هل انتصرت ثورة ظفار؟

لـ

ماضي البلد أو هل انتصرت ثورة ظفار؟

قراءة في رواية الباغ

للكاتبة: بشرى خلفان

الناشر مسعى للنشر ٢٠١٧ ط٢

”كان البحر مثل مسقط تماماً يغسل بالماء جراحه ويهيجها في آن.“

ص٥٠

”تذَكّر بو يعوّر عمره ما يصيح، سمعتني؟!“

الأم توصي ابنها

ص١٧١

 

تحايثُ رواية الباغ جيلين من الزمن، عبر تتبع مسار أبطالها، وقد تساءل الناقد المعروف جابر عصفور عمن يكون بطل الرواية وتوصل إلى أنها ”ريا“، كما أهدى إليها القاص وليد النبهاني قصته القصيرة جداً (الكوت)، لكن يبقى السؤال مفتوحاً عمن يكون بطل الرواية، ونستطيع الاقتراح أن البلاد (عُمان) هي البطل الرئيس لرواية الباغ، وأن خروج الشخصيات المتوالي والأحداث الروائية في النص كان مدفوعًا أكثر بالوضع السياسي والاجتماعي للبلاد في زمن الرواية، فبسبب انتشار الظلم ومركزية القبيلة يخرج راشد وريا من قرية مُتخيّلة تقع في الرستاق تعطيها الكاتبة اسمًا دالًا (السراير) من السريرة وهي محل السر، أي من الأعماق، إلى مسقط، حيث تقود راشد أقدار البلاد ليصبح حمّالًا في الميناء فعسكريًا على البوابة فضابطًا في الجيش السلطاني ليخوض حرب الجبل الأخضر ضد الإمام، ثم ليخوض تاليًا حرب ظفار.

 

أما ريا فتقودها البلاد نفسها لتتعرف على المزيج الثقافي الذي سكن مسقط، من عرب وبلوش وزدجال وهنود، وتدخل في تفاصيل الحياة اليومية، ابتداءً من الطوي الحلوة، لتبقى تضيء العمل من وجهة نظر أنثوية ممزوجة بزمنها وثقافتها فتتزوج من علي الكاتب في برزة السيد، وتنجب ابنها زاهر، وتشارك في حياة الزمن وحياة مسقط كمعلمة قرآن تستهدي بالله وبقرآنه وتهدي به الصغار والصغيرات: يمكن لو علمتهن تكثر كلمة الله وهن يرددن سور القرآن وراي، ويوم تكثر كلمة الله يمكن قلوب الناس ترق، وفودتهم تبصر الحق وتغشاها الرحمة. ص١١٦.

 

تتفنن الرواية في وصف العلاقة بالقرآن وتأثيره السحري في القلوب ”تنتشي روحها بكلماته ويأخذها أخذ الحبيب للحبيب“ ص٣٠ و“كانت تسبح في عالم الحرف والمعنى المكتنز بالصور، يتسلل المعنى إلى قلبها فيريحها من تعب المسير وضنى الشوق“ ص٤٣، ونرى الله في دعاء ريا: ترفع يدها وتقول يا الله.. تخرج منها طويلة وكأنها تمتد إلى السماء من خلال أصابعها الذاهبة فيها ..يا الله.. يا الله.. ويذهب قلبها في الكلمة. ص٢٣٥ وكذلك حين تستذكر ريا كلام أبيها: ”كلام الله يحس في كل شي، في الصوت وفي الخط وفي النطق وفي المعنى، المعنى في الفواد ما في العين، لكن العين باب، واليد باب، والحرف باب، وكل باب منها يفتح على باب، وكله يسيل لكنه يتلاقى في مكان واحد، في الفواد“ ص١٦٩.

 

تمزج الرواية أجواءها بمناخات مختلفة، من البساتين والمزارع، إلى الرحلة والحنين للناقة، إلى الحارات القديمة وأهلها وبيوتها ”يلتقط الفقراء الفرح أينما وجدوه ويسيرون فيه حتى أقصاه“ ص٧٤، والرواية بمعنى ما تاريخية كما أشار كثير ممن كتب عنها، تتناول عدة أحداث تاريخية فاصلة في ذلك الزمن، داخلية كحربي الجبل وظفار، وخارجية كالنكبة والنكسة، وربما بسبب المدى الزمني المترامي الذي أرادت الرواية الإحاطة به؛ فإنها شهدت قفزات زمنية متتالية اضطرتها للحشو رغم الفطنة الواضحة في تشييد النص وبنائه بطريقة فنية بارعة وافتتان واضح كما أشار لذلك الناقد الفذ محمد العباس في مقاله الباغ سيرة الإنسان العماني وبيتيته الثقافية.

 

في اللحظة التي يكتب فيها العمل الفني تاريخًا ما؛ فإنه لا يتوقف عن مساءلته ووضع كل القرائن والأدلة الممكنة لإشراك القارئ، وهذا ما حدث في رواية الباغ، والكاتب إنسان له ميولاته العاطفية التي يمكن أن يشي بها النص، لكن النص يبقى أميناً لنصيته أكثر، وذلك ما يسمح للقارئ باستطلاع حقبة زمنية مهمة شهدت الكثير من التغيرات، والتأمل فيها بهدوء أكثر ودون ضجيج أيديولوجي ضيق الأفق. هناك لمحت كقارئ أن ثورة ظفار ربما انتصرت من حيث لا تحسب؛ ففي اللحظة التي قامت فيها الثورة ضد الظلم والهيمنة والتخلف؛ أشعلت فتيلاً حياً هزمت معه مساراً مغلقاً وفتحته بالقوة، وجعلت الأحداث تتسارع باتجاه آخر أنتجَ واقعًا مختلفًا وحاضرًا مفارقًا للماضي، وفي اللحظة التي جرت فيها التحولات في صفوف الثورة إلى جيش السلطان كانت تلك العلامة الواضحة أن الأهداف التي قامت من أجلها الثورة صارت مرئية من الجانب الآخر ويمكن تحقيقها دون دماء بسلوك طريق مختلف، وفي اللحظة التي كانت الثورة تأكل فيه أبناءها اغتيالًا وإعدامًا، كانت تلك علامة أخرى على انغلاق الطريق، وليس هذا الكلام اتهاماً لطرف دون آخر، فمن يستطيع فعلاً وسط الاشتعال أن يستبصر بهدوء ورويّة؟ ومن أمام الرغبة العمياء في السلطة وإغواءاتها يقنع إلا بالملك وحده، مهما اعترض ذلك من دمار ودم؟

 

فإذا كانت الثورة قامت من أجل رفع الظلم وتحقيق الازدهار للأرض والشعب، فقد حدث ذلك واكتسبت تعاطف الجميع وهي منتصرة، لكن إن كانت قامت من أجل انتصارها الذاتي الأيديولوجي واستيلائها على الحكم فذلك لم يحدث وقد هزمت. أو كما تقول ريا في رواية الباغ: وهذي الحرب مو الحاجة عليها؟ مكتوب ع العمانيين يتناحروا الدهر كله؟ مرة هناوية وغافرية ومرة السلطان والإمام، ماشي بد عن كذا؟! ص١٥٣.

 

ما الذي يدعو لهذا الاستدعاء الآن؟ إن الرواية بطريقة بارعة شطرت القلب قسمين، حين قسمت قلب ريا بأخيها الضابط في جيش السلطان، وابنها الثائر في صفوف الثوار، وكان لا بد أن يجد المرء نفسه هناك حين يعود صدى الكلمة التي قالها راشد في بداية الرواية، من فم ابن أخته ”حر ولد حرة والحر ما يقبل الظلم“ ص٣٢٨.

 

بإتقان تسجل الرواية مشاعر العماني في تلك الفترة: ”يريد أن يكون عمانياً بعزته الكاملة، وأن يقول أنا ”عماني“ دون أن يشي صوته بالتردد، ودون أن يقدم اعتذاراً ضمنياً لوجوده في بلاد الآخرين ضيفاً أو عالة“ ص٢٦٧.

وتصور عمان القديمة: ”هذه البلاد لا علم فيها ولا وظايف هذه بلاد فقيرة“ ص١٨٩، وتحلل ضنك الحال ”ضاقت عمان بناسها وهانوا على الخلق في بلاد الخلق.“ ص١٣٠ أو كما يشرح راشد لأخته معنى البلاد ”يا ريا البلاد ما جبل وحصى ونخل وفلج.. البلاد ناس، ناس تحبك، وتفقدك وتترجاك وتحامي عنك، وما تهون عليها.“ ص٤٧، أو كما يقول أيضاً لأبيه: هذه بلاد ظُلّام يا أبي، الجبابرة لا يأتونكم من خارج، أنتم تلدون الجبابرة من أرحام هذه الأرض يخرجون وينسلون ويفسدون ص١٠١.

 

إنها رواية مكتوبة برويّة وبافتتان لا شك فيه، يتضح في الحضور القرآني كما أشرنا، واستخدام الكلمات المحلية، وما يلفت محمد العباس الانتباه إليه باسم البيتية الثقافية، وحميمية الوصف كما في وصف نساء السواقي، أو بيت الباغ، والحارات وثياب البلوشيات، والبابلوه الحراقة، وخارطة مسقط القديمة، وحنان الناس على الغرباء، والوصايا ”هاالله هاالله في البنية“ ٧٦  مثلما يتضح في كثير من الصور الجميلة المتناثرة في الرواية: ”واصلا مشيهما حتى رأيا البحر، بدا لهما من البعيد كخيط من الفضة، ثم تحول تدريجياً إلى مرآة يتراقص زئبقها تحت الشمس“ ص١٤.

0 949 22 نوفمبر, 2017 التاسع والثمانون, حداء الروح نوفمبر 22, 2017