أحلام الأعراس

لـ

قراءة في رواية: سندريلات مسقط  للكاتبة: هدى حمد

دار الآداب ٢٠١٦

تأتي الرواية العمانية للحكاية المنتشرة عالميًا والمعروفة اليوم – بفضل والت ديزني – باسم حكاية السندريلا، بصيغة مختلفة مفادها أن زوجة الأب وابنتها الشريرتين كانتا تتفنان في تعذيب وإيذاء الفتاة يتيمة الأم، وذات يوم أمرتاها أن تجلب الحطب شرط أن (لا يكون مستقيمًا ولا أعوج ولا أخضر ولا يابسًا) فذهبت تجمع الحطب دون أن تظفر بالشرط المستحيل، فجلست تبكي خائفة من العودة والعقاب، عندها مرّ بها رجل ورآها على تلك الحال فسألها عن بكائها فأخبرته، فمسح بيده على حزمة الحطب فصارت كما طلبت، وقال لها سأختبئ في الحطب على هيئة ثعبان (غول)، وفي رواية أخرى جمل حملها هي والحطب، وحين تصلين البيت اطلبي من أبيك تزويجك بي، وذلك ما حدث، ولمّا تردد الأب في الموافقة حثته الزوجة رغبةً منها في التخلص من الفتاة، فزوجهما وزفّوها إليه في زريبة الحيوانات، وكانت المفاجأة في الصباح التالي حين اكتشفوا أن زرب الحيوانات تحول إلى قصر، والثعبان، أو الجمل، إلى رجل جميل، والفتاة العروس مزدانة بالصوغ والجواهر والثياب الفاخرة والعطور. فامتلأت الزوجة حسدًا، وقررت أن تزوج ابنتها الكبرى من ثعبان، أو جمل، وكان جزاؤهما أن أصبحت الابنة ميتة ولحقتها الأم.

(للتفاصيل راجع ص٢٦٦٦ الموسوعة العمانية)

 

سندريلات مسقط هي النسخة المعاصرة من تلك الحكاية الشهيرة التي أنجزتها الروائية هدى حمد، وصدرت عن دار الآداب، وقد تناولت عدة مقالات هذه الرواية؛ لعل أبرعها كان للناقد محمد زروق في القدس العربي الجمع والتقصير في رواية سندريلات مسقط، لكن بقيت عدة خيوط هي التي تدفع لإضافة هذه القراءة، أشارت إليها تلميحًا بعض المقالات واختفت من الأخرى التي اكتفت أحيانًا باستعراض أحداث الرواية، مع خطأ واستبدال في أسماء الشخصيات، وهذه القراءة تحاول حمل الأسئلة مباشرة للبحث في العمل عن إجابات، والسؤال المركزي منها حول ما بقي في عناصر القصة المعاصرة من النسخة الأصل ؟

 

تجمع الصديقات في سندريلات مسقط على رواية قصص حزينة، كل القصص مؤلمة بشكل أو بآخر، أو بالأحرى تنطلق في قبضها على حياتها من الزاوية الصعبة إن شئنا أو الحزينة، من الفتاة الدميمة إلى العمة المصابة بالزهايمر، لكن لماذا كل القصص التي ترويها السندريلات حزينة هكذا ؟ وفي أحيان كثيرة لا يتعلق الحزن بهنّ مباشرة؛ بل بآخرين حولهن، مثلما في قصة سارة التي تحكي عن العجوز فيما هي تغسلها غسل الموتى، أو في قصة ريّا عن زوجها سعد البدوي، أو عليا عن المسلسل المكسيكي وتأثيره على أمها والقرية، أو زبيدة الروائية وعمتها مزنة التي جفف الزهايمر بئرها.

 

السندريلات في اجتماعهن السحري بمطعم السندريلات (الشيف رامون سابقًا) على شارع الحب في القرم يتفقن على الحكايات الحزينة، مع أن المناخ الذي تجري فيه الحكايات مغرقٌ في الحلمي، والسحري، ومن البداية ينبهنا النص إلى أسباب اختفاء الجنيات من مسقط بسبب دخول الكهرباء والإضاءة والبيوت الإسمنتية التي تسجن الناس، وبعد تعداد الأسباب يرفع النص سببًا رئيسًا لذلك الاختفاء: بعبارة أدق عندما انطفأ التأمل ومات الخيال ص٧، وبذلك فإن حرص الصديقات على هذا اللقاء هو محاولة استعادة تلك العناصر لاختطاف تلك الهالة السحرية لدى الجنيات كما تؤكد زبيدة:” نحن السندريلات نتمتع الآن بقوى الجنيات الخائبات”. ص٨، لكن لم الخائبات تمييزًا؟ ذلك ما تكشفه تضاعيف الحكايات التي تشكل متن هذا العمل.

 

يأخذ الحكي أو القَص مكانة مركزية في هذا العمل، فالنص يدرك مكامن قوته. إن المتعة الكبرى هي حكاية الأسرار الشخصية وتبادلها، وهناك السحر: على مدى سنوات طويلة، دأبنا على الحكي، كي لا تأتي الأسرار اللعينة إلى لحظات خلوتنا فتفتك بنا، إننا نتماسك معًا بالحكي، والجنيات ينتشين بالاستماع إلينا، لم يعد لديهن ما يفعلنه سوى الإصغاء لنا ص٢٨، إذاً تبادل القصص هو السحر: الحكي وحسب هو الذي يجعلنا جميلات ومدهشات، ويجعل لأطباقنا رائحة ومعنى. ص٢٩ وذلك الفعل السحري: قَص القصص، هو الذي يحول النساء العاديات إلى نساء سحريات، جنيات: نحن نحكي، لنعود إلى بيوتنا خفيفات جدًا. نصبح آنذاك كالريش، حالمات وسعيدات.. ص٢٩

 

بقليل من التأمل نستطيع أن نبصر هنا صورة من كل لقاء أنثوي نسوي بين اثنتين أو أكثر، تلك اللحظة السحرية: لحظة الانطلاق في الكلام، انبجاس ماء السوالف، والسالفة بما هي قصة من الماضي، وتلك القوة السحرية أو الجنية التي تتجسد لحظتها، شهوة الحديث المتبادل والانطلاقات السريعة التي يتعجب كل مستمع أو شاهد خارجي من قوتها وقدرتها وخفتها وبراعتها، يتم تبادل ذلك السحر بالتناوب بين النساء، وهنا في سندريلات مسقط تأخذ شكلاً نصيًا رمزيًا، لا يعتني كثيراً باتحاده العضوي مع بنية العمل الروائي ككل بقدر اهتمامه بتحققه الجزئي كحكاية هي فعل انطلاق نفسي يغذي الاحتياجات الداخلية للإنسان ويحقق إشباعها.

 

إن السندريلات يدخلن مطبخ المطعم، ويعددن وجبات ومشروبات ساحرة تجعل رئيس الطباخين ينهار عاجزًا عن مجاراة أطباقهن، وترفض السندريلات ضرورة وجود الأمير في الحكاية، لكنهن يوافقن بعد تشاور طويل على إشراك رئيس الطباخين الشيف رامون، كتطييب خاطر له، وكي لا يتكلم الناس: “غداً أو بعد غد سيتحدث الناس، وهذا ما لم نعتد عليه”. ص٢٤ في إلماح لسحر (كلام الناس) الأسود إن شئنا، ينضم الطباخ بعد أن أثر سحرهن في عمله في المطعم، وهو بدوره يتحول إلى مستمع يحفز السحر والحكي ويشارك بقصته القصيرة عن نفسه، ثم ينسحب للظل أو كما يقول هو:” أنتن تقلصن الناس في دور صغير، أعني تحديدًا دور الانبهار بكنّ وحسب”. ص٢٨

 

القصص مكتملة الأركان، (لا مستقيمة ولا عوجاء) ومستعدة للانطلاق، كحمولة الحطب، لكن أين الساحر؟  وأين العمة الشريرة وابنتها؟ ذلك ما تكشفه تضاعيف القصص والحكايات المتتالية، فالعمة الشريرة زوجة الأب التي عانت منها كل سندريلا على حدة هي الحياة الماضية بأقدارها القاسية المدللة على حساب السندريلات، وقصر الأمير هو مسقط بأكملها، والرجل الساحر الذي استطاع تحويل الحال البائس إلى ما فوق الخيال هو النص واللغة والكلام والسرد والحكي نفسه، والكتابة التي تكتبها شخصية الراوية في العمل سندريلا زبيدة، وهي التي تختم كما بدأت العمل بروايتها، هكذا يتحول ليل مسقط عند تمام الثانية عشرة، أي في أعماقه، إلى ليل ساحر ممتلئ بالحب لكل الناس فيما:” تكنس السندريلات طرقات مسقط كفراشات مضيئة”. ص١٥٧

0 708 19 أكتوبر, 2017 الثامن والثمانون, حداء الروح أكتوبر 19, 2017