ترامب يصدر أزمته الداخلية بإعلان القدس عاصمة “إسرائيل”

لـ

” لم أنم طوال الليل، كنت خائفة من أن يدخل العرب إسرائيل أفواجًا من كل مكان، ولكن عندما أشرقت شمس اليوم التالي، علمت أن باستطاعتنا أن نفعل أي شيء نريده.”

هذه عبارة شهيرة، عمرها قرابة 50 عاما، أطلقتها رئيسة وزراء “إسرائيل”، غولدا مائير عام 1969 بعد أن أضرم رجل يهودي النار بالمسجد الأقصى، فاندلع حريق ضخم أوشك أن يأتي على كافة محتويات المسجد. ولأن للأقصى منزلة رفيعة في نفوس المسلمين والعرب كافة، باعتباره أولى القبلتين وثاني الحرمين الشريفين، ولأنه حاضر بصورة لا تنقطع في الخطابات والتصريحات الرسمية، إضافة إلى خطب المنظمات الأهلية وبياناتها آنذاك، بكافة تياراتها وتوجهاتها السياسية، كان المفترض أن يتشكل موقف عام يوازي الهالة الخطابية أو قريبا منها، موقف من شأنه أن يحدث تغييرا ما في جوهر معادلة الصراع، غير أنه ما كاد يمر شهر أو شهران حتى انطفأت جذوة الحماسة الثورية، أو كادت، ومع مضي الأيام بات الحدث مجرد ذكرى في سلسلة ذكريات أليمة.

كان هذا الفعل الإجرامي والردود عليه عربيا بهذا المستوى من الرد قبل خمسين عاما، وفي ظل مناخات المدّ القومي وفوران الروح الثورية ودعوات نضالية تجتاح العالم العربي، أو الجزء الأغلب منه، ورغم ذلك مضت هذه اللحظة، وجرى تفويتها باعتبارها واحدة في سلسلة نكبات الأمة وخيباتها، لا أكثر من ذلك ولا أقل. واليوم ووفقًا لكافة الكتابات الأولية والتصريحات الصادرة عن خبراء ومحللين سياسيين وأمنيين في مراكز تقدير الموقف الإسرائيلي، فإنهم يعبرون عن الاستخلاص ذاته الذي خرجت به رئيسة الوزراء الإسرائيلية، جولدا مائير عام 1969، بأن شيئًا حقيقيًا وحاسما لن يحدث نتيجة الرفض العربي للقرار الأمريكي، باعتبار القدس عاصمة “إسرائيل” الأبدية. وأن ردود الفعل الغاضبة لن تتجاوز مستوى معينًا يُمكن لأكثر من جهة وطرف في المنطقة بأسرها استيعابه والتعامل معه، وأن مداه الزمني سيكون قريبًا.

المأمول على مستوى الشارع العربي، بمنظماته ومؤسساته المدنية والسياسية كافة، أن تتعامل مع القرار الأمريكي بنفس الحماسة والتنظيم الذي تعاملت به قبل سنوات قليلة مع مسألة رسوم الكاريكاتير المسيئة للنبي الكريم؛ إذ شهدنا تفاعلا ونشاطًا لم يعهده الشارع العربي والإسلامي منذ عقود طويلة. إن تحركًا على هذا المستوى وبهذا الزخم لمواجهة التهديد الذي تتعرض له أول قبلة للمسلمين ومسرى نبيهم، سيثمر وبصورة حتمية عن نتائج أكثر بكثير مما قد يتخيله كثيرون، وأن تحركا على هذا المستوى أو قريبا منه سيُحدث تصحيحا للمسار الذي يأخذ المنطقة برمتها إلى مرحلة التصفية والانقياد الكامل للمشروع الصهيوني… فهل نفعلها ؟

 

ومن الأحاديث ذات الصلة بموضوع القدس، هذه الفقرات التي دوّنها الرئيس الأمريكي الأسبق، جيمي كارتر في مذكراته؛ إذ ذكر أنه التقى معظم القادة العرب، ووصف باستغراب حالة الانفصام التي كانت تميز هذه اللقاءات. عندما كان يلتقيهم مجتمعين، ويأتي البحث أو الحديث حول القضية الفلسطينية، يأخذ الحكام العرب في المزايدة الخطابية من خلال تأكيدات أنهم ماضون في نضالهم ورفضهم للسياسات الإسرائيلية الاستيطانية، وأنهم لن يساوموا بشأن الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني على أرضه، وحق تقرير المصير.  ويضيف كارتر أنه في حال التقى بهم فرادى؛ فإن كل واحد من هؤلاء الحكام يأخذ في التأكيد على أهمية التوصل إلى حل سلمي، وضمان حق إسرائيل في الوجود. أما العنصر الذي فاق فيه عنصر الدهشة والاستغراب لدى الرئيس الأمريكي الأسبق، فهو إضافته أن أيًا من الزعماء العرب الذين التقى بهم، لم يبحث معه ملف القدس.

حالة الانفصام السياسي هذه مثبتة ومؤكدة في أكثر من موطن، وفي أكثر من لحظة تاريخية. ظاهر الخطاب السياسي العربي الرسمي شيء، وباطنه شيء آخر، وخصوصا عندما يكون النزاع العربي – الإسرائيلي أو ما تبقى منه، هو مجال المعالجة.

بالطبع كان لا بد أن تظهر المواقف الرسمية بوسائل الإعلام المختلفة إزاء الإعلان الأمريكي الأخير، مجرد استحقاق كلامي في إعلان رفض الإجراء الأمريكي، ربما يتبعه إصدار بيانات شجب وإدانة، بصورة منفردة أو جماعية، ولن يذهب أحد إلى ما هو أبعد من ذلك، وليست عدم القدرة هي السبب في تواضع الرد؛ وإنما عدم الرغبة، هذا إذا بقينا ضمن دوائر حسن الظن، والاكتفاء في المتابعة من مصدر واحد،  ولم نعر أذنا صاغية لما يرشح من معلومات صادرة عن مراكز بحثية، بعضها أمريكي وأغلبها إسرائيلي، التي تؤكد كلها أن كل الذين استنكروا وأدانوا الإعلان الأمريكي جرى التنسيق معهم سابقا في صيغة إخراجه، وأن جهات عربية هي بالأساس من الداعمين لهذا الإجراء ضمن إجراءات لاحقة بهدف تصفية القضية الفلسطينية، واستعجال الانتهاء منها على أي نحو كان، للتفرغ من ثمَّ للعدو الحقيقي للأمة؛ الجمهورية الإيرانية الإسلامية. هكذا كان المسار وهذه هي المقاصد الكبرى، أو بعض مقاصد الإعلان.

بالطبع، الجميع يعلم أن الهدف من التصريحات الرسمية وردود الفعل هو الاستهلاك المحلي فحسب، وأن إجراء تصعيديا، على مستوى قطع العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية أو مع إسرائيل، للدول التي عقدت اتفاقية سلام معها، أو حتى على مستوى استدعاء السفير الأمريكي وتقديم رسالة احتجاج رسمي، والأخيرة هي أضعف الإيمان، أن أيًا من هذه الخطوات لن يتم اتخاذها بأي حال من الأحوال، خشية العقاب أو رفع الغطاء؛ لذا جاءت ردود الفعل بهذا المستوى من التأدب والمجاملة، خشية الوقوع في المحظور، واستيعابا للنهج الأمريكي في التعامل مع الأصدقاء العرب المتوافق مع مضمون المقولة المعروفة :” من أمن العقاب أساء الأدب”.

بعد هذا التطواف السريع فيما قاله وخطه قادة إسرائيليون وأمريكيون بشأن القدس، وردود أفعال الجماهير والزعماء، تبقى معرفة تداخلات الفعل السياسي الأمريكي الراهن حول هذه المسألة قضية أساسية لاستكمال عملية الفهم لما يجري، وما دوافع الرئيس الأمريكي ومبرراته لاتخاذ قراره في هذه اللحظة تحديدا. ومن خلال الإجابة عن هذا السؤال، ومحاولة فهم دوافعه وغاياته؛ يمكن تقديم تصور لمآلات هذه الأزمة، وحدودها التي ستقف عندها، أو مدى التصعيد الذي من الممكن أن تبلغه.

يواجه الرئيس الأمريكي عددًا وافرًا من القضايا المثارة حول أدائه السياسي، يبلغ بعضها مستوى التهديد في بقائه بمنصبه، والحديث هنا على وجه التحديد، في التهمة الموجهة إليه بالتخابر مع روسيا أثناء فترة الانتخابات الرئاسية. هذا التهديد القضائي الذي ما زالت مفاعيله قائمة، اضطر ترامب أن يجري بعض التعديلات على شكل تحالفاته الداخلية، وعلى وجه الخصوص اقترابه أكثر فأكثر من اليمين الأمريكي المتطرف، تيار المحافظين الجدد، المهووس بالحروب الثقافية إنجيلية الطابع، واستمالتهم إلى سياسته عبر إطلاق سلسلة من التصريحات والمواقف التي تتوافق مع الأيديولوجية المتطرفة التي يتبناها هذا التيار. وعليه؛ وُجهت داخل الولايات المتحدة انتقادات شديدة للرئيس ترامب قبل أربعة أشهر من الآن بسبب موقفه المتساهل جدا مع منظمات أمريكية متطرفة عقب أعمال عنف شهدتها ولاية فرجينيا. وثاني هذه المواقف إعادة الرئيس ترامب عبر حسابه الرسمي نشر سلسلة تغريدات تتضمن مقاطع فيديو مسيئة للمسلمين. وهي خطوة لاقت بكل تأكيد استحسان اليمين المتطرف. هذا الاهتمام الديني الثقافي لترامب، الذي لا يعكس جوهر شخصيته، واهتمامه بطروحات اليمين المتطرف، غاية ذلك كله ضمان دعم هذا اللوبي وتعاطفه معه في حال اكتملت عناصر الاتهام بالتخابر مع روسيا، وأحيل الرئيس إلى التحقيق، وفي حال ثبتت التهمة عليه فإنه بالضرورة سيطرد من منصبه.

وعليه؛ يأتي إعلان القدس عاصمة لـ “إسرائيل”  ضمن هذا السياق، وهي الخطوة التي أحجم عن الأقدام عليها كافة الرؤساء الأمريكيين السابقين، فبقي هذا الإعلان واحدًا من الآمال المرتقبة كخطوة إضافية في طريق تحقيق الحلم اليهودي بإقامة دولة دينية خالصة لليهود، وهو الحلم الذي يشاطره إياهم اليمين المسيحي في الولايات المتحدة. بالطبع لكلٍ دوافعه ومبرراته العقائدية، الحالية والمستقبلية، وصولا لتحقيق نبوءة هرمجدون الميثولوجية، علما أن لكل طرف، اليهودي والإنجيلي المسيحي، تفسيراته المتعارضة مع تفسير الطرف المقابل، ومع ذلك فكل منهما ماض بمشروعه وصولا إلى هذه اللحظة المأمولة، بطريقته ووفقا لمنظوره الديني.

إن هذا الإعلان أدخل ما يسمى تجاوزا “مفاوضات السلام” في مسار مختلف تماما عن كافة المسارات السابقة، فدور الوسيط النزيه والمحايد، الذي كانت تدعي واشنطن ممارسته ولو نظريا إزاء القضايا الخلافية الفلسطينية-الإسرائيلية، هذا الدور قد أسقط بالكامل من خلال اندماجه وانصهاره المكشوف مع المشروع الصهيوني، ولن يكون هناك بعد اليوم ما يعرف بالقدس الغربية أو القدس الشرقية، وإنما قدس موحدة، تتبع بالسيادة وحرية التصرف، بأرضها وسكانها ومقدساتها القرار الإسرائيلي، هذا يعني فيما يعنيه مواصلة التمدد الاستيطاني دونما إزعاجات هنا وهناك. إضافة إلى أن إسرائيل باتت حرة اليدين في طريقة التعامل مع السكان العرب على النحو الذي ترتئيه، وهناك أيضا مواصلة التنقيب تحت قبة الصخرة بزعم البحث عن الهيكل المزعوم، والنتيجة الطبيعية لمواصلة هذه الحفريات، أنه سيأتي اليوم، وربما يكون قريبا، الذي يستفيق فيه العالم العربي والإسلامي ذات صباح على نبأ انهيار الأقصى نتيجة عمليات الحفر هذه، ولن تعدم الحكومة الإسرائيلية تبرير هذا الحدث أو إنكار مسؤوليتها عنه، وسيبقى رهانها هو ذاته، أمة تغط في نومها، واليقظ منها معني فقط بتدبير شؤونه ومصالحه الخاصة.

 

 

0 1089 10 ديسمبر, 2017 العدد التسعون, سياسة ديسمبر 10, 2017