الأزمة السعودية – القطرية 1/2

لـ

مشهدية مقارِبة للنزاع “السوري – العراقي” 1/2

 

كلما ازدادت قراءات المرء وتفحصه في الكتابات التنظيرية لأساسيات العلوم السياسية أو الاجتماعية، فإنه يخرج بعد كل قراءة باستخلاص موضوعي عريض، مؤداه أن أغلب السلوك السياسي العربي، منذ مائة عام إلى اليوم، لا يخضع على نحو واضح لأي من التفسيرات العلمية على اختلاف توجهاتها المدرسية، ولا تنطبق عليه أي من هذه الشروحات التأصيلية بتفسيراتها الواقعية أو المثالية، التي غدت في الحصيلة الختامية من المعايير المعرفية على نطاق عالمي.

حتى الأفكار الكبيرة مثل مفهومي القومية أو الأمة التي كتب المفكرون العرب حولها وفي سبيلها مئات إن لم يكن آلاف المجلدات، ما زالت إلى الآن، مع هذا الزخم في الشرح والتوضيح، فكرة غامضة وفيها الكثير من الالتباس والغموض المعرفي. فلا التقسيمات الطبقية – وكذا أدوارها التاريخية والمعاصرة – واضحة المعالم بشكل حاسم، إضافة إلى أن فكرة الوعي الطبقي ما زالت محل نقاش. أما البعد الاجتماعي الأكثر وضوحًا في المجتمعات العربية، فليس سوى هذه التقسيمات والولاءات المرتبطة بالقبيلة أو الطائفة أو المذهب، وتغلغل هذه الولاءات يُرسّخ من الناحية الواقعية حالة التخلف العامة التي تعايشها مجتمعاتنا.
ولأن التأطير الفكري ما زال في حالة التباس، والسلوك السياسي – الاجتماعي كذلك غير مفهوم وفي حالة من عدم الانسجام مع النظريات المتقدمة، بات طبيعيًا أن تنتهي مخاضات المنطقة منذ مطلع القرن الماضي إلى ما انتهت إليه اليوم. خلال هذه الفترة تعاقب حكام وساسة، مفكرون وفنيون عملانيون، مموِلون ومموَلون، ثائرون وطائعون، حكومات وأحزاب، ومع ذلك ما زالت المنطقة من حيث الجوهر على حالها، أرض سائبة، ثروات منهوبة، بشر تائهون، ونزاعات لا صلة كبيرة لها بتعقيدات السياسة قدر صلتها بعقد نفسية متوارثة من أزمان سحيقة، حين كان يعلن الزعيم عن ذروة مذهبه السياسي وتوجهه الفكري عبر مقولته الشعرية: ” لنا الصدر دون العالمين أو القبر”. فالأمة التي توارثت مفهوم الوسطية، نظريًا على الأقل، بعيدة على نحو واضح ومكشوف، وفي أكثر من مجال عملي عن هذا الفهم المتقدم.

المدهش في المسألة، وما زلنا نتحدث عن تجربة الدولة العربية الحديثة، أن غالبية الأمم المعاصرة استفادت من تجاربها على نحو من الأنحاء، فمؤشرات الفشل يدرسها متخصصون ومنظرون أوفياء لأمتهم على نحو معمق، ويحرصون على ابتكار وسائل تجنبهم مرارة الوقوع في الفشل مرة أخرى؛ أما مؤشرات النجاح فإنها تعزز بمزيد من جرعات القوة والتكامل، فعالم اليوم لا يعرف حالة الثبات أو الركون، صعودًا وأحيانًا هبوطا ليعاود حركته التصاعدية من جديد، هذا هو حال غالبية الأمم والشعوب في العالم، حتى تلك التي لم يكن لها إسهام إنساني بصورة واضحة، وكانت غائبة عن المسرح الحضاري بالكامل، وها هي تأخذ دورها ومكانها في الحركية العالمية المعاصرة. فيما ما زالت الكيانات العربية، وريثة واحدة من كبرى الحضارات الإنسانية، تدور في أفلاك دائرية مفرغة من أي محتوى حقيقي، كل جيل ينطلق من النقطة ذاتها التي انطلق منها الذي قبله، حتى إذا أكمل دورته يبدأ جيل جديد من حيث انتهى الذي قبله، لهذا ما زال عالمنا ومجالنا في حالة لف ودوران حول الذات، أما الحركة التصاعدية فلم تعرفها أجيالنا إلى اليوم.

أحد أوجه التفريغ الدائم للتجارب من محتواها، هذه النزاعات العربية التي لا تكاد تنطفئ ويهدأ فورانها حتى تشتعل من جديد، وغالبا فإن شرارات الاختلاف والتأزم تصدر عن ذات المصدر وذات العلة، إنه التعلق بالنفوذ والرغبة في السيطرة، وصولا إلى مرحلة لا يرى فيها المتنافسون إلا أنفسهم، لتبقى حسابتهم محصورة في أفق اللحظة العصابية التي يعيشونها، ليغدو كل الكلام الذي يقال أثناء الاحتدام، من حرص على وحدة الصف أو التئام الأخوة أو التأكيد على ضرورات تصحيح الوضع القائم، مجرد تبريرات دعائية تساق لحظة التناوش، وما هي في واقع الأمر سوى واجهة تنظيرية لا تعكس جوهر الصدام المرتبط بشغف النفوذ والرغبة في السيطرة.

ولعل أبرز احتدامات القرن الماضي، التي ألحقت بالغ الضرر على المتنافسين أنفسهم، وعلى شعوبهم من ورائهم، فلم يغادروا مواقعهم في السياسة وفي الحياة إلا بعد أن خلّفوا وراءهم تركة ثقيلة، وكوارث مفجعة نزلت على شعبيهما وشعوب المنطقة؛ إنه النزاع الذي أخذ صفة أيديولوجية لحزب صدر عن منبع واحد، ثم ما لبث أن تفرع عن هذا الأصل جناحان. إنها حرب “البعث” ضد “البعث”، الجناح العراقي ضد السوري. وكلا التوأمين عبر تاريخ سيطرتهما على بلدين هما عمق الإقليم المشرقي وأهم مكوناته السياسية، كان حريصا على إيذاء وإلحاق الضرر بالخصم المقابل أكثر من حرصه على إيذاء ما تعارف عليه باعتباره العدو المشترك للأمة – الكيان الصهيوني-، كل طرف كان الأحرص على إفشال مشاريع الجارة الشقيقة وتخريب خططها، إنها الحرب الباردة التي استنفد فيها الطرفان قوتهما، وكل استنفاد أو هدر لعنصر من عناصر القوة لأي من الطرفين، كان بمثابة هدية مجانية تقدم على طبق من فضة لكيان يفترض أنه العدو الحقيقي للأمة كافة. أما مسألة تشويه الصورة والحرب الكلامية فيما بينهما فهذه بذاتها قضية تستعصي على الاستقصاء.

قرابة ثلاثين عاما، منذ مطلع السبعينيات وحتى نهاية التسعينيات، وهذا هو حال علاقة البلدين مع بعضهما، كانت مشكلة المياه والنفط الترجمة العملية الأولى لهذا النزاع؛ سوريا تدشن بحيرة اصطناعية عام 1974 أسمتها ” سد الثورة ” أفادت موطنها في مجال الري والزراعة، وألحقت أذى بيئيًا بالغًا في أرض الرافدين. ليأتي الرد سريعًا من العراق بصورة إيقاف ضخ النفط من حقل كركوك إلى ميناء بانياس السوري، وتحويله إلى موانئ تركيا. وفي عام 1976 دخل الجيش السوري إلى لبنان تحت ذريعة طرد الجيش الإسرائيلي، قابلت بغداد هذه الخطوة بتمويل وتسليح الميليشيات المسيحية المعارضة للوجود السوري، لتتحول لبنان إلى ساحة حرب مفتوحة تتصارع فيها قوى عربية وعالمية، وتحديدا العراقية- السورية. ولأن القضية الفلسطينية كانت هي العنوان الأبرز أو ما أطلق عليه بوصلة العمل القومي، فقد تسابق البلدان على احتضان فصائل فلسطينية عرّفت نفسها باعتبارها فصائل “مقاومة”، ووفر كلا البلدين للفصائل التي يدعمها كل الإمكانيات لضرب الطرف المقابل وتصفيته سواء في لبنان أو في عواصم أوروبية. وعندما دخل العراق في حرب ضد إيران عام 1979، أعلنت دمشق دعمها لطهران، وما لبث هذا الدعم أن تحول إلى تحالف استراتيجي. وكان بديهيا أن تكون سوريا في طليعة الدولة المشاركة في قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، التي كانت وفقًا لتاريخ الأدبيات النضالية السورية، العدو الأول للقومية العربية وشعوب المنطقة، وزعيمة الإرهاب العالمي. بدون أي منطق سياسي أو اقتصادي أو حتى فكري أسدل الستار على علاقة بلدين عربيين، جمعتهما الجغرافية والفكرة الثورية الأيديولوجية، بلدان أتيحت لهما بحق فرصة إحداث تغيير نوعي على المستوى العربي، بما كانا يمتلكانه من مقومات بشرية واستراتيجية، ووفرة في الثروات، لكن كل هذا جرى تبديده في غمار نزاع وتنافس وكيد متبادل. وأمانة البحث العلمي، أو موضوعيته، تتطلب – بالإضافة الى ما ذكر – تسليط الضوء على البعد الشخصي وأثره في هذا الصراع، وعلى وجه الخصوص هذا الشغف في الزعامة وادعاء حيازة الشرعية في قيادة الإقليم منفردًا.

ظلال هذه التجربة في التنافس وغيبة المنطق، نتلمس أبعادها في أطياف الأزمة السعودية – القطرية الراهنة، التي ما زالت تأخذ منحى تصاعديًا على نحو واضح، فهناك العديد من أوجه الشبه بين المشهدين، المشرقي والخليجي، ومن خلال الشرح السابق للأزمة السورية – العراقية تاريخيًا، يمكن تلمُّس بعض أوجه شبه لما نشهده اليوم من تفجّر للأزمة الخليجية. فالبلدان من الكيانات المهمة والفاعلة في إقليم تعمقت صيغة التعاون بين دوله بعد الإعلان عن تأسيس مجلس دول الخليج العربي، وهي المنظمة العربية الوحيدة التي قدر لها الاستمرارية لقرابة 40 عاما، إنه النموذج الوحيد الذي بقي صامدًا فيما فشلت سائر النماذج الإقليمية، حتى نوازع السيطرة وشغف السيادة التي كانت متحفزة في الإعلان عن نفسها منذ البداية، كانت نوازع منضبطة ومسيطر عليها إلى حد ما. فالعربية السعودية، تاريخيًا ومنذ نشأتها المعاصرة، تعتبر أن الإقليم الخليجي مجالها الحيوي الذي يمكنها من خلاله تحقيق التوازنات والسياسات العريضة التي تتطلع إلى إقرارها وفقا لتفسيرها ورؤاها الخاصة، وفي حال بروز سياسة أو توجه مغاير لدى إحدى دول المجلس المشترك، كانت الرياض تتعامل معه بالصبر، وفقًا لكلام أمير وسياسي سعودي عندما أعلن أن السعودية صبرت على قطر 21 عامًا، وهي بدايات بروز الطموح القطري واستيقاظه إثر تنامي ثروتها المالية التي تفتحت أبوابها من عائدات النفط والغاز. طموحٌ لم تستطع قبل هذه المرحلة المجاهرة به ولو ضمنا أمام القوة السائدة والمسيطرة، إنه الشغف في إثبات الحضور وفاعلية التأثير من خلال لعب أدوار داخل الإقليم وخارجه، ومنذ هذه اللحظة انخرطت الدولتان في تنافس صامت.

غير أن هذا التنافس الذي كان يفور أحيانا ويخبو أحيانا أخرى، تفجر أواسط هذا العام نتيجة ما يمكن وصفه بشعور فائض القوة إثر زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للعربية السعودية، وهي الزيارة التي التقطت الرياض من خلالها عددًا من الإشارات لجهة حسم مسألة زعامة الإقليم وضبط إيقاع قيادة مجلس التعاون على نحو غير قابل للالتباس لجهة زعامتها وانفرادها بقيادة المنطقة على نحو غير قابل للتأويل أو المنافسة. وهذا الفهم إن تحقق على هذا النحو وكتب له النجاح، فإن المعنى المباشر لهذا الإنجاز اقتراب نهاية هذه المنظمة الإقليمية بصورتها المعهودة، ليعاد تشكيلها من جديد وفقا لحسابات وتوجهات مغايرة تماما لتلك التي انطلقت بموجبها مطلع ثمانينيات القرن الماضي. ومن دلالات إعادة التشكيل المرجح حدوثه، تجريد المنطقة العربية بالكامل من كافة أشكال التعاون المشترك فيما بينها، بغض النظر عن مستوى هذا التعاون والنتائج المنجزة بصورة عملية، وإعادة بناء منظمات ومؤسسات عمل وتعاون مشترك باشتراطات دولية جديدة، في مقدمتها تأكيد حضور إسرائيل ومشاركتها في هذه المنظمات باعتبارها، أي إسرائيل، غدت كيانًا طبيعيًا في المنطقة. وربما لن تنقضي بضع سنوات مقبلة، حتى نجد الكيان الصهيوني عضوًا في جامعة الدول العربية، وستكون العضوية مبررة لأكثر من اعتبار، في مقدمتها النغمة التي نسمعها كثيرا هذه الأيام وسنسمعها أكثر في المقبل منها، أن إسرائيل كيان طبيعي في المنطقة، أما المبرر الثاني لنيل عضوية جامعة الدول العربية، أن دولا مثل الصومال وجيبوتي لا يتكلم شعباهما اللغة العربية، ومع ذلك فهما تتمتعان بعضوية كاملة. إنها الهدايا المجانية ذاتها التي تقدمها النزاعات العربية – العربية لتغدو إسرائيل في النهاية سيدة المنطقة بلا منازع، وليست عملية إشهار المشاركة الإسرائيلية في المشاريع الاقتصادية التي تعتزم المملكة السعودية تنفيذها سوى خطوة إضافية وكبيرة في هذا الاتجاه.

وبالعودة إلى ظاهرة التنافسية بين الزعماء العرب، هناك ملاحظة جرى التقاطها نتيجة قراءات في تاريخ المنطقة، وهي أن حالة التقهقر والفشل التي تعاني منها المنطقة يمكن إرجاعها إلى هذه الظاهرة، وأن حجم الضرر والتأثير السلبي تزداد فرصه كلما تقاربت أعمار الزعماء الأنداد، إنها حالة مرتبطة بما أمكن تسميتها أو توصيفها اصطلاحا بـ “صراع الجيل الواحد”. فالانقسام وحالة النفور على هذا المستوى الأفقي، يفوق بدرجات حالة الانقسام بصورتها النمطية في صراع الأجيال العامودي. والعلة في ذلك حالة الندية الشرسة التي تغيب القاعدة الجوهرية في التفاهم المشترك، بحيث ينحصر مجال رؤية كل طرف للأحداث ومجرياتها المحيطة على نحو مختلف ومتعارض لما ينظر إليه الطرف المقابل وفقا لاعتبارات متعددة، وهذه الحالة تعمق معنى الواقعية بصورتها البراغماتية المتوحشة.

ففي حالة زعيمي البعث، نجدهما بداية من جيل بيولوجي وحتى أيديولوجي واحد، (ولد حافظ الأسد عام 1930، وفي عام 1937 ولد صدم حسين) والتحق كلاهما في عمر مبكر بكوادر حزب البعث ببلده، والاثنان وصلا إلى السلطة بفترة متقاربة، (الأسد تولى الرئاسة في عام 1971، أما صدام فكان أشبه بالحاكم الفعلي للعراق منذ أواسط السبعينيات، إلى أن تسلم السلطة رسميا عام 1979) والفكرة الأساس والمسوغ المعلن لتسلم الزعيمين السلطة، هو إجراء عملية تصحيح للنهج السياسي الخاطئ الذي اعتمده الجيل السياسي السابق. رغم كافة أوجه الشبه الظاهرية بين الرجلين، فإن المنطق السليم يفترض أن تقاربًا وتفاهمًا مشتركًا سيتحقق بين القيادتين؛ لكن الذي حصل كان لا معقولا ولا منطقيا بدرجة مروعة، لتتشكل لدينا في النهاية صورة لزعيمين بددا فترة حكمهما في مكابدة ومعاندة بعضهما بعضا؛ ناهيك عن الاتهامية الموجهة لكل طرف من الطرف الآخر، التي لم يضبطها سقف، والنتيجة الطبيعية والمنطقية لهذا النمط من التفكير أن تنتهي المنطقة إلى الصورة التي تغني مشهديتُها عن الوصف.

هذه التجربة بصورتها الحادة ونتائجها العنيفة لم تعرفها منطقة الخليج العربي، ويأمل كل مخلص لأمته أن لا تشهدها في يوم من الأيام، فقد بقيت الخلافات الداخلية بين حكام الإقليم ضمن سقوف لم تتجاوزها، وبقيت معظم الخلافات والنزاعات محصورة بأضيق نطاق، هذا هو نمط الحكم في منطقة الخليج وأسلوبه وعليه يمكن اعتبار هذا التناوش والتناول المعلن هذه الأيام بين حكامه، حالة طارئة وغير معتادة على المستوى السياسي، ناهيك بالطبع عن حالة التجييش والتحشيد التي انتشرت في وسائل التواصل الاجتماعي، كانتشار النار بالهشيم. ليس ذلك فحسب؛ بل إن هذا التطاحن استخدمت في سبيله ومن أجله طواقم متخصصة من صحافيين وسياسيين غربيين، أميركيين بصورة رئيسة، وجرى توظيف هؤلاء لرسم حملات الدعاية والتعبير المضادة ضد الخصم المقابل. وأشارت تقارير صحافية إلى أن هؤلاء الصحافيين والسياسيين الأجانب يتندرون على الأدوار الوظيفية التي يقومون بها، إضافة إلى تعليقاتهم الساخرة على حجم الإنفاق الذي تبذله هذه الدول في حروبها الدعائية ضد بعضها.

هذا التغير الجوهري الذي طرأ على الساحة الخليجية نتيجة متوقعة لتصاعد الحالة التنافسية والرغبة في ممارسة دور سياسي أكبر عقب بروز جيل جديد من الحكام الشباب على الساحة. إنه تغير جوهري في أسلوب الحكم بالمنطقة، رافقه اعتقاد لدى الغالبية العظمى من مواطني الخليج وغيرهم كثير، أن حقبة جديدة سوف تبدأ، وأن نموذج الحكم الرشيد وتصحيح المسار قد بدأت تباشيره تلوح في الأفق، وأن صورة جديدة ومتطورة للقيادة ستشهدها المنطقة، هكذا كان الاعتقاد وهكذا كان الأمل. خصوصا وأن عملية التغير هذه، جرت على نحو توافقي، إلى حد ما، ضمن ما يمكن تسميته بإعادة هيكلة صناعة القرار الخليجي، حيث تنازل الأمير حمد بن خليفة عن الحكم لابنه تميم، وكذا الحال عندما أعفى الملك سلمان بن عبد العزيز ابن أخيه محمد بن نايف من ولاية العهد وإعلانه البيعة لابنه محمد، الذي تجمعت بين يديه مفاتيح صنع القرار السعودي. وكلا الأميرين: القطري والسعودي، هما أبناء جيل واحد.( ولد الأمير تميم عام 1983، وفي عام 1985 ولد الأمير محمد بن سلمان). وبالإضافة إلى الفارق العمري البسيط بين الأميرين، فإنهما من الناحية الثقافية، أو الأيديولوجية – إن صح التعريف- ينحدران ويقدمان نفسيهما باعتبارهما ملتزمين بالمدرسة الوهابية، التي كانت واحدة من أوجه التنافس بين البلدين، إلا أن كل طرف يقدم هذه المدرسة على طريقته، قطر تعتبر نفسها نموذجا للوهابية البحرية أو المائية، فيما تعرف السعودية بتطبيقاتها الصارمة للدين، باعتبارها الوهابية الصحراوية، وهي الصورة التي يسعى الأمير محمد بن سلمان لمعالجتها وتحسينها. وإذا كان الأمير تميم بن حمد قد باشر مهامه الدستورية منذ عام 2013، فإن الأمير محمد بن سلمان يعد الرجل الأقوى في المملكة منذ توليه منصب ولي ولي العهد في عام 2015، وازدادت سلطته بعد تعيينه وليًا للعهد، حتى غدا بنظر أغلب المتابعين الرجل الأول في المملكة.

إذا كانت الفجوة العمرية قد ردمت مع بروز هذا الجيل الحاكم، على مختلف مستويات الحكم والممارسة السياسية، وأخذت الصورة النمطية للسياسي الممارس في الخليج العربي تشهد تغيرًا؛ إلا أن ردم هذه الهوة، أحدث هوى كثيرة أخذت بالظهور والاتساع فيما بينها، وما كان بالأمس ضيقا في نطاقه، غدا متاحا وظاهرا أمام الملأ. إن مجرد طرح تساؤل فيما إذا ستوجه دعوة لأمير قطر، تميم بن حمد، وأن يرأس وفد بلاده في حال انعقاد القمة الخليجية بالكويت، هي سابقة تعلن عن حالة من الصراع لم تشهدها المنطقة في أي من مراحلها، الأمر الذي استدعى من أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد، بعد محاولاته لتبريد الأجواء في المنطقة أن يقرع جرس إنذار ليعلن أن هذا النهج غريب في العلاقة الخليجية.
وللحديث بقية

0 523 15 نوفمبر, 2017 التاسع والثمانون, سياسة نوفمبر 15, 2017
  • نبيل السناني

    استمعت بالمقال وفي انتظار الجزء الثاني
    ويا ليت يكون طرح المشكلة مع ذكر طرق العلاج