وفاة فيلسوفة الفلبين  

لـ

في هذا المقال ترجمة لما كتبته إحدى قريبات الفيلسوفة الفلبينية إميريتا كويتو التي رحلت مؤخرًا. شخصيًا لم أسمع عن فيلسوف فلبيني من قبل. وبعد قراءتي عن هذه الفيلسوفة وجدت أن شح الفلاسفة قد يعود  إلى الأسباب ذاتها، التي أدت إلى شحِّ الفلاسفة لدينا. أترككم مع المقال:

 

توفيت إميريتا كويتو Emerita Quito في 17 – 9-2017 في الساعة 12:40 صباحًا. إميريتا لمن هي فليسوفة فلبينية ذائعة الصيت، وكانت قد بلغت من العمر عند وفاتها 88 عاماً. لقد كانت عميدة جامعة دي لا سيلا، وقد قامت بتأليف أكثر من 20 كتابًا. بدأت مشوارها في تلقي العلم من سويسرا، ثم في جامعة السوربون بباريس. وقد حصلت على أعلى وسام أكاديمي بفرنسا عام 1984، كما تم تكريمها العام الماضي كمعلمة الفلبين الأكثر تميزًا. وكانت تتقن 6 لغات.

هذه العالمة البارزة والكاتبة الغزيرة كانت أيضًا عمتي. وهنا سأتحدث عن حياتها في الفلبين وكيف كان يراها المجتمع وأولئك الذين قامت بتدريسهم.

 

أن تكون فيلسوفًا في الفلبين

 

الفلسفة ليست من العلوم المحببة في الفلبين؛ بل إن الثقافة الشعبية تستخدم لفظة الفلسفة والفيلسوف للإشارة إما إلى الغباء وإما إلى صاحب اللسان الطليق. وعن هذا الأمر كتبت الفيلسوفة الراحلة عام 1983 مقالاً تحليليًا حول الدور الذي لعبته الثقافة الفلبينية حيال الفلسفة، تقول فيه: “في الفلبين تستخدم كلمة فيلسوف على المستوى الشعبي للعامة للدلالة على ذلك الذي يحاجج ويسهب في محاججته، سواء أكان على صواب أم على خطأ، وحين تسللت هذه اللغة إلى المستوى الأكاديمي الأعلى، حملت معها تلك المعاني الدنيا التي ساهمت في التنفير من هذا التخصص”. هذا الأمر بدوره انعكس على تقبل الناس لصاحبة أعلى وسام أكاديمي فرنسي؛ فلم تحظَ الراحلة بشعبية واسعة خارج فصلها الدراسي بالجامعة. ولعل هناك أسبابًا أخرى كشخصيتها الصارمة التي ترفض الانصياع والتأنق لتحظى بالرضا الإعلامي المهوس بتتبع المشاهير. وأذكر أنها قالت لي يومًا: ” هناك الكثير من الأمور التي تجذب معظم الناس ولا تجذبني على الإطلاق”. فهي تكره التقاط الصور حتى حين تسافر، ولا تفهم سبب شغف الناس بالتقاط السلفي. وحين التقطت صورة سلفي تجمعني بها قالت: ” لماذا نحتاج أن نلتقط صورة سلفي لنا ؟ أنا هنا بجانبك بلحمي ودمي، وإن رغبت في رؤية نفسي سأذهب   للمرآة الموضوعة بالقرب مني”.

 

 

ماذا كانت تعني لزملائها وطلبتها ؟

يعتبرها زملاؤها الأكاديميون شخصية عظيمة، ساهمت في تشكيل التعليم العالي في الفلبين. وقد عكست ذلك من خلال العديد من الأدوار التي نقلت بها التعليم من حيزه الأكاديمي الضيق إلى هموم الشارع الفلبيني وتطلعاته. فالراحلة كانت تؤمن بأهمية أن يتفاعل التعليم مع السياسة. وقد قالت عنها وسائل الإعلام في السبعينيات بأنها “محبوبة الطلاب والفلاسفة والمفكرين والمتمردين والمتظاهرين”. وقد استلهمت معظم هذه التوجهات  من تأثرها الكبير بكتاب ” الرفض الكبير ” للفيلسوف والمفكر الألماني الأمريكي هربرت ماركيوز Herbert Marcuse. وقد كانت تنشر أفكارها التي تعرف بها  العصيان المدني وما يشكله من قيمة كبيرة ومؤثرة. ولم تكتفِ بهذا الخطاب الشفاهي؛ بل أسهمت في تأسيس الرابطة الوطنية لأساتذة الجامعات. وقد قالت عن دور هذه الرابطة بأنه تعد: ” القوة الثالثة في البلاد التي تساهم في إجراء التحول على الصعيدين المجتمعي والسياسي”.

 

أما الطلبة فكانوا يهابونها؛ فهي لا تتهاون مع أي بوادر للكسل أو الاستخفاف بالعلم. وعلى الرغم من سمعتها المهيبة إلا أن صفوفها كانت تمتلئ عن آخرها بالطلاب. تقول عنها إحدى طالباتها: “كنا نخاف منها، ولكننا كنا نسعى لكسب محبتها، وقد ألزمنا ذلك قراءة ما يقارب 2000 كتاب”، وتضيف: ” كانت تشجعنا على كسب المعرفة بأنفسنا، فلم تمنحنا يومًا أي إجابة، وبهذا كانت تجبرنا على البحث عنها بأنفسنا”.

 

 

اقتباسات من أقوالها :

أمنية الفليسوفة الأخيرة : ” أصلي كل صباح داعيةً ربي أن يأخذني إليه، فأنا مستعدة للذهاب”.

عن تقدمها في العمر قالت ” أنا لا أشعر أنني كبيرة في السن فقط، ولكن أنا أثرية وغابرة في القدم وأنا أشعر بذلك”.

في كتابها ( دولة الفلسفة في الفلبين الصادر عام 1983) تقول: “في اللاوعي يؤمن العقل الفلبيني ويتقبل جملة  ( بهالا نا ) التي تعني حرفياً ( أترك كل شيء بيد الله) وقد دخلت هذه الجملة إلى الواقع المعاش لتتشكل نمط حياة الناس هنا. هذه الفلسفة تحمل طابعًا استسلاميًا؛ إذ  يضع الفلبينيون كل ثقتهم بما تمنحه اليد الإلهية، وعلى ضوء ذلك يتقبلون كل ما تجود به تلك اليد، وكل ما تمنعه عنها.

كما يؤمن الفلبينيون بفلسفة (عجلة الحظ) أو ما يسمى لديهم بـ ( جولونج نا بالاد) التي ترى الحياة بوصفها سلسلة من الأحداث الحلوة والمرة. نجد أن هذه الفلسفة جعلت الشخصية الفلبينية تتسم بقدر كبير من التفاؤل؛ فحين تخيب العجلة نرى الفلبيني متفائلاً بما هو قادم في المستقبل، وذلك لأن عجلة الحياة لن تخيب كل مرة فهي كما يرددون دائما : ” حين يكون هناك حزن فهناك سعادة قادمة” . فأي حدث إن كان سعيداً أو بائساً هو حدث عابر وزائل؛ لهذا لا نجد الفلبيني يطيل في العبوس والحزن مع أنه يملك نصيب الأسد في الكوارث الطبيعية كالزلازل والفيضانات والأعاصير والبراكين، فكل تلك مصائب ستزول وستشرق الشمس بعدها من جديد. فالطبيعة ستلئم جراحها  مع الوقت بنفسها، وبهذا نرى أن الوقت بالنسبة للشعب الفلبيني يدور في حلقة تتعاقب فيها الأحداث ولا يسير بشكل خطي وثابت.

 

 

حين أخذت صورة سلفي معها قالت :  ” لماذا نحتاج أن نلتقط صورة سلفي لنا ؟ أنا هنا بجانبك بلحمي ودمي وإن رغبت في رؤية نفسي سأذهب للمرآة بالقرب مني”.

 

الراحلة أثناء دراستها في سويسرا في أوائل الستينيات

 

 

للراغبين في معرفة الفيلسوفة الراحلة عن قرب، هنا أسماء لبعض مؤلفاتها :

– دولة الفلسفة في الفلبين 1983

– ​نقد النظرية التاريخية 2002

– ​حياة الفلسفة 1990

– ​المبادئ الأساسية في الأخلاقيات 1989

 

* نشر هذا المقال في موقع :

https://qz.com/725370/emerita-quito-the-greatest-forgotten-filipino-philosopher-has-died/

 

 

0 237 30 أكتوبر, 2017 الثامن والثمانون, ثقافة وفكر أكتوبر 30, 2017