الفلسفة النسقية ونظرية الفوضى

لـ

يتناول هذا المقال قضية هامة تميز العقلي الفلسفي عن غيره وتكسب الفلسفة أهم صفاتها التي تميزها عن غيرها من الأنظمة المعرفية الأخرى, أقصد قضية النسقSystem أو المذهب . Doctrine والسؤال الذي سنسعى للإجابة عنه في هذا المقال: ما معنى النسق؟ وما أهم خصائصه التي تميزه؟ وهل النسق والمذهب مترادفان أم مفهومان مختلفان؟ والسؤال المهم: هل الفوضى  تتأسس بعيدا عن النسق أم أن الفوضى يمكن أن تفهم و يعاد تأويلها في ضوء النسق ذاته؟

يمكن أن يعرف النسق بأنه الإطار الفكري الشامل الذي ينظم فيه الفيلسوف أفكاره ونظرياته أو هو النسيج الذي ترتبط به أفكار الفيلسوف ونظرياته المتعددة في المباحث الفلسفية المختلفة كالمعرفة  والوجود والقيم. فيقدم الفيلسوف أفكاره في صورة منهجية منظمة تتصف بالوحدة العضوية والاتساق والتكامل. وهذا ما يجعل التفكير الفلسفي يختلف عن غيره من أنواع التفكير الأخرى, ولهذا دائما ما توصف نظرة الفيلسوف بالرؤية الشاملة والحكمة؛ نظرا لمحاولته الدائمة لفهم الظواهر والأفعال والأحداث وتفسيرها بردها إلى لنسق فتكسب تحليلاته الوحدة والاتساق. ولهذا يتصف فكره بالانسجام ولمفاهيمه بالترابط ولأحكامه بالانضباط  المنهجي.  وهنا يظهر الاختلاف بين النسق والمذهب باعتباره نسقا من المعتقدات المقبولة ذات طبيعة سلطويةauthoritative لا يمكن العدول عنها أو تغييرها. كما يتصف المذهب بأنه ذات طبيعة دوجماطيقيةDogmatism .  بعبارة أخرى, فالمذهب ينطوي على أحكام يقينية تقود صاحبه أو المؤمن به إلى التوهم بأنه يملك الحقيقة المطلقة. بينما النسق يتضمن مجالا واسعا فأحكامه تبنى على مقدمات احتمالية تقبل الصدق والكذب, ومن ثم  يمكن للفيلسوف- أن ينقح نسقه و يدخل عليه التعديل- إذا ما تبين له وجود خللا في البناء النظري Theoretical framework وذلك للمحافظة على وحدة البناء واتساقه. بينما المذهب ينطوي على الإيمان و التسليم بمقدمات البناء ونتائجه مع الاعتراف بكمال الاستدلالات  مع التسليم باستحالة وجود خطأ في الاستدلالات والنتائج الأمر الذي جعله يتصف بالتشدد والصرامة و عدم المرونة. فالنسق يتصف بالانفتاح والمرونة Flexibility Openness and بينما المذهب يتصف بالانغلاقية والصرامة Closeness  and Rigidness دعنا الآن ننتقل لتناول الخصائص  المميزة للنسق الفلسفي.

1- الكليةTotality

يقصد بها أن تنطبق المبادئ العامة للنسق و قوانينه ومقولاته على عناصر النسق. ومن ثم تتصف مقولات النسق بالكلية؛ لأنها تعد مبادئ للتفسير والتحليل, يستخدمها الفيلسوف لتفسير ظاهرة  أو فعل ما, في مجال المعرفة أو الإبستومولوجيا, أو في مجال الوجود أنطولوجيا, أو في مجال القيم (قيمة الصدق ويدرسها علم المنطق- قيمة الحق و يدرسها علم الأخلاق- وقيمة الجمال ويدرسها علم الجمال) أو ما يعرف بالاكسيولوجيا

2- الوحدة العضويةUnity

هي صفة لازمة عن الكلية, فحيث إن مقولات النسق و قوانينه تتصف بالكلية, فإنها تنطبق على عناصر النسق ونظرياته ومفاهيمه ومن ثم ترتبط هذه العناصر معا في وحدة تتصف بالكلية و يصير الانسجام والاتساق الصفة المميزة لعناصر النسق وبهذا تتصف عناصر النسق دائما بالوحدة العضوية والتماسك بين أجزاء البناء الفلسفي.

3- العقلانيةRationality

وهى إحدى الصفات الهامة التي تربط النسق باعتباره الكل أو البناء وأجزاء النسق بحيث تتضمن العقلانية العمليات المنطقية  وما تشمله من صحة  الاستنتاجات والاستدلالات وربط المقدمات بالنتائج و صحتها. وفى هذا الشأن فإن اكتساب المعرفة يتم عن طريق هذه الاستدلالات وصحتها باعتبارها هي المعيار للحقيقة.

ويمكننا تتبع هذا الفهم في فلسفة العديد من الفلاسفة أمثال افلاطونPlato, أرسطوAristotle , رنية ديكارت ,  Rene Descartesوايمانويل كانطEmanuel Kant , وجورج فريدريك هيجلG.F.Hegel وغيرهم من كبار الفلاسفة المعاصرين ولكن هذا ليس موضوع حديثنا الآن. دعنا الآن ننتقل إلى الشق الآخر من هذا المقال الذي نتناول فيه مفهوم الفوضىChaos ونظرياته باعتباره نمطا للتفكير يتصف باللانظامDisorder والالتباسConfusion والعشوائيةDisarray.

نظرية الفوضى:

نظرية الفوضى هي إحدى النظريات الفيزيائية الرياضية التي حاولت البرهنة رياضيا على أن العشوائية الظاهرة لحركة الأجسام لا تسير بطريقة عفوية ولكنها تخضع لنظام خفيا ومن ثم تسعى لرد الفوضى الحادثة والعشوائية الظاهرة لنظام أو نسق يستطيع كتشف العلاقات بين الأحداث أو الحركة بين العناصر بما يمكنه تقديم تفسير منطقي أو تفسير يتصف بالوحدة و الاتساق؛ بعبارة أخرى: إن الحركات التي تبدو عشوائية ما هي إلا حركات منتظمة تسير في مسارات محددة ومنظمة. وهذا ما تسعى لتقديمه نظرية الفوضى بمحاولتها الوصول والكشف عن النظام غير الظاهر والمرئي للعيان وتسعى لوضع قواعد لدراسة الظواهر والأحداث والحركات في ضوء هذه القواعد.

وهنا نعود مرة أخرى  إلى فكرة النسق والانسجام بين عناصر النسق أو البناء الفكري للظواهر أو الأحداث التي تبدو ظاهريا عشوائية و غير منتظمة. فقد سعت نظرية الفوضى لتقديم حساب للنظرية في صيغة معادلات رياضية. منها على سبيل المثال معادلة روبرت ماي , R. May xn+1=rxn(1-xn)  والتي عرفت بالخريطة اللوجستية لماي. حيث إنN تشير إلى الأعداد  الطبيعية 2,1,0,……..   فمعادلة ماي تصف عملية الدوران عبر الزمان حيث إنxt+1   تشير لمستوى كميةX  في الفترة الزمنية التالية وهى تعتمد على المتغيرxt كما يوجد  في الوقت الحالي , بينما المتغيرK  يمثل ثابتا تم اختياره.

وللحصول على قيمK ففي هذه الحالة تظهر لنا الخريطة سلوكا فوضويا. فلو أننا بدأنا بقيمة ماX  فإن العملية ستدور في اتجاه واحد ولكن لو بدأنا بقيمة أخرىX حتى ولو كانت قريبة جدا من القيمة الأولى, فان العملية ستدور في اتجاه آخر مختلف بصورة كلية.  لقد سعت نظرية الفوضى لطرح مجموعة من المعادلات الرياضية التي  لديها القدرة لتفسير الظواهر والتنبؤ بها في مجالات عديدة في سوق المال , الإدارة واتخاذ القرار, الطقس وغيرها من الظواهر……. ولعل أهم الظواهر التي طرحتها نظرية الفوضى ما عرف اصطلاحيا باسم” أثر الفراشة” the Butterfly effect والتي تنص “على أن رفة جناح فراشة في مكان في العالم وليكن الصين قد يسبب في حدوث إعصار في مكان آخر بعيد عنه”.  بعبارة أخرى, إن الفروق الصغيرة في نظام متحرك- ديناميكي قد ينتج عنها فروقات كبيرة وغير متوقعة على المدى البعيد. وقد يبدو أن الأمر فيه نوع من المبالغة واللامعقولية, ولكن عندما تتعامل مع هذه الظاهرة ستجد أن ثمة معقولية و نسقا منطقيا يقف وراء هذا الفهم.  فرفرفة جناح الفراشة ينتج عنه ذبذبات حتى ولو كانت خفيفة ينتقل أثرها بسبب الموجات وتتضاعف هذه الذبذبات فتؤدي لحدوث كوارث أخرى. فرمى حجر في مياه المحيط في نقاط مختلفة ومتباعدة – لا يبدو أن هناك صلة أو ارتباطا بين هذه الحالات- قد ينتج عنه موجات تنتقل آثارها إلى التأثير على سقوط  جبل جليدي في القارة الشمالية على المدى البعيد.

من هنا يمكننا فهم السلوكيات المتعلقة باندلاع النيران في إحدى الغابات في أمريكا, واشتعال بركان في اليابان, مع إشعال قطعة حطب في الخليج, مع غيرها من الأحداث البسيطة الأخرى التي تحدث يوميا  في أماكن متفرقة على سطح الكرة الأرضية, قد يؤدى لتفسير ظاهرة الاحتباس الحراريGlobal Warming. كذلك يمكن فهم الأحداث الاقتصادية التي قد تبدو عشوائية فارتفاع الأسهم المالية و انخفاضها والأزمة الاقتصادية الأمريكية عام 2008 وانهيار سوق العقارات تباعا في أوروبا واسيا و الشرق الأوسط والدول النامية يمكن أن يعاد فهم وتأويل هذه الأحداث المتباعدة في ضوء النسق الذي  يقدم علاقات يمكنها ربط هذه الأحداث وتقديم تفسيرا عقلانيا متناغما ومتسقا مع طبيعة النسق ومبادئه أو مقولاته النظرية.

وهنا نجد أنفسنا مرة أخرى مدفوعين إلى الاعتماد على النسق الفلسفي باعتباره بناءً يفسر العلاقات بين الأجزاء. و سنجد أن تفسير الأحداث المتفرقة والمتباعدة العشوائية قابل للتفسير بطريقة كلية و منطقية  وتتصف بالانسجام و التناغم. وفى إطار هذا الفهم, يمكننا تقديم نظرية الفوضى الخلاقةCreative Chaos التي طرح فلسفتهاJ. Briggs جون برجيز وF. David Peatديفيد بيت في كتابهما المرآة المضطربة “Turbulent Mirror” واللذان يؤكدان فيه على فكرة المنظور أو النسق الذي يرى المرء من خلاله الأحداث, فما يبدو عشوائيا يمكن أن يعاد تأويله إذا ما تناولنا الأحداث من منظور أو نسق جديد. ” لو انك بداخل شيئا ما و ليكن الذرة, فإنك سترى فقط الإلكترونات تدور حولك بطريقة عشوائية. ولكنك لو تحركت خارج الذرة فسترى تلك الإلكترونات تتحرك مع نمط حول الذرة. ولو أنك رفعت رأسك عاليا قليلا فسترى أن الذرات ما هي إلا حجر بناء لبناءات أكبر يطلق عليها جزئيات.

يرتبط بهذا الفهم المفهوم الذي طرحه جوزيف شومبيترJosep Schumpeter في كتابه الرأسمالية, الاشتراكية والديمقراطية 1942 الذي يعد من المفاهيم التي تشكل الفلسفة التي تستند عليها تطبيقات نظريات الفوضى في مجال الاقتصاد, وهو المصطلح الذي أطلق عليه التدمير الإبداعي “Creative Destruction”  القائل: إن في عملية التبادل الصناعي المستمر يقوم البناء الاقتصادي بتدمير مستمر للبناء الاقتصادي القديم وخلق نظام جديد تحدث فيه بناءات إبداعية جديدة على المدى البعيد. فهذه البناءات يرتبط بها مجموعة من العناصر الجديدة في ترتيب جديد. فعملية الهدم تتضمن في جوهرها عملية إبداع. يتماشى مع هذا الفهم ما عرف في الأدبيات السياسية بالفوضى الخلاقة Creative Chaos وهى نظرية سياسية تقوم على تصورات نظرية مفادها أن عملية التغيير تتضمن خلق بؤر صراع وأحداث فوضى تقود لسلسلة من الأعمال العشوائية والفوضوية . وقد يبدو للمرء أن هذه السلسلة من الأحداث تتم بطريقة عفوية تلقائية تخلو من النظام وتتصف باللامعقولية ولكن في حقيقة الأمر هذه الأحداث والأفعال العشوائية إذا ما تم وضعها في نسق فإنه يعطى لها معنا جديداُ وتفسيرا جديداُ يتصف بالمنطقية  ويكسب هذه الأفعال صفات التنظيم, والمعقولية. وإذا ما حاولنا إيجاد تطبيق عملي لهذا المقال علينا أن نطرح هذا السؤال الأخير هل الربيع العربي  حقا سلسلة من الأحداث والأفعال الثورية العشوائية  الارتجالية- لا تنطوي على نسق أو نظام- هدفت إلى أحداث  تغييرات سياسية واجتماعية أم أنها مجموعة من الأحداث المنظمة المعقولة التي يمكن أن ترد إلى النسق الكلي والبناء العقلاني؟

0 1777 24 ديسمبر, 2017 مقالات, ملفات الفلق ديسمبر 24, 2017