جدلية العقل والإيمان

لـ

حين نتكلم عن الإيمان فنحن نعني به الإيمان الديني حصرا؛ إذ إن هناك إيمانا غير ديني، أي لا مجال فيه للغيبيات أو المقدسات أو للطقوس الدينية، ومن أمثلته الأيديولوجيات والمذاهب الفلسفية المختلفة. فالإيمان الذي نقصده إذن هو نظام فكري عقائدي يهدف إلى تحديد الغاية والمقصد من هذا الوجود بكل أبعاده، ويتميز هذا النظام الفكري بأنه ينسب لنفسه وللنتائج التي تفرز عنه مرجعية معرفية مقدسة، وبأنه يتبنى رؤية متكاملة للهدف والغاية من وجود الكون وخلق الإنسان. أما عن السبب والدافع الذي يدفع بالإنسان إلى اعتناق الإيمان فهو الحاجة إلى الشعور بالأمان في مواجهة تساؤلات النفس عن الكون، والغاية من الوجود، وهو ما توفره الإجابات الدينية، كما أن الإيمان يروي الظمأ المعرفي القلق المغروس في النفس البشرية. وبجانب ذلك هنالك أيضا دراسات علمية تشير إلى وجود حاجات بيولوجية – بجانب الأسباب النفسية- لا يتم اشباعها إلا بالإيمان. ومن بين عشرات الطرق الإيمانية – الأديان- فإن ما يحكم خياراتنا العقائدية غالبا هو عامل الوراثة، وقد صدق الشاعر حين قال (وينشأ ناشئ الفتيان فينا على ما كان عوّده أبوه) فنحن لا نرث معتقداتنا الدينية فحسب؛ بل ما يصاحبها من إثباتات عقلية وغير عقلية،  يتم غرسها فينا لترسيخ فكرة أن ذلكم الإيمان هو الحق الوحيد والأوحد.

على الجانب الآخر، فالتعريف العام للعقل هو تلك الملكة التي يمتلكها جميع أفراد الجنس البشري دون باقي الحيوانات، والتي تمكنه من استقبال المعلومات الحسيّة ومعالجتها وإضفاء معنى عليها، مما يتيح له حرية الاختيار والتحكم في رغباته ومقاومتها. أما في مجال التعاطي الفلسفي؛ فقد حظي العقل بتعريفات كثيرة منذ الفلسفة اليونانية التي اهتمت بتقسيم العقل قبل تعريفه (الهيولاني .. الغائي .. الخ) كما فعل أرسطو، ومن بعدها الفلسفة الإسلامية التي أعطته تعريفات عدة كالعلم الضروري، ووصولا إلى الفلسفة الأوروبية الحديثة التي ظهرت فيها مدارس كثيرة اهتمت بتعريف العقل وإبراز دوره في الوصول إلى الحقيقة، والجامع المشترك بين هذه التعريفات الفلسفية للعقل هو اتفاقها بأنه أداة للوصول إلى الحقيقة ومحاولة تبيانها وكشف صدق القضايا الخلافية المختلفة. وهذا التعريف للعقل يجعله يفترق جوهريا عن الإيمان في تحديد المرجعية المعرفية؛ إذ يبني الإيمان مرجعيته المعرفية أساسًا على النص المقدس أو الاتصال بقوة عليا مفارقة للطبيعة تتولى توجيه الإنسان، وتدله على الحقائق؛ في حين أن العقل هو مرجعية نفسه لا غير، أو بمساعدة الحواس أحيانا.[1]

 

إذا أردنا النظر إلى موضوع العلاقة بين العقل والإيمان من زاوية ووجهة نظر تاريخية؛ فسنجد أغلب النظريات الأنثروبولوجية ترى أن الإيمان سابق زمنيًا على العقل؛ إذ إن الإنسان العاقل الأول (قبل ١٠٠ ألف سنة تقريبا) كان يغلب عليه شكل من الإحساس بوجود قوة عظمى تحكم الكون وتوجّه الطبيعة، وقام بالتوسل إليها بوسيلتين مختلفتين، هما: الطقوس الدينية والسحر، وبين الطريقتين فروقات وضحها المختصون لا يتسع المجال لذكرها هنا. ولكن رغم طغيان الطابع الإيماني في تلك البدايات البشرية؛ إلا أن ذلك لا يعني غياب العقل التام عن دائرة الإنتاج والفعل المعرفي في تلك الفترة، وإلا لما كان هنالك معنى لإطلاق مصطلح (الإنسان العاقل)؛ بل إن الإيمان والعقل ثنائي حاضر في كل الأزمنة، ولكن بدرجات ظهور وتأثير مختلفتين. أما العصر الذي غلب فيه العقل؛ فيرى معظم المؤرخين الأوروبيين أنه قد تم تدشينه مع بزوغ الحضارة الإغريقية في الألف الأول قبل الميلاد؛ إذ ظهرت البوادر الأولى للفلسفة مع طاليس والفلاسفة الطبيعيين، ووجهة النظر هذه مليئة بالكثير من التحامل والعنصرية، وتجاهل دور حضارات مصر وما بين النهرين والحضارات الهندية والفارسية، وما حققه العقل فيها من تقدم قد يكون مساويًا للإيمان إن لم يزد عليه. إن تعلم الإنسان لصناعة أدوات الصيد وانتقاله بعدها لرعاية الحيوانات والاستقرار الزراعي قبل عشرة آلاف سنة في منطقة شرق المتوسط أدى إلى توجيه الإنسان لتفكيره إلى إمكانية التسخير المادي لموارد الطبيعة، وعدم الاكتفاء بالتوسل لقوى الغيب والآلهة المختلفة ونسبة ما يجهله إليها، وكانت هذه نقطة البداية لظهور الحضارات الأولى، وتشكل العقلانية الفلسفية في منطقة الشرق الأوسط التي ما لبثت أن انتقلت إلى الإغريق.

أما بخصوص العلاقة الجدلية بين العقل والإيمان وحاجة أحدهما إلى الآخر؛ فلا بد من تسجيل ملاحظة مهمة، وهي أن فعل العقل والتعقل لا يمكن أن يوجد بمنأى عن الإيمان بالبدهيّات القبلية، كالإيمان بقدرة العقل على المعرفة والإيمان بقابلية الوجود للإدراك والإيمان بصدق ما تنقله لنا الحواس. فالعقل على هذا يكون مبنيًا على مقدمات إيمانية تشكل القاعدة التي يقف عليها العقل وينطلق منها لأداء وظيفته. أما الإيمان فهو لا يتطلب غالبًا أية مقدمات عقلية تبرهن عليه؛ إلا إذا استثنينا علم اللاهوت (الكلام) الذي ينطلق من مقدمات عقلية للدفاع عن العقائد والبرهنة عليها.

وكثيرا ما تداخل العقل والإيمان وتنازعا الصدارة؛ بل وحاول كل منهما تسخير الآخر لخدمته كما في اللاهوت وعلم الكلام، ولنأخذ مثالا على ذلك علم الكلام الإسلامي، فقد كانت الغاية منه الدفاع عن العقائد الإسلامية باستخدام الحجج العقلية ومنهج البرهان الفلسفي، وتعطينا المذاهب المتصارعة في بداية تكون علم الكلام صورة جيدة عن المستويات التي يمكن أن يتداخل فيها العقل مع الإيمان، فمذهب المعتزلة اعتبر العقل سابقًا على النص الإلهي؛ بل وأوجب تأويل النص في حال معارضته للعقل، وهو موقف يمثل ذروة الانتصار للعقل من داخل دائرة الإيمان المحض. وفي الجهة المقابلة يمثل مذهب الأشاعرة الانحياز للنص على حساب العقل، وهو ما يتجلى في التشدد في تاويل النصوص الدينية ووضع الشروط لذلك. أما الحنابلة والظاهرية فيمثلون ذروة تغليب الإيمان والأخذ بحرفية النصوص، وإعطاء وظيفة شكلية للعقل؛ إذ نادوا بضرورة التوقف عند ظاهر النص، وشنّعوا على كل محاولات النظر العقلية فيه.

مثال آخر على التزاوج بين العقل والإيمان نراه في علم الفقه الإسلامي، الذي يقوم بإقرار التشريعات المدنية عن طريق استخلاصها واستنباطها من النصوص الدينية، فالاستنباط هنا هو الجانب (العقلي) بينما النص الديني هو الجانب (الإيماني)، وعلى النقيض من الفقه يبرز القانون المدني الحديث الذي وضع بناء على اجتهادات عقلية خالصة بدون أي مؤثرات دينية؛ إلا إذا اخذنا التنشئة الدينية المحتملة لواضعي القانون كعامل إيماني وهو قول ضعيف.

يمكننا إذن استخلاص قاعدة عامة بخصوص الأديان والحدود التي ترسمها بين العقل والإيمان، وهي أنها – الأديان- تلجأ إلى المنهج العقلي والحجج المنطقية لإثبات عقائدها الأساسية، وبخاصة إثبات المصدر الإلهي، والمطلق للوحي، وما إن تؤدي هذه المهمة حتى تقوم بتنحية العقل جانبًا، وتتخذ نصوص الوحي مرجعًا معرفيًا متعاليًا على العقل كمصدر للمعرفة. وهذا هو السبب الرئيس للعداء والمقاومة التي تواجهها التيارات الدينية الداعية إلى عقلنة الإيمان، ورفع مرتبة العقل لتقترب وتتساوى مع مرتبة الوحي من حيث درجة الموثوقية المعرفية.

في الختام بقي أن نطرح سؤالا عن وضع العلاقة بين العقل والإيمان في الوقت الحاضر، ورأيي أن الإجابة ستكون متباينة بتباين الشعوب والقوميات المعاصرة وتعددها؛ فالملاحظ أن الشعوب المنتجة للحضارة تتميز بغلبة جانب العقل في تكوينها، وانحسار الجانب الإيماني وهو ما نجد عكسه لدى كثير من الشعوب والدول المستهلكة للحضارة، ولكن الإنصاف يقتضي منا الاعتراف بأن هذه الملاحظة عن علاقة الإنتاج الحضاري بجدلية العقل والإيمان لا تكفي وحدها لوصف هذه المسألة وتحليلها؛ بل هنالك عوامل كثيرة داخلة في تحديد هذه العلاقة ورسمها، ولا بد من دراسات مستفيضة حولها.

__________

[1]  (جدير بالذكر أن المعركة التاريخية لتقرير أسبقية العقل أو أسبقية الحس في المعرفة (العقلانية ضد الحسية) انتهت بالجمع والتوفيق بينهما في المنهج العلمي التجريبي الحديث).

0 517 16 نوفمبر, 2017 التاسع والثمانون, ثقافة وفكر نوفمبر 16, 2017