العلاقة بين الفلسفة والأدب

لـ

ارتبطت الفلسفة  ومازالت ترتبط بمجالات  فكرية متعددة  من  ضمنها مجال الأدب. رغم  الاختلاف الكبير بين المجالين من حيث اللغة والهدف ومجال الرؤى هناك سمات مشتركة تجمع بين هذين العالمين أهمها  البحث عن الوجود وماهيته، والذات وسبر أغوارها، وفي مدى ارتباطها بالكون وبأحداث عصرها المتغير.

لقد  برزت مفاهيم  عميقة تدرس علاقة الفن والفلسفة والمجتمع و تحاول الربط بين التجربة  الأدبية الإبداعية والفلسفة كمجالين معرفيين بامتياز. إن إشكالية العلاقة بين هذين المجالين المعرفيين قديمة قدم بدايات التفكير الإنساني وإدراك الفكر قضايا الوعي بالذات والعالم . الفلسفة باعتبارها بحثا عن الحقيقة تتوسل باللغة والأدب يبني عالمه على اللغة أيضا. فاللغة هي القاسم المشترك بين المجالين  ولكن ليست اللغة فقط وإنما هناك علاقة أخرى تجمع بينهما وهي علاقة معرفية فما تتوصل إليه الفلسفة يجسّده الأدب بأجناسه المختلفة من شعر وقصة ورواية ومسرح، وسنتتبع العلاقة الرابطة بينهما وسأختصر على مجال المسرح كجنس  من الأجناس الأدبية  الأولى التي جسّدت الرؤى الفلسفية .

تعود فكرة التضاد بين الفلسفة والأدب إلى عهد الإغريق حيث رفض الفيلسوف أفلاطون  وجود الفن والشعر والشعراء في مدينته  بحجة أن الفن عموما والشعر خصوصا  يقومان على مفهوم المحاكاة واتخذ مفهوم المحاكاة مفهوما دونيا لأنه يحاكي العالم الحسّي والشعر عنده إيهام بالحقيقة، بينما الفلسفة ترتبط بالعلم أي بالحقيقة[1]. فأخذ مفهوم الأدب مفهوما دونيا قياسا على هذا المفهوم الذي بقي تأثيره في الفكر الإنساني لفترة زمنية طويلة.

من جهة أخرى رأى الفلاسفة المسلمون الشعر وسيلة من وسائل توصيل رؤاهم الفلسفية عبر القوالب الشعرية فأخذ المنظور إلى الشعر وجهة مختلفة  حيث وظفوا الأفكار والرؤى الفلسفية،  فالجاحظ  مثلا كان يعرض أفكار المعتزلة في قالب شعري ولقب أبو حيان التوحيدي بأديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء واشتهر أبو العتاهية  في شعره بإثارة  قضايا فلسفية عميقة منها قوله:

لكل شيء معدن وجوهر         وأوسط وأصغر وأكبر

وكل شيء لاحق بجوهره        أصغره متصل بأكبره

من لك بالمحض؟ وكل ممتزج  وساوس في الفكر منك تعتلج

لكل إنسان طبيعتان خير     وشر وهما ضدان[2]

تأثر الأدب بالرؤى الفلسفية  على مرّ العصور كما استعمل الفلاسفة بعض الأجناس الأدبية للتعبير عن نظرياتهم الفلسفية كما تمثل في  محاورات سقراط  مع تلاميذه وفي غيره من الأعمال الفلسفية التي اتخذت من الأجناس الأدبية حقلها المعرفي .

وقدم كثير من المفكرين الفلاسفة  مفاهيمهم الفلسفية في أسلوب ممزوج  بين أسلوب السرد واللغة الشاعرية خاصة في فلسفة ما بعد الحداثة التي اعتنت بالأدب بصورة خاصة، ذلك أنها فلسفة قامت على الانتفاض على كثير من المعايير العقلانية الصارمة التي يوليها المنهج الفلسفي اهتماما خاصا، ومثال على ذلك فردريك نيتشه الذي قدم فلسفته بصورة سرد روائي في عمله العظيم “هكذا تكلم زرادشت” وجان بول سارترفي رواية  “الغثيان ” التي ترجمها إلى العربية سهيل إدريس . وذهب الروائي التشيكي “ميلان كونديرا” إلى أبعد من ذلك في دراسته حول أهمية الرواية في قيامها بمعالجة الجوانب الفلسفية لوجود الإنسان في كتابه المعنون ب “ثلاثية حول الرواية: فن الرواية” فقد درس بعمق العلاقة بين الرواية والفلسفة لا من حيث الأسلوب بل من حيث الوظيفة. ينطلق كونديرا في كلامه عن الرواية من مقولات فلسفية وتاريخية تبدأ مع هوسرل وديكارت في الفلسفة ومع سرفانتس ورتشاردسون، وتولستوي، وجيمس جويس في الرواية .

تقوم هذه المقولات على أن الفلسفة المنبثقة من الفلسفة اليونانية والتي طوّرها الفلاسفة تنظر إلى العالم في مجموعه بصفته مشكلة يحب حلّها عبر تعميق المعرفة التقنية والرياضية بها، متناسية العالم المحسوس للحياة، والواقع أن الفلسفة والعلوم على ما يقول كونديرا قد نسيت كينونة الإنسان؛ فالرواية ابتداء من سرفانتس سعت إلى سبر كيان هذا الكائن المنسي وقد اكتشفت الرواية عبر أربعة قرون من تاريخ أوروبا مختلف جوانب الوجود.[3]

العلاقة بين الفلسفة والمسرح

إن العلاقة التي تربط بين المسرح كجنس أدبي والفلسفة تتميز بنوع من التداخل والتبادل وتأكيدا لهذه العلاقة، سنناقش كيف تأثر كتاب المسرح  كمجال من أهم مجالات الأدب بالفلسفة والنظريات الفلسفية مثل الفلسفة  الوجودية وفلسفة العبث وانتقل هذا التأثير من المسرح الغربي إلى المسرح العربي . إن المسرح إنتاج مركب فهو لغوي ومعرفي وأدبي وتقني زاخر بالثيمات والمواقف التي تشكل المنظور الفلسفي، بحيث يصعب أن يوضع الحد الفاصل  تماما بينهما، بل تتفاعل كل هذه المعطيات معا لإنتاج البعد الفلسفي والجمالي للعمل.

منذ القديم كان المسرح مجالا واسع الغنى  فمسرح سقراط يضمن حواراته رؤيته الفلسفية داخل فضاء معين ومن داخل النتاج المسرحي يتجسد التفكير الفلسفي بلغة وجماليات تكسبه وضوحا جماليا ويحول الأفكار التجريدية إلى أفكار  أسهل استيعابا . كان المسرح العربي ولا يزال متأثرا بالمسرح الغربي وينهل من الفلسفات التي أثرت فيه وأثرته برؤيات متعددة ، وقد تجاوز النقل والتقليد إلى الابتكار وخلق التجارب الجديدة، ودفع بالمسرحيين إلى تكثيف الجهد من أجل إنجاح عملية الانتقاء التي تتناسب مع عملية التواصل مع الجمهور العربي الذي يختلف وعيه الجمالي وذائقته عن الجمهور الغربي الذي فيه نشأت هذه النظريات الفلسفية وتشربها وتوافقت معه. وانتشر المسرح كمعطى ثقافي ليجسد كل الأبعاد المعرفية وانتقلت الأفكار الفلسفية ومعاناة الوجود من الغرب إلى المسرح العربي واكتست ملامح جديدة في بعض الأعمال المسرحية رغم أن انتقال هذه الأفكار ليست بالأمر السهل بسبب أنها تنتمي لظروف مجتمعية مختلفة في صدورها وظروف مختلفة عن ظروفنا في الوطن العربي .

يقدم المفكر إدوارد سعيد إطارا لحركة نقل النظريات والأفكار وتداولها في دراسته القيمة “عندما تسافر النظرية” وهو إطار مكوّن من أربع مراحل يمكن تلخيصها كالتالي: أولا: مجموعة الظروف الأصلية التي رافقت ميلاد فكرة ودخولها ميدان الخطاب. وثانيا المسافة المقطوعة أو الممرّ الذي تجتازه الفكرة عبر ضغط السياقات المختلفة خلال انتقالها من نقطة معيّنة إلى زمان ومكان تصبح فيهما واضحة البروز، وثالثا  شروط القبول وأشكال المقاومة في البيئة الجديدة ، وأخيرا تغيير الفكرة المكيّفة أو المدمجة جزئيا أو كليا وفق استعمالاتها الجديدة وموقعها الجديد في مكان وزمان جديدين”[4]

ونجد عديد الأعمال المسرحية التي آثرت المسرح بتبنيها هذه المفاهيم وتجسيدها في أعمال خالدة برزت لإثراء البعد المعرفي والجمالي للمسر ح العربي. إذ يؤكد محمد مصطفى القباج في دراسته حول موضوع تداخل القضايا الفلسفية في الأعمال المسرحية حيث يقول: “أكدت الأبحاث والمتابعات النقدية للنصوص والأعمال المسرحية الحداثية (بريشت- أونسكو- بيكيت…الخ) أن القضايا التي تطرحها هي من عمق الاهتمامات الفلسفية، وعلى الخصوص إشكالية اللغة وأزمة الجماليات التي تسببت في ميلاد ما أصبح يطلق عليه المسرح المضاد (Anti-théâtre)  وإشكالية الصراع بين الأنا والآخر في منحاها الفلسفي.”[5]

صرّح برشت بأن “المسرح حقل نشاط لأولئك الذين يسعون ليس فقط إلى توضيح العالم ولكن إلى تغييره”[6] في ضوء تطور الفكر الإنساني، واتساع آفاق المعرفة فلا ريب أن سمات مشتركة تجمع بين هذين العالمين، أهمها  البحث عن ماهية الوجود وسبر أغوار الذات وفي مدى ارتباطها بأحداث عصرها المتغير.

وعلى الرغم من صعوبة انتقال  النظريات والأفكار الفلسفية  فقد غامر كتاب المسرح بالتفاعل مع الإبداعات الفلسفية  الغربية، وحاولوا تقديمها في بيئة غريبة عنها، وأهم تلك النظريات الفلسفة الوجودية والفلسفة الاشتراكية، فالمسرح ليس مجرد  فرجة وترفيه  وإنما هو بالأساس فلسفة، فلسفة لتفسير العالم ، ومحاولة تجميله  وتغييره. ويعلق عبد الكريم برشيد على فلسفة برشت بالتأكيد على أن”المسرح ليس فرجة فقط، وإنما هو بالأساس فلسفة، فلسفة لتفسير العالم أولا، ولتغييره ثانيا”. وتفسير العالم وتغييره، مهمتان صعبتان بلا شك، الشيء الذي يكشف عن خطورة هذا الفن الذي يسمى المسرح.

تمكنت الفلسفة من أن تحفز المسرحي العربي على أن يجد ذاته من خلال التفاعل مع الآخر، وأن يضع أسسا لفلسفة المسرح العربي؛ لأن التفاعل العلمي والثقافي والفكري لا يمكنه التطور والازدهار في عالم منغلق  على ذاته .تقول رجاء البيومي في دراستها عن دور الفلسفة في تفعيل الاستيعاب العربي للمسرح الغربي انه “بحكم أن البعد الفلسفي كان حاضرا بقوة في الإبداعات المسرحية، بل أن المسرح كانت له القدرة على جس نبض المتلقي مع تلك الفلسفات، فإن عملية التواصل بين النص، والمنصة ،وقاعة العرض أسست لفلسفة التواصل المسرحي الحر.  ومن بين مظاهر هذا التفاعل المسرحي ،  ما ورد في مقولة إسماعيل بن أصفية التي تضعنا أمام صورة تفاعل المتلقي العربي مع المسرح البريشتي، وتحديدا النقاد ، إذ يرى بأن نقاد المسرح العربي الذين تجلت في كتاباتهم تلك المقاييس النقدية المستمدة من آراء بريخت ونظريته، مثلوا ظاهرة تلقي الخطاب البريختي في النقد المسرحي[7]

إن التفاعل الثقافي والفلسفي هو تحفيز لتطوير خلق منظورات  تساير إيقاع التطور الذي تعرفه الإنسانية لبناء تواصل إيجابي مثمر. ويسهم في خلق رؤى متجددة في الفكر العربي الذي هو جزء لا يتجزأ من الفكر الإنساني، وظهور مثل هذه الفلسفات والعلوم والنظريات الجديدة كان له أثر كبير في تغيير  الموروثات ولا شك أن هذه التحولات الكبيرة في الأساليب الأدبية التي نهلت من المنظور الفلسفي قد ساعد على رفع القيم الجمالية للمسرح الحديث من جانب، وإثراء الثقافة المعرفية على المستوى الإنساني من جانب آخر، في ترجمة وتجسيد المفاهيم النظرية للفلسفة الحديثة  بأطر جمالية جديدة  لتمكين الدراما من تحقيق وظيفتها كنشاط معرفي .

إن النص المسرحي أحد أهم العناصر المكونة لعملية الإبداع المسرحي يكشف لنا عن توجهات الكاتب التي ينطلق منها النص ليؤسس رؤية بانورامية لمشهد ثقافي معين ويجسد أطروحته الفلسفية والأدبية معا والمرحلة الزمنية التي يعيشها كما يجسد الرؤيا الفلسفية الإخراج المسرحي الذي يعتبر المجسد لرؤية النص المسرحي فيشترك المخرج والمؤلف في تجسيد المنظور الفلسفي للنص يقول الدكتور أحمد طولة في كتابه المسرح والفلسفة[8] إن الإخراج كتابة صورية داخل الفضاء فهو حوار حسي، حوار مع النص الأدبي وحوار ينتهي في الأخير بإعطاء تركيبات إبداعية فيها شيء آخر من الصياغة والصناعة وهو حوار مع الممثل وحوار مع المتلقي فهو شرط العرض المسرحي ووجوده بالفعل فالمخرج مركب للنص لا مجرد مفسر بصري لبنائه وحواره وحركة الشخوص ضمن الحيز الأدبي، إنه جهد استقرائي فالمخرج المسرحي يبدع صورة كلية لا تترجم الحوار إلى فعل حركي انتقالي، بل يقوم بعملية كيميائية شاملة لخلق الخطاب المسرحي فالمرور من الأدب إلى المسرح هو عملية فضائية تسبح في المخيلة حيث يكون لفاعلية الخيال دور في الرسم والبناء الصوري الذي يشغل المساحة الخالية لا بوصفها ساحة للعب بل حيز تتكثف فيه صور العرض كقيم درامية تقود إلى بنية وجوهر الصورة باعتبارها علامة تحول ودلالة تتغير في ضوء البعد الفلسفي والجمالي للعرض المسرحي.

نخلص إلى القول إن العلاقة مركبة ووطيدة بين الفلسفة والأدب وان تناولنا في هذه القراءة السريعة علاقة المسرح بالفلسفة كجنس من أجناس الأدب التي تمظهرت فيه الرؤى الفلسفية وتداخلت حتى أصبح هذا الجنس مجسدا للفلسفة وامتدادا لآفاقها المعرفية  ومدى تأثر المسرح العربي بهذه النظريات حيث يتحقق جملة من الأهداف من أهمها  المتعة الجمالية والمتعة المعرفية على المستوى الكوني. وتمددت وظيفة الأدب لتكون مجالا لخلق آفاق فلسفية أضفت للفلسفة أبعادا جديدة وطرقت فضاءات واسعة اضافت مفاهيم إنسانية تمتزج بالمتعة وإثارة التفكير.

 

 

 

____________________________________

[1]أفلاطون: الجمهورية. ترجمة فؤاد زكريا ،الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، سنة 1985،ص:  534 .

[2]سعدية أحمد مصطفى.البقاء والفناء في  شعر أبوالعتاهية . دارالمنهل، عمان، سنة 2011 .ص 52 .

[3]ميلان،كونديرا.ثلاثية حول الرواية. ترجمة،بدر الدين عرودكي. المركز القومي للترجمة ، القاهرة، سنة  2007.

[4]إدوارد، سعيد. عندما تسافر النظرية. ترجمة :مصطفى سعيد. مجلة الحكمة، المغرب، يوليو 1986، ع 2 ، ص 139-140.نقلا عن محمد احمد اليانكي. قراءة التفكيك في الفكر النقدي العربي. المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت،سنة 2005، ص :55.

[5]محمد مصطفى القباج. من قضايا الإبداع المسرحي، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء،الطبعة الأولى، سنة  2000، ص25.

[6]عبد الكريم برشيد . الأزمة في المسرح المغربي أساسية أم انعكاسية. مجلة البعث الثقافية، الطبعة الوطنية ،العدد الثاني، أكتوبر 1980 ص: 7..

[7] “. دور الفلسفة في تفعيل الاستيعاب العربي للمسرح الغربي”رجاء اليرومي. مجلة نزوى. تاريخ النشر أول اكتوبر2009

احمد، طولة. المسرح والفلسفة ،المطبعة والوراقة الوطنية، مراكش،2012 عن الرابط بتاريخ 24 يوليو 2017http://www.maghress.com/azilal/100317 22[8]

0 4300 24 ديسمبر, 2017 آفاق فلسفية, مقالات ديسمبر 24, 2017