صراع الخطابات

لـ

 

يمكن النظر إلى الدولة بأنها سلطة مشروعة لإدارة مصالح الناس وحفظ حقوقهم، والناس إزاء ذلك يمنحون الدولة وجودها وشرعيتها بإسداء الطاعة لها، وعلى الدولة أن تحفظ للناس تلك الحقوق بموجب دستور صالح، وقانون صارم تحيط به سلطة قوية؛ فالدولة – كما يرى ماكس فيبر-  هي الجماعة الإنسانية التي تدّعي داخل أرض محددة وبنجاح حقَّها باحتكار العنف الطبيعي المشروع؛ فالعلاقة بين الدولة والعنف علاقة حميمة[1] وشرعية غالبا، بيد أن هذه العلاقة الحميمة بين الدولة والعنف متغيرة أو متأثرة بعوامل كثيرة، وفقا لما تتضمنه الدولة من شرعية لمؤسساتها العامة التي تدير للناس مصالحهم، فكلما أصيبت الدولة بنوع من الترهل والشيخوخة؛ فإن الالتجاء إلى العنف يزداد، ويؤدي إلى نوع من الصراع اللفظي داخل التجمعات السياسية؛ إذ تتحول تدريجيا من سلطة السلطة إلى سلطة المنطق أو الخطاب؛ لأن “السياسة بالنسبة إلينا تعني السعي من أجل المشاركة بالسلطة، أو من أجل التأثير في توزيع السلطة، سواء كان ذلك بين الدول أو كان بين مجموعات مختلفة داخل الدولة التي تضمهم”[2]، وذلك يعني أن هذه المجموعات الظاهرة على الركح الاجتماعي تتوسل الخطابات المختلفة، وتحليل هذه الخطابات يجعلنا نفكُّ سحرَها، ونفرّق بين منتج الخطاب وموزعه في السيرورات الاجتماعية وتحولاتها.

 

إن الدخول في المعترك السياسي يتطلب مهنية عالية لضمان النجاح وفهم الواقع، ولعل الكواكبي أدرك في طبائع الاستبداد أهمية الفقه لمنظومة الدولة والحقوق المترتبة عليها إزاء الشعوب لضمان السيادة التامة، وهو يجعل لــ”العُدة العلمية”  الدور الكبير في فهم مواقف الدولة وأدواتها؛ لذلك ولأن الدولة ترتبط بإدارة العنف كما رأينا وهو أمر طبيعي، وهو يؤدي إلى الاستبداد إذا ما خرج عن القانون ومقتضيات العقد وحماية المصالح؛ فإنها (أي الدولة) تُميز في صراع الخطابات بين نوعين من العلوم والعلماء أو منتجي هذه الخطابات[3]: فالنوع الأول لا يكترث به الاستبدادُ، ولا يغير مسارا داخل المعترك السياسي، ولا يُسهم في تفكيك الخطاب السياسي، متمثلا في العلوم الدينية وما كان من قبيلها، إذ يزعم الكواكبي أن هذه العلوم الدينية “إنما يتلهى بها المتهوسون للعلم، حتى إذا ضاع عمرهم، وامتلأتها أدمغتُهم، وأخذ منهم الغرور ما أخذ، فصاروا لا يرون علما غير علمهم؛ فحينئذ يأمن المستبدّ منهم كما يؤمن شرُّ السكران إذا خمر”[4]، وسواء علينا أرضينا برأي الكواكبي أم لم نرض به؛ فإننا نعتقد أن الغوص في علوم لا تؤثر في مسار المجتمعات ولا ترفع حيواتها، ولا تسهم في التبصير بحقوقها هو في ذاته أمر غير مقبول؛ لذا فإن النوع الثاني الذي تمثّل في “علوم الحياة” هو الذي يصنع خطابا مختلفا لصدّ الخطاب المضاد في المعترك السياسي، ويقصد الكواكبي بهذه العلوم “الحكمة النظرية، والفلسفة العقلية، وحقوق الأمم وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنية، والتاريخ المفصل، والخطابة الأدبية، ونحو ذلك من العلوم التي تُكبر النفوسَ، وتوسع العقول، وتعرّف الإنسان ما هي حقوقه وكم هو مغبون فيها، وكيف الطلب، وكيف النوال، وكيف الحفظ”[5]؛ فعلينا في هذا السياق أن ننظر إلى الخطاب إذاً بوصفه يمر بمستويات مختلفة للوصول إلى “المنتوج المنجز” بتعبير كريستيان بلانتان؛ فهو مجموع “أعمال اللغة المخططة، المحددة الغاية، والموجهة إلى جمهور في إطار مؤسساتي محدد”[6]

 

إن هذا المقال ينطلق بناء على ما سبق توضيحه بنوع من الإيجاز، على افتراض فحواه يتشعب إلى (1) أن السياسة نوع من اصطراع خطابات مختلفة، و(2) أن هذه الخطابات تختلف في مضامينها ووسائلها بناء على فهم النظرية السياسية وفقه الحقوق والواجبات، وأن الخطابات من طبيعتها وسمتها التناقض والمغالطات -كما يزعم طه عبدالرحمن- وتزداد حدّتها بسبب الجهل بوسائل الإنتاج، وترتيب البراهين، وإيراد الاعتراضات وإقامة الدعاوى، وعلى المجتمع ليتجاوز مشكلة الحيرة إلى وضوح الفهم، تحليل هذه الخطابات، وكشف سحرها وخداعها، كما أن على القارئ أن يتنبّه إلى أن الخطاب السياسي له عوالقه، وتوسلاته، فلها طبيعة الأخبار، وما تصاحبها من صورة مرئية للحدث ومندمجة بالكلام لها أثرٌ بالغ في استلاب العقل وتضليله.

 

وفي سياق المجال العام في المجتمع العماني(مثلا) نجد اصطراع الخطابات كلما تبدّت ظاهرة من الظواهر التي تقلق الشأن العام؛ سواء أتعلقت بنقاش قضية دينية أم اقتصادية أم اجتماعية؛ إذ تتباين تلكم الخطابات من حيث المستوى والشكل؛ ولكنها تتدافع لتشكيل كتلتين على الأقل؛ كتلة مؤيدة للمؤسسات وأخرى تحاول إبراز الأخطاء؛ وفي خضم الاصطراع قد تغيب القضية الجوهرية، وتبرز في السطح المغالطات المنطقية واللغوية؛ وتزداد المشكلة حدة بسبب ما يتميز به المسؤول العماني غالبا من ضعف يظهر في القوالب اللسانية التي يوظفها إن أراد التعبير عن وجهة نظره أو نظر المؤسسة؛ علاوة على قلة الثقافة السياسية والقانونية؛ فإذا ما اعترضت المسؤول مشكلة صُدّرت تصديرا واضحا إلى معتركات الرأي العام؛ فغالبا ما تجد حجم المغالطات المنطقية يتزايد فتتحول الحالة الخطابية من التبرير والتفسير إلى حالة التمجيد والشكر؛ ولعلنا ونحن أمام اصطراع الخطابات نجد ظاهرة غريبة تتعلق بمنابر الجمعة أحيانا بوصفها جزءا من ذلكم الصراع؛ فهي غالبا ما تنحاز إلى الموقف الثاني من الموقفين الآتيين:

1- حالة المحايدة؛ بحيث إنه لا سلطان على إرادة الخطباء وتقمُّص أدوارهم وتلقينهم ما لا يتبنّونه أبدا؛ إلا وفق القانون المحدد؛ وبهذا الاعتبار فللخطيب أن يعبر عن رأيه في حدود المشروع، ودون الخوض في المحظور، ولا الاعتماد على رأي المؤسسة الرسمية؛ وإلا فالخطيب والحال هذه؛ يؤدي دور الممثل على المسرح لنص ليس له يدٌ في صناعته مع فارق يحسب للممثل ويغيب عن الخطيب.

2- حالة تقنين النص وتطويعه في الموقف، وهي الحالة الظاهرة في معترك الخطابات والمواقف؛ إذ تتحول الخطابة الدينية بدلا من مناقشة الأداء العام، وإبراز خلله إزاء الظاهرة؛ إلى خطاب وعظي يجعل المجتمع في دائرة “المذنب” أو الذي يوشك أن يقع في المحظور، ويتم إفراغ القضايا من المعنى كما حدث في خطبة التحذير من الفساد؛ فالفساد ظاهرة مؤسساتية ولها نظام في مكافحتها؛ بيد أن الجهة المعنية حولتها إلى ذنب فردي يوعظ به المسلم يوم الجمعة؛ وهذا يفرز في الحجاج ما يسمى بالدعوى المفهومة في مقابل الدعوى المنطوقة[7]؛ فالمنطوق يجعل الفساد ظاهرة مجتمعية؛ والمفهوم هو تنزيه المسؤول؛ ليتم تجاهل الأدب النظري برمته في السياسة والاقتصاد، وتصدير القضية من ضفة المؤسسة إلى ضفة الفرد.

 

وإذا ما اقتربنا من ظاهرة محددة؛ لنفحص مواقف صراع الخطابات في المجال العام وهو أمر طبيعي؛ ولتكن ظاهرة “التسمم الغذائي” في الموسم الماضي؛ والتي تعدّ مشكلة فيما يتعلق بالأمن الغذائي، وتنويع مصادر الدخل، والصحة العامة، ولها علاقة بالعمالة الوافدة، والفساد، وتستدعي حزمة من الإشكالات؛ تظهر إزاءها خطابات مختلفة المشارب؛ تصبُّ كلها في وضع المؤسسة العامة موضع السؤال؛ ولكن “المسؤول” عن الظاهرة بوصفه موظفا عاما وعوض أن يتخذ موقفا يتسم بالشفافية والمسؤولية؛ تجده يوظف المغالطات المنطقية،ويتم شحن الموقف بمشتتات متعددة تتسم بمهنية عالية؛ ولعل أبرز الإستراتيجيات السيّارة في هذه المواقف والتي تربك الخطابات الناقدة إستراتيجية “الحجة البديلة”؛ فالمسؤول عوض أن يقوم بالتفسير أو التبرير، أو اتخاذ قرار المساءلة لخطأ محدد تجده يطرح الحجج البديلة لتشتيت النظر؛ مثل:

 

1/ ظهور التسمم في العالم كله، وفي الدول المجاورة؛ لإشغال الرأي العام، ولإقناع المتابع أو المجتمع أن التسمم ظاهرة مألوفة؛ فإذا كانت الحالة كهذه فلماذا كل هذا النقد لظاهرة موجودة متداولة؛ والنتيجة المنطقية لهذه الحجة: علينا أن نقبل بالتسمم الغذائي لأنه مألوف عند الآخرين.

2/ إذا كانت ظاهرة التسمم الغذائي، وبالتحديد في الإنتاج الزراعي يمنع من تصدير الغذاء العماني أو المحاصيل الزراعية إلى دولة محددة ولتكن خليجية مجاورة؛ فإن وسائل الإعلام تبرز حجة بديلة لتسريب مغالطة تشغل الرأي العام كما الشأن في البند السابق، وتتمثل الحجة في ظهور مانشيتات الصحف بتصدير المحاصيل الزراعية العمانية إلى اليابان. مثلا؛ لتكون النتيجة المنطقية: أن التسمم الغذائي المكتشف خرافة أو وهم أو خطأ بسيط.

 

وفي خضم هذه المغالطات والحجج البديلة؛ فلا بأس بشحن الموقف بعدد من الكتابات والمقالات من كتّاب آخرين خارج المؤسسات تخفيفا لحدة الموقف، وفي تلكم الضجة تتعدد المواقف حول “المسؤول” الحكومي إلى:

 

3/ من يتقن الفهم، ويقدر الموقف ويدرك أن القضية نابعة من المغالطات وإفراغ الظاهرة من المعنى، وهم قلة ممن كان يقصدهم الكواكبي في النص السابق من كتابه

4/ من يستغل الموقف، ويسارع في الاقتراب من المسؤول؛ لأنه يعلم أن قربه داخل المؤسسة أو بعده من المسؤول باعتبار درجة الاستماتة في الدفاع عنه، وقد يفتح له بابا للوصول إلى منصب حكومي.

5/ من يقع في حالة من الحيرة بسبب سوء الفهم للأدوار والنظرية السياسية ومسؤوليات الصفات الوظيفية وفق القانون.

 

ولعلنا ندرك مثل هذه المواقف، وذلك الصراع عند ظهور كثير من الظواهر في المجال العام؛ مثل مشكلة الباحثين عن العمل؛ وكيف أن البعض حول القضية المهمة على مستوى الوطن والاقتصاد إلى قضية مؤامرة على الدولة استفراغا لأوهامه؛ حتى خبت تلكم الأصوات بالأوامر السامية، ولو عدتُّ  إلى ظاهرة الغذاء والتسمم في المحاصيل وما يتعلق بها من صراعات كلامية قد تتكرر؛ فإنه يفترض:

أولا: أننا أمام موسم زراعي كامل قد تسممت محاصيله، وهو يستدعي وجود خلل ليس في كمية من الغذاء في الأسواق المحلية، وإنما يكمن الخلل في منظومة الإنتاج الزراعي ومراقبته، مراقبة الأسواق؛ ويستدعي أن يخضع مسؤولون في جهات حكومية مختصة للمساءلة والمحاسبة؛ فأنت لست أمام تسمم كمية من الأغذية، ولكنك أمام ظاهرة خطِرة تؤدي إلى تداعي الأفكار بشأن الإنتاج الغذائي وذاكرة محملة بالخبرات السلبية وتتكرر أمام المواطن العماني في كل موسم.

ثانيا: أننا أمام قضية فحواها أن على الدولة أن تحمي المواطن حتى لا يقع في الخطر والمرض؛ فتتحمل الدولة مستقبلا مرضَه لعلاجه ورعايته؛ فالأمر يتعلق في النظرية السياسية بشرعية المؤسسات والثقة الممنوحة من المواطن لمؤسساته. وأعتقد أن استيعاب المواطن العماني للأدوات المختلفة كفيلة بمنحه قدرة على القراءة الجيدة وتفكيك لغة الخطابات المختلفة.

 

__________________________

[1] ماكس فيبر، العلم والسياسة بوصفهما حرفة، تر: جورج كتّورة، بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2011، ص. 263

[2] المرجع السابق، ص. 263

[3] عبدالرحمن الكواكبي، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، تح. محمد جمال طحان، دمشق: صفحات للنشر، 2012، ص. 86

[4] المرجع السابق، ص. 86

[5] المرجع السابق، ص. 86-87

[6] كريستيان بلانتان، الحجاج، تر. عبدالقادر المهيري، تونس: المركز الوطني للترجمة، 2008، ص. 18

[7] عبدالهادي الشهري، الخطاب الحجاجي عند ابن تيمية: مقاربة تداولية، بيروت: دار الانتشار، 2013، ص.258

0 527 23 أكتوبر, 2017 الثامن والثمانون, سياسة أكتوبر 23, 2017
  • نبيل السناني

    مقال جميل، دائما هناك المفسد ينتهم المصلح، والمصلح يتهم المفسد، فربما تريد تصلح بعض الأمور فيكون الاتهام أنك تريد الافساد وهذا ذكر في القرآن الكريم. ( وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (11) أَلا إِنَّهُمْ هُمْ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لايَشْعُرُونَ )