في الخطاب الديني

لـ

يقدم الخطاب الديني نفسه وبشدة، وفي كل منصاته، بوصفه خطابا نزيها ومستقلا عن السلطة، ويحاول أن يظهر بهذه الصورة في كل مناسباته؛ ويغُضّ الطرفَ عن كل العلاقات التاريخية مع السلطة سواء أكانت تلكم العلاقاتُ مشروعة أم غير مشروعة؛ لأنها تؤشر دوما على السبل المؤدية إلى الله والعدالة والطهارة، والزهد، والترفع عن الدنيا وملذاتها، فهو خطاب مزدوج متعدد الوجوه؛ ولعلّ أبرز هذه العلاقات التاريخية المشبوهة ما ظهر بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان ممن يسمّيهم الناشئ الأكبر (ت 293هـ) “أصحاب الحديث، وهم الذين يأتمون في كل عصر بمن غلب، ويحرّمون قتال أهل البغي من أهل الصلاة”[1]، ولعل ذلك يدفع استغرابي من الموقف المتصلب لأحمد بن حنبل في قضية خلق القرآن على الرغم من أنها قضية فكرية تحمل في ثناياها وبشهادة القرآن ذاته كل احتمالات الموقفين، ثم موقفه المهادن للاستبداد والطغيان على نقيض الموقف الأول؛ فمثل هذا الموقف في تاريخ الإسلام كان اللبنة الأولى في صناعة السلطة الشمولية المطلقة وتدجين خطاب الرأي؛ الذي امتدت جذوره إلى الحشوية، وهم – كما يقول الناشئ الأكبر- “طغام أهل الشام وأتباع معاوية”[2]؛ فكانت هذه الفرقة أصل التزاوج والاتحاد مع أهواء السلطة في التاريخ الإسلامي.

ولكن، وبما أن الخطاب في ماهيته هو الضامن في بنيته الداخلية لوجود طرفيه: الصانع له، والمتلقي؛ فإن الطرف الثاني يقف على حدود مختلفة، ويوظف وسائل متعددة في تبيان أمر هذا الفاعل الاجتماعي العنيف؛ فمنه المتلقي الذي ينفعل بهذا الخطاب ويتمازج به؛ حتى لا تكاد تميز وجوده، وكأنه جزء من بنيته؛ فهو المأخوذ بهذا الخطاب وتفاصيله، يعيش لحظة الخطاب التاريخية إلى درجة الشلل العقلي؛ بحيث إن خطواته مرسومة في ثنايا هذا الخطاب ومقتضياته، ومنه ذلك المتلقي الذي لا يكترث به، منشغلا بميادين الحياة، فهذا لا يعدو في نظر الخطاب الديني، والمتلقي المنفعل إلا آبقا من القيم الدينية، يعيش في هوامش الفسق والضلال، ويدعوه الخطاب ومتلقيه المنفعل إلى العودة لقبول أمر الله الذي يقع على الخطاب الديني بيانه وتأويله، وبين المأخوذ به، والمُعرِض عنه؛ هناك المتلقي الذي لا يقرأ الخطاب الديني إلا لهدمه، وسحب السلطة والسحر من عنفوانه؛ بتفكيكه، وتحليله، وتعريته أحيانا؛ فهو متربّصٌ به؛ لا سيما إذا كشفت المواقف تعرّيه أمام السلطة السياسية كما حدث مؤخرا لشيخ الحرم الباكي الذي يجعل جلّ صلاته لله ضراعة مكشوفة للبشر؛ فما تمر آية أو موقف دعاء حتى يهيج المصلين بالبكاء في كل رمضان، ولكن اتضح مؤخرا بأنه لسان السلطة، ولا غرابة؛ فموقفه هذا له جذوره في التاريخ كما ساق لنا المشهد الناشئ في “مسائل الإمامة”؛ ولعل أبرز إشكالات (الخطاب الديني) هذا التلوّن في الظهور حسب ظرفيات الحياة السياسية باسم الدين والتقية؛ فلا تكاد تميز بسبب هذا التناقض بين موقف الحق من الباطل.

على أن الخطاب الديني لا ينتهي عنفوانه، ولعلّ مرد الأمر إلى حالة الإنسان العربي، وعلاقته بالدولة، وإشكالات المصير، فما استمرت هذه تجدد ظهور الأول؛ لأن هذه الأوضاع توجب في النفس وحشة؛ بحيث لا تجد النفس طمأنينتها إلا في شيء مادي أو معنوي يطهِّره من ثقل الخطيئة؛ ولذلك فإن القائمين على هدم الخطاب الديني، والتشكيك في نزاهته مع ما يملكون من قدرات تحليلية ومنطقية وعقلية ومعرفية وواقعية قد لا يملكها الخطاب الديني؛ لم تعد محاولاتهم قادرة على تفكيك هذا الخطاب الذي لم يترك منصة إلا ومكنته السياسةُ من الظهور عليها لممارسة أنشطته؛ ولا يعود انعدام القدرة على النقد إلى العجز في المناهج، وإنما يعود إلى تجذُّر الأول وتشعّبه، وتعدّد مظاهره، وفهمه للعواطف الدينية في الإنسان إزاء إشكالات الحياة التي تفسح الطريق أمام ظهور نوع من التدين المريض، ومع ذلك؛ فإن النقد لا يزال يقدّم نماذج نوعية يمكن أن تكون بمثابة المنهج الذي يوظّف فرديا مع كل عملية من عمليات التلقي؛ لأن الخطاب يحمل في بنيته ودعاواه وحججه تناقضاته التي تفسح السبيل أمام نقده بوسائل الحياة والعقل والمعرفة؛ فالجدل والحجاج بنيةٌ في اللسان؛ وتفكيك هذه البنى يُذهب بسحر الخطاب وقوته؛ كما يُذهب سنا برقه بالأبصار؛ ولو عدنا إلى قضية السلب؛ لوجدنا التناقض يظّهر (بتشديد الظاء) في الخطاب الديني في جوانب متعددة، ومنها:

1- أن هذا الخطاب نابع في وجوده من وسائل العنف اللساني؛ فهو منفلت بالتأثير والفعل الاجتماعي عبر السلطة العاطفية والدينية؛ فهو لا يستطيع إثبات وجوده إلا عبر وسئل العنف الخطابي؛ ولا يمكن لهذا الخطاب أن يحيا إلا بنفي الآخر نفيا عاجلا، ونفيا مصيريا في الآخرة؛ فهو يضيّق على الآخر دعاوى الحق لإثبات وجوده؛ ونفيه ليس للآخر المختلف عنه اختلافا جذريا فحسب؛ وإنما ينفي الآخر الذي يشاركه في التدين ذاته، أي أنه ينفي الخطاب الذي هو من جنس طبيعته وغاياته؛ لأنه وهو يدّعي في الأصل “أحادية المصدر الإلهي” وتاليا أحادية الحق؛ يرضخ في الآن ذاته لصراع (العقل والنص)؛ مما أنتج ذوات خطابية دينية متعددة ومتصارعة؛ فالحق لا يتشكل وجوده إلا في “ذات واحدة” أما الذوات الأخرى فهي صورٌ للباطل المتعدد؛ فإذا اعتقد الآخر بأنه الحق؛ فإنما يعيش وهم الإحساس بالحق؛ أو هو حق زائف؛ لذا يقع على “الأنا الدينية” واجبُ بيان باطل الآخر ليعود ويرضخ للحق؛ ويبدو أن هذه الممارسة واقعٌ نظريٌّ وفعليٌّ؛ لأنه يشغل حيزا كبيرا من التراث الديني منذ لحظة الافتراق الأولى وحتى الساعة، وهو فرع من “استهواء السلطة” وغوايتها، وهو واقعٌ يشغل منصات الإعلام، بحيث إن الخطاب الديني أصبح يشغل ذهن المتلقي عبر الفتاوى، وتمييز الأنا، ونفي الآخر المختلف، ومناقشته، وتبكيته، وإحراجه، وتضليله.

2- أن ميلاد هذا الخطاب، أو الخطابات الدينية المتمايزة من واقع البيئات العنيفة، والصراع على السلطة كشف عن أن سمات الطهر والنزاهة والأحقية؛ تخلع لا على خطاب بعينه، وبمعيار خارجي يعد معيار التحقق أو الصدق، وإنما يزعم كلُّ خطاب ديني أيديولوجي أو مذهبي أنه يحمل “الدين الخالص” ومنذ لحظة الافتراق الأولى؛ حتى جعل المتلقي (المسلم) يعتقد أنه يعيش صراعا لا ينتهي، وأن الدين الذي كان يفترض منه أن يضفي على حياته طمأنينة واستقرارا بوصفه واهب المعنى للحياة قد أصبح مقلقا ومزعجا ومثقلا بالتكاليف والتجارة مع الله؛ لأنه يحمل في طابعه الصراع، فالصراع طبيعة في بنيته؛ وإذا فقد هذا الصراع فقد يموت.

ما أريد قوله في هذا السياق؛ أننا نبحث دائما عن “السلطة” وممارستها؛ في سلطة الدولة، غير أن السلطة تتكشف عن أدواتها في مواطن مختلفة بتوسُّل مؤسسات وسيطة تمارس إرادة الأولى؛ وتلك منطقة تفضح “نزاهة الخطابات”؛ بل إن السلطة المركزية الرئيسة أو سلطة الدولة بقدر ما تفرض إرادتها على منظومة مؤسسات الخطاب الديني أصبحت تخشى هذا الخطاب الغائيَّ الذي يحمل في ثنايا النفس ضرورة بناء يوتوبيا دينية لتحقيق العدالة المزعومة والمختزلة للدين في العنف والتسلط؛ فهي تدرك أحيانا أن هذا الخطاب ينازعُها في روحها وجوهرها نزاعا أصيلا يؤدي إلى هدمها؛ لأن الثورة بنية الخطاب الديني كما قد قلتُ آنفا.

إن الوضع لا يفرض علينا قراءة الخطاب الديني فحسب؛ وإنما يفرض علينا كذلك البحث لا في ماهية السلطة؛ بقدر البحث في طرائق ممارستها، ومواضع وجودها؛ فهي (على رأي ميشيل فوكو) ممارسة فعلية تتعدد؛ ولعلّ أبرز ممارسات السلطة ذلك العنف التي يتمثل في إنتاج الخطاب الديني وإعادة إنتاجه وتصديره، وتحريره من ربقة التاريخ؛ بحيث تظل السيرورة في الإنتاج مستمرة وفاعلة في الهويات الدينية وتصنيفها، وتضييق الحياة؛ لذلك يشير فوكو إلى “كل علاقات السلطة السياسية التي تسيطر في الواقع على الكيان الاجتماعي، وتكبته وتقمعه، حتى حين تكون مختبئة”[3]. علينا أن نخالف العادة التي تقتضي النظر إلى سلطة محددة هي سلطة الدولة؛ بالنظر في العلاقات المتشابكة؛ فهي تكشف حالة تشظّي السلطة؛  فالعادة “أن نعتبر السلطة متركزة في أيدي الحكومة، وهي تمارسها خلال عدد محدد من المؤسسات المعينة، مثل الإدارة والشرطة والجيش، وجهاز الدولة. ويعرف المرء أن كل هذه المؤسسات مصنوعة للتعبير عن عدد محدد من القرارات ونقلها باسم الوطن أو الدولة؛ لتطبيقها ومعاقبة من لا يمتثلون لها، ولكني أؤمن أن السلطة السياسية تمارس نفسُها أيضا من خلال توسيط عدد محدد من المؤسسات التي تبدو كأنها غير مرتبطة بالسلطة السياسية ومستقلة عنها، رغم أنها ليست كذلك”[4].

______________________________________

[1] الناشئ الأكبر، مسائل الإمامة، تح. يوسف فان إس، بيروت: فرانتس شتاينر بفيسبادن، 1971، ص. 16- 17.

[2] المرجع السابق، ص. 19.

[3] نعوم تشومسكي، وميشيل فوكو، عن الطبيعة الإنسانية، ترجمة: أمير زكي، بيروت: دار التنوير، ص. 59- 60، وانظر: محمد أمين بن جيلالي، ميشيل فوكو وسؤال السلطة: من الاختزال إلى التشظي: نحو فينومينولوجيا تأويلية للسلطة وإضافة المفكر به في السياسة، مؤمنون بلا حدود، 2016، ص. 21- 22.

[4] نعوم تشومسكي، وميشيل فوكو، عن الطبيعة الإنسانية، ص. 59- 60.

0 566 05 نوفمبر, 2017 التاسع والثمانون, العدد الأخير, ثقافة وفكر نوفمبر 5, 2017