الردة بين الفكر والسياسة

لـ


مصطلح الردة الذي ورد في الأدبيات الإسلامية كان مصطلحًا سياسيًا وصف ظاهرة الرجوع عن الدين الجديد، والخروج عليه، وما تلا ذلك من أحداث عسكرية وسياسية معروفة لدى المهتمين بتاريخ الإسلام.

الثورة الفرنسية رغم صيتها الذائع مثال آخر على الردة السياسية؛ إذ لم تمضِ على قيامها وإعلان حقوق الإنسان ووضع الدستور وإلغاء الجمهورية وإعدام الملك وحاشيته أربع سنوات حتى اندثرت الثورة وعادت البرجوازية إلى الحكم ممهدة للانقلاب العسكري الذي قام به نابليون وأعلن خلالها نفسَه إمبراطورًا للبلاد، معيدًا النظام الملكي للحكم، وقد ظلت الأوضاع السياسية بين شد وجذب، فالغلبة تارة للجمهورية وأخرى للملكية لعشرات السنين التي تلت ذلك.

وقد قام جورج طرابيشي بتوظيف مصطلح (الردة) في المجال الثقافي ليشير إلى تخلي بعض المثقفين عن أفكارهم الثورية، وتبني أفكار مقابلة لها أو محايدة في بعض الحالات وأورد كذلك أمثلة على (ردة مضادة)، حيث يتخلى المثقف عن أفكاره المحافظة لصالح أفكار أكثر انفتاحا. في الحضارة الإسلامية مثلا، وفي عهد المأمون قامت حركة ترجمة واسعة النطاق للعلوم من اللغات السريانية واليونانية والفارسية أدت إلى قفزة هائلة في النشاط الثقافي والإنتاج العلمي استمرت لما يقرب من ثلاثة أو أربعة قرون قبل أن تبدأ في الاضمحلال والتلاشي، وقد بحث الكثيرون عن أسباب هذه الردة والتوقف عن المساهمة في مسيرة الحضارة. ومن أكثر الآراء شيوعًا هو رأي القائلين بالأسباب السياسية، إذ تعرضت المنطقة للغزو المغولي وهي لمّا تتعافى بعد من جروح الحروب الصليبية، ولم تكن السلطة الغازية الجديدة من المعجبين بالعلم والثقافة كما كان خلفاء الممالك العباسية وأمراؤها.

وعلى خلاف ذلك، يرى محمد عابد الجابري أن الغزو الذي أتى على بنيان الحضارة العلمية الإسلامية لم يكن سياسيًّا بقدر ما كان ثقافيًا، وبتحديد أكثر، غزو الأفكار الهرمسية الغنوصية التي كانت تقدس الغيبيات على حساب النظر في الطبيعة لمعرفة الأسباب والأخذ بها، وهو ما يسميه الجابري بالعقل العرفاني، وقد رد عليه طرابيشي برأيه القائل إن انتكاسة العقل العربي وسباته كانا لأسباب داخلية أهمها غلبة منهج أهل الحديث الذين أعطوا الروايات والآثار أولوية وأهمية تفوق أهمية العقل، وكذلك بسبب تضاعف الإيمان بالمعجزات والخوارق بمرور الزمن مقارنة ببدايات الإسلام، وهما سببان كان لهما أبلغ الأثر في تنحية التفكير المنطقي، وإهمال مبدأ السببية.

في القرن التاسع عشر أعاد التاريخ نفسه، حين بدأت المنطقة – ممثلة في مصر- محاولة العودة إلى مسار التاريخ، والاستفادة من الحداثة الأوروبية، فبعث محمد علي البعثات العلمية إلى فرنسا، خاصة من طلاب الأزهر، فعاد هؤلاء حاملين راية التنوير كالطهطاوي ومحمد عبده اللذين كانا من روّاد التنوير والدعوة للعقلانية الدينية، ومن ذلك الجيل ظهر كذلك قاسم أمين وسعد زغلول وكامل أمين، ولطفي السيد، وغيرهم من أعلام النهضة العربية الحديثة، وقد استمر هذا المناخ التنويري في مصر لعقود من الزمن، واتسم بشيء من التعايش الفكري لدرجة سمحت بظهور لا دينيين مثل إسماعيل أدهم، وعبدالله القصيمي الذي عاش جزءًا من حياته في مصر، ولكن للأسف الشديد لم يكتب لذلك المناخ الفكري ولبوادر تلكم النهضة الاستمرار فتراجعت؛ تاركةً المجال للفكر السلفي بدءًا من حسن البنا، ومرورا بسيد قطب، وليس انتهاء بشيوخ الفضائيات، وكان من الأسباب الرئيسة لهذه الردة استعمار الدول الغربية للبلاد الإسلامية، مما أدى إلى ردة فعل تجاه كل ما هو غربي؛ خصوصا تجارب الفكر الغربي، إذ ظهرت أصوات أصولية تنادي بضرورة العودة إلى الأصول، واعتبار الفكر الغربي غازيًا دخيلًا لا مجال للاستفادة منه في الحقل العربي الإسلامي، ومصطلح (العودة إلى الأصول) يعني البحث عن حلول لمشكلات الحاضر عن طريق العود للماضي الزاهر، وهو ما يترتب عليه استلهام الأفكار الغابرة وتجارب الأقدمين باعتبارها حلولا بديلة عن الفكر الأوروبي الدخيل.

من أمثلة المفكرين الذين يمكن أن نعتبرهم خاضوا تجربة الردة الثقافية رشيد رضا؛ إذ بدأ حياته تنويريا كأستاذه محمد عبده، خاصة في تفسيره العقلاني للقرآن، وهو المشروع الذي أكمل فيه مسيرة أستاذه، ولكنّه ما لبث أن غيّر اتجاه بوصلته الفكرية، ودعا إلى ضرورة التفسير بالرأي والمأثور. ومن الأمثلة كذلك سيد قطب، رمز السلفية الحديثة، الذي درس في  أمريكا، وبدأ حياته الفكرية حداثيا قبل أن يرتدّ إلى اعتناق السلفية، وهناك من يدّعي أن من عوامل ذلك محاولته كسب اعتراف العقاد، ورفض الأخير؛ لذلك ومن المفارقات أن لسيد قطب رائد السلفية الحديثة مقالًا قبل ردته، نُشر بإحدى الصحف المحلية يدعو فيه للسماح بلبس البكيني في الشواطئ، ويذكر فيه فوائد التعري.

أما أبرز الأمثلة قديما، فهو الإمام الأشعري الذي ارتدّ عن عقلانية المعتزلة ليأخذ بمذهب أهل الحديث قبل أن يؤسس مذهبه الوسطي بينهما.

هنالك مثال أقرب لنا مكانيا وزمانيا وإن كان على نطاق ثقافي/اجتماعي أضيق، وهو المجتمع العماني بعد عصر النهضة 1970، حيث كانت العلاقات بين الرجال والنساء بعيدة عن التكلف وأقرب للبساطة في التعاطي، ولا أدل على ذلك من أن لباس المرأة العمانية السائد حينذاك هو اللباس المزركش ذو الألوان، كما لم يكن هنالك خوف من تبادل الجنسين – من غير المحارم- لأطراف الحديث بدعوى سد الذرائع وغيرها. فما الذي حدث وأدى إلى الحملة الوعظية الشعواء ضد تلك المظاهر؟ وما الذي أدى بعد ذلك إلى انتشار مفاهيم كثُر تردادُها على المنابر، مثل: الاختلاط والخلوة والتبرج والحشمة وغيرها ؟

برأيي إن التحولات التي جاءت بها ما تسمى بـ(الصحوة الإسلامية) في الثمانينيات من القرن المنصرم، وهي الحركة التي انبثقت سياسيّا بسبب الغزو السوفييتي لأفغانستان، وامتد تأثيرها ثقافيًا في التأكيد على ضرورة (العودة إلى الأصول)، وانتصرت فيها الأفكار الدينية المتشددة، خاصة فيما يتعلق بعلاقتنا مع الحضارات الأخرى (لاحظ ظهور مصطلحات: التشبه باليهود، تقليد الغرب) وعلاقة الرجل بالمرأة (مصطلحات: العفة، الاختلاط، الخلوة، الفتنة) شكلت موجة امتد تأثيرها خارج أرض الحجاز باتجاه دول المنطقة، وقد نالنا منها نصيب.

مثال آخر على الردة – سياسيّ هذه المرة- هو ما حصل لكثير من ثورات الربيع العربي من ردة شبيهة بما تعرضت له الثورة الفرنسية؛ ففي مصر مثلا تم اغتيال الديموقراطية التي انتجتها الثورة عن طريق انقلاب عسكري سافر؛ بل و مدعوم شعبيا.

لذلك فعلينا أن نقرأ التاريخ بعناية؛ ليس فقط تاريخ الملوك والسلاطين والدول؛ بل كذلك تاريخ الأفكار، فكما أن السياسة غير مأمونة تقلباتها؛ فكذلك الأفكار ومعتنقوها، قد تطوّح بهم رغبتهم للمعرفة، وتساؤلاتهم بين مختلف التيارات الفكرية، وقد تتغير قناعاتهم أو ترتد لسابق عهدها ما داموا يجوبون بحار الوعي والمعرفة.

0 706 01 أكتوبر, 2017 الثامن والثمانون, العدد الأخير, ثقافة وفكر أكتوبر 1, 2017