الغيبوبة الساخرة

لـ

قراءة في رواية: شهادة وفاة كلب

للروائيين: سليمان المعمري وعبد العزيز الفارسي

الناشر: مؤسسة الانتشار العربي ط١ ٢٠١٦م

 

 

لا شيء أجدر بنا غير أحلامنا.

ص٢٦٥

جمانة في اتصال بالبطل

لسنا بحاجة إلى وصاية بشرية تملي علينا من نحب أو بمن نثق،

للقلوب والأرواح أجهزة استشعار تسبق أي تواصل مادي.

ص١٦١

أول ما يلفت الانتباه في هذا العمل أنه جاء بتوقيع اثنين من الكتاب الروائيين المتميزين في عُمان، ما يغري القارئ بعمل لافت ونادر. وابتداءً من العنوان ومن الجملة الافتتاحية في الرواية يقدم هذا العمل نفسه للقارئ بوصفه أدبًا ساخرًا، وهي سمة واضحة في نصوص الكاتبين.

 

السخرية دليل صحة، والمناخ الثقافي الذي بمقدوره إنتاج الأدب الساخر واستيعابه والتفاعل معه يدلل على طابع اجتماعي متسم بالقوة والعافية، بينما الخشية والمنع والمخاوف من الأدب الساخر تدلل على ضعف وهزال اجتماعي، وهذه الرواية تستثمر حس السخرية علاجًا لكثير من الأدواء والعلل، مع ما في ذلك من تحديات، فالتمكن من الأدب الساخر يحتاج فنًا وشفرة ذهنية حادة ومقياسًا موزونًا، بحيث لا تثقل كاهل العمل ولا تسطحه، مع التزام تلك السخرية، خاصة في العمل الفني، بأن تكون ذات رسالة ومحمول ومعنى، فلا تكون مجرد ضحك مجاني سطحي يفقد العمل قوته ومصداقيته، تلك المعادلة الصعبة هي التي واجهت هذا العمل، والتي حاول الكاتبان تحقيقها عبر تراكيب فنيّة ساخرة وجادة لتخرج لنا بهذا الشكل الفني في هذه التجربة الروائية.

 

السخرية دومًا خفيفة ولاذعة في الوقت نفسه، تضحك ولكنها قد تبكي أيضًا. إن السخرية فن مقاوم يُقاوم به الإنسان رتابة الحياة، ينظر به إلى الأشياء المتضخمة والمتقزمة فيعريها ويسخر منها، وبذلك ينقذ نفسه من سطوتها وتأثيرها، أو يعيدها إلى حجمها الطبيعي، والسخرية فعل اجتماعيٌّ دائم، في الوعي الجمعي، حِس ساخر، يتلمس العالم ويؤالفه بالسخرية والضحك، يسخر الإنسان من تعبه ومن همومه ومن مآزقه ومن جروحه ومن آلامه، والضحكة الساخرة كالتيار الكهربائي الخفيف الذي يعيد إنعاش القلب، ويُذكي البصيرة، كطبيب العناية المركزة كما تصف الرواية عمله بأنه: محاولة جادة لإيقاظ الطفل الذي سئم لعبة الحياة وقرر رميها، محاولة استبقاء، إقناع بأن الحب موجود والحياة جديرة بفرصة أخرى. ص٣٩.

 

لكن السخرية أيضًا لها جانب ضعيف في تلك اللحظات التي يسخر فيها الضعيف من القوي، والعاطل من المبدع، والخاوي من المتحقق، فيما يمكننا أن نصنف السخرية في هذا العمل بأنها سخرية استفزاز القوى، سخرية إشعال وتجربة قوة، لأن السخرية أيضًا مواجهة وتحدٍ: لم لا يحمي القانون المغفلين؟ أليسوا من خلق الله؟ هل اختاروا أن يكونوا مغفلين بمحض إرادتهم؟ أليس كل إنسان مغفلاً في لحظات معينة من حياته. ص٨٩.

 

بمتابعة تعليقات القراء على الرواية، نجد بعض القراء وجدوا فيها نسيجًا منفردًا؛ منوهين إلى امتزاج أسلوب الكاتبين حتى لا تميِّز أحدهما من الآخر، فيما عدَّ قراء آخرون ذلك سيئة، وآخرون نفرتهم اللغة والكلمات التي اعتبروها بمقياسهم نابية، ولعل أفضل ما قرأته كان لحمد الغيثي على موقع  goodreads : الرواية جميلة، لكنها غير مذهلة.. لغة الرواية، وزاوية السرد خارجية، كأنها رصد صحفي خارجي لما يدور من أحداث، لا يغوص السارد إلى العوالم الداخلية للشخصيات إلا لماماً، وحيثما حدث ذلك لم يكن لافتاً.

 

أجدني أتفق كذلك مع الغيثي في أن غرائبية الأحداث في الرواية تبدو نوعًا من السخرية، مع أن بعض الأسس الأولى في بناء الرواية جرى إهمالها لاحقاً، كمشروع تحديث الأدب العربي الذي يستهل به البطل استطراداته متناولاً بيت زهير بن أبي سلمى الشهير (سئمت تكاليف ..الخ)، كما أن كون البطل أمينًا لمكتبة (الحنين) لم يقدنا إلى عوالم الكتب إلا قليلا، كالتفريق بين تعامل أمين المكتبة السابق عيسى منصور الذي لا يقرأ الكتب وبين أسلوب البطل الذي قرر أن لا يستمع لسلفه ص٤٥، وكذا استلهامه لفكرة الجري من رواية هاروكي موراكامي ص٤٧. والرواية لا تغفل موضوع الكتاب: ليس الكتاب خير جليس دائماً. ص٤١ وتستطرد: الكتاب ليس كلمات وحروف فحسب؛ بل ذاكرة أيضاً، ثمة كتب تأبى أن تكون مجرد وعاء معلومات أو رفيق تسلية، بل لا ترضى بأقل من شاهد عيان على حياتك. ص٤٤

 

بدا لي أحياناً أن العمل تغلبه السخرية فتستعبده وتستخدمه وليس العكس، وذلك ما قاد في ظني العمل إلى أن يهمل عددًا من استثماراته الأساسية ومناخاته ليتبع ما تقوده إليه السخرية، ف(فرقد) المدينة التي تجري فيها أغلب أحداث الرواية تبدو لنا مدينة خليجية، بشوارعها وميادينها ومعالمها التي تأخذ أسماء كتاب وأدباء ومثقفين ونجوم عمانيين وخليجيين معروفين، فيما تبدو الحكومة الفرقدية مثل الغطاء الثقيل الذي يغطي الحياة فيمنعها التنفس، ويثقل حركتها، وإذا عرفنا في آخر الرواية أن أحداث الرواية تجري في غيبوبة البطل فلنا أن نتخيل حجم ما تحتله الحكومة من وزن في هذا اللاوعي.

 

تدور الرواية بشكل أو بآخر في لا وعي بطلها، في غيبوبة تستمر لمدة ساعتين وربع، إلى لحظة وفاته في العاشرة وثلاثين دقيقة حسب شهادة الوفاة، التي أخذ العمل اسمه منها، والراوي أو البطل هو نفسه المنبع والمسرح لأحداثها، المشار إليه في العنوان بـ (الكلب)، تثور الرواية من خيالاته وتصوراته وأحلامه واستيهاماته ومعارفه، كأنها الرؤية الأخيرة التي يقال إن المحتضر يرى فيها حياته قبل موته، الكلب هو البطل، لكنه متجسد في إنسان، تعضه الكلاب، كما يقول محمود أخو الراوي ومثله الأعلى قبل أن يموت: أنا لست سوى كلب. ص١٨، ومحمود كان مبتدئاً في كتابة قصائد النثر، وعاشقا لليلى، قبل أن يُجن من مشاهدته مقتل كلب أسود بالسيف ويتخيل نفسه كلبًا، وفي كلمات الروائي نفسه: كل الأحداث السيئة التي حدثت في حياتي كان لها علاقة من بعيد أو قريب بالكلاب. ص١٣ وفي لحظة تبلغ الرمزية ذروتها: الجهل صار كلباً شرساً ينهش مؤخرة النور. ص٨٢.

 

هكذا يتحسس البطل من الكلاب، أو من ذاته الخفيّة بشكل أو بآخر، وبينما لا تتعرض الرواية للفلسفة الكلبية، لكنها تجسد نوعاً من السخرية الكلبية، تجري في وعي رجل عضه كلب في طفولته وعند موته، وحين يقترب البطل من الجميلة التي تشاهد الغروب، ويقعي قربها كلب أسود يحيي الاثنين: الجميلة والكلب بـ: هاي، هاو. ص٩.

 

تطغى السخرية على كل شيء؛ لكننا نجدها تتحاشى السخرية من الجرح الرئيسي، الفلسطيني، ربما تقديسًا للجراح المقدسية. وإذا قاربتها بالسخرية ففيما يشبه الحلم، يبني نجيب وزوجته وجارتهما أم فارس مجسماً لقريتهم الفلسطينية في فناء منزلهم السويسري، تجسيم الحلم، حلم العودة، بناء قرية في المنفى، في الشتات، تذكار بالوطن السليب، أو في القرار الفرقدي بترحيل الفلسطينيين من فرقد بين عشية وضحاها بلا سبب، وكأن الفلسطيني منذور للشتات أو أن معاناته صارت معتادة وبلا سبب.

 

لا تفتأ الرواية تسخر من كل ما حولها، من الاجتماعي ومقولاته الشعبية مثلما نشاهدها في نبوءة الأم لابنها: ستتزوج امرأة عجوز، قال أجدادنا من تصطدم رجله بما يُكنس لا يتزوج شابة. ١١٢ أو أحكامه المطلقة كما نراها في قصة سعاد (بنت المصرية)، أو شخصياته الانتهازية، مثلما يسخر العمل من السلطة السياسية في صور كاريكاتورية لوزيرة الرياضة المصابة في ثديها برصاصة، والحلم بذهبية الأولمبياد، وألاعيب رؤساء مكاتب الوزراء، أو البلد عمومًا: هذا هو البلد الوحيد في العالم الذي يعاقب الناجحين على نجاحهم. ص١١٥. وللسلطة الرابعة الصحافة والإعلام المحلي والعالمي نصيبها من السخرية، لكن يمكننا أن نسجل أن السلطة الوحيدة التي سجلت غيابها عن هذه الرواية الساخرة هي السلطة الدينية، إذ لا توجد شخصية أو حدث يرمز إلى حضورها في الرواية.

0 338 08 نوفمبر, 2017 التاسع والثمانون, العدد الأخير, حداء الروح نوفمبر 8, 2017