هذا الكتاب.

0 1083 19 سبتمبر, 2017 السابع والثمانون, سياسة سبتمبر 19, 2017