” الكرامة ” قيمة لا تقبل القسمة

لـ

   ما هي قيمة الإنسان إذا فقد الإحساس بذاته؟ إذا تملكته فكرة أنه مهمل ولا يعامل بهيئته المادية أو فضائه الثقافي على نحو لائق ومحترم؟ إذا أسرته مشاعر الاغتراب والتهميش طوال تجربته في الحياة؟ ألا يتساوى عند امتلاء كأسه بقطرات اللامبالاة أن الوجود وعدمه هما على نفس الدرجة من الأهمية؟ ما الذي يعنيه تراكم هذه القيم السلبية في الفرد – أو المجموع على هيئة  شعب أو أمة –  وشعوره المُمَض أنه لم يعاين في حياته لحظة عزة أو انتصار مادي أو معنوي؟ إنه باختصار العنوان الأكبر لفشل التجربة عن استيعاب أو إدراك المعنى الأعلى لحكمة الوجود والغاية الأسمى منه. إنه الخسران الإنساني المبين في استيعاب الهيئة الأمثل  لما ينبغي أن يكون عليه الحال والتنكّب عن مقاصد الوجود كما أعلن عنها الخالق ” ولقد كرمنا بني آدم “.

فأبناء آدم، وابتداء من لحظات ولوجهم مجالات الوعي والإدراك، لم يتمثلوا هذه القيمة والدعوة السماوية حق التمثل، وأخذت الأنا الإنسانية المتطلعة للسمو والأعالي تصارع الأنا العنيدة، الأولى يدفعها شغف الارتقاء، والأخرى  تشدها وساوس الانتكاس وأن تخلد إلى هيئة السيرة الأولى للتجربة.

على أي مستوى نريد بحث المسألة؟ على المستوى الشخصي وعلاقة الأفراد مع بعضهم؟ سجل تاريخ البشرية حافل بأبشع الممارسات وأفظعها في امتهان كرامة مواطنيهم، ولعل “حظر المساس” من أبرزها وأكثرها ظهورا ونفورا على السطح. أن تقصي فئة أو مجموعة فئة موازية في مجتمع واحد لاعتقاد أي كانت مبرراته يقضي أن هذه الفئة الموازية غير جديرة ليس للتعامل معها فحسب، بل وحتى مسها أو النظر إليها، لا لشيء إلا لأنها تمتهن وظائف متواضعة، أو تنحدر من أصول بسيطة، وفي بعض التجارب تتسع القائمة لتشمل حتى المصابين بمرض معد، كل هؤلاء وسواهم مدرجون بقائمة العرف الاجتماعي بحظر التواصل معهم، لأي سبب وتحت أية ذريعة. ولم يكن لهذا التفسير أو الموقف المشبع بازدراء الأقل حظا، والإصرار على استقرار فكرة تقضي بتفاهة وجود جماعات بأكملها، ما كان له أن يكتمل لولا أن الجانب المتعالي عبأ بداخله أفكارا متطرفة وشاذة لدرجة الامتلاء باعتباره الوحيد الجدير بالاحترام والتوقير، وأنه الخليق بالطهارة وإشراقة العقل والروح، وأن مصيره ومآله الدنيوي والأخروي قد حسم لصالحه. هذه الفكرة عاينتها مختلف الحضارات والثقافات تقريبا بوجه من الوجوه، غير أن زخمها الحقيقي نجده في تاريخ أوروبا القديم وأمريكا الشمالية في صراعها العرقي بين البيض والزنوج وفي ثقافات آسيوية متعددة، والى اليوم هناك جماعات ليست بالقليلة يطلق عليها داخل مناطق في الهند ” المنبوذون”، ويعاملوا وفقا لهذا الاعتبار. إن منبع الشرور في هذا السلوك اللإنساني يكمن في انسياق أفراد أو جماعات أو أمة وراء وهم الخيرية.

 

أم يكون البحث على مستوى علاقة الهيئات والمؤسسات ممثلة بالدولة مع شعبها؟ وفي هذا البعد تبرز نماذج عدة، يأخذ بعضها صفة القانون أو هيئة العرف. والمثال المروع في هذا السياق نجده فيما عرف بـ “حق السيد” أو “حق الليلة الأولى”. وهو عرف أو قانون يعطي للزعيم أو الملك أو رجل الدين أو الإقطاعي حق إمضاء ليلة الزواج الأولى مع الفتاة العذراء قبل أن تزف إلى عريسها في الليلة التالية. كان هذا السلوك متعارفا عليه بأمريكا الجنوبية على نحو واسع، وهناك تفسيرات بعضها ديني وآخر نفسي لتبريره. غير أن هذا السلوك كان يأخذ صفة معنى الإذلال والقهر لمجموعات تتبنى موقفا سياسيا معارضا للسياسة أو الحاكم، دلالة هذا السلوك نجده في إقراره واعتماده من قبل ملك بريطانيا، وإنابة نبلاء وإقطاعيي الأراضي للقيام بهذا العمل اللا- أخلاقي والمهين عقابا للاسكتلنديين المتطلعين بجدية وبطولة فائقة بهدف الاستقلال  عن لندن.

وماذا عن مكانة الكرامة في علاقات الدول؟ معلوم أن المبدأ الأساسي الذي حكم تاريخية هذه العلاقة هو سوء النية في الجار وحسن النية في النفس، ورافق تضخم الفكرة المفترضة تضخم في التحضير للحرب والإعداد لها، وتسابق الجميع في مضمار التسلح بذريعة الدفاع عن النفس. وبعد تضخم القوة التي كانت دفاعية بالأساس، بدأت قوى “الخير” بالبحث عن أماكن تفرّغ بها شحنة القوة الفائقة التي تمتلكها،  فتكرست فكرة الحرب. وإذا كانت الأصول النظرية للحروب غير إنسانية ومفزعة، فان تبعاتها والآثار الناجمة عنها تكون عادة أكثر بشاعة وقتامة من الحرب ذاتها. وقد علمنا التاريخ أن صراعات البشر لا تنتهي في الغالب إلا بعد أن يفرغ المنتصر شحنة نظرته المتعالية سيئة الطابع عن الخصم عبر إهدار كرامة الأخير، والظافر لا يكلل بالعز إلا بعد أن يثخن ويمعن في إذلال خصمه، هذه هي دروس التاريخ ودروس الحاضر ماثلة أمامنا.

لن نجد في سجل التاريخ البشري مشاهد كثيرة كالمشهد الذي خاطب به النبي محمد أهل مكة بعد دخولها فاتحا ووقوفه مواجهة مع من أساء إليه وآذاه. في هذه الوقفة انتصرت البطولة الحقيقية مرتين، مرة بالنصر العسكري، وأخرى وهي الأهم عبر هذا  السلوك المتفوق المتعالي عن نوازع الضعف، ومغالبة إغراءات الثأر وإشفاء الصدر، وأبدل مكان هذه النوازع الضعيفة صيغة حافظت للمهزوم احترامه وتقديره، قررتها عبارة ” اذهبوا فأنتم الطلقاء”.

   تاريخنا الحديث كما في التاريخ القديم، مليء بمشهديات  لحظات إهدار كرامة الخصم، وغالبية هذه اللحظات حدثت عقب صراعات وحروب دامية. غير أن الحدث الذي استوقف المفكرين والفلاسفة وعلماء الأنثربولوجيا على نحو واضح، الأسلوب الذي تعاملت به قوات الحلفاء بعد هزيمة الألمان في الحربين العالمية الأولى والثانية، وكان قرار المنتصر يقضي بإذلال ألمانيا كلها. في الأولى قضت معاهدة فرساي أقسى القرارات حتى أطلق على هذه المعاهدة معاهدة الإذلال أو التركيع، وكان هذا الإذلال سببا في ومضة شرارة تحولت إلى لهيب ابتلع أوروبا كلها في حرب عالمية ثانية. وإثر هذه التجربة المريرة أهدى الفلاسفة إلى القادة والزعماء المولعون بالقتال وإشعال الحروب حكة إنسانية تقول:” لا تهدر كرامة عدوك”.

من حيث المبدأ فإن للإنسان المعاصر ذات الحساسية بتجارب تغييب الاحترام أو إهدار الكرامة،  إلا أن هناك تباينا واضحا  في تحديد ما يعتبر تعديا أو مسا سيئا بكرامة الفرد أو المجموع، ومرجع هذا التباين الأطر الثقافية الناظمة للمجتمعات. فخوض تجربة نقاشية مع شخص يتبنى ثقافة تعددية بأفق معرفي منفتح، آت من وسط ألف الحوار واعتاد التباين في الأفكار، لن ينظر هو ذاته إلى أي خلاف فكري باعتباره مدخلا يمكن أن يتسلل من خلاله الطرف المقابل للنيل من شخصه أو تصغير مكانته، بالقطع لن ينظر إلى المسألة الحوارية على هذا النحو طالما أن الشكل الخارجي للعملية ملتزم بقواعد وأصول الاختلاف، أما المضمون فمجاله مفتوح ولا قيد عليه. حال هذا الشخص الواثقة هو غير من ارتبط بتفسيرات واجتهادات ورثها عن أجيال تناقلت بدورها ذات التفسيرات والآراء لرموز معرفية محددة عبر رحلة زمنية دامت قرونا عديدة، والى اليوم تعامل هذه الأفكار باعتبارها اجتهادات وتفسيرات نضرة وابنة زمانها. من الطبيعي في ظل هذا التباين أن تكون لدى الآخر حساسية مفرطة تجاه أي نقد أو محاولة إعادة تفسير للجهد البشري الذي رفعه ليبلغ درجة التقديس، جهازه العصبي لا يحتمل مثل هكذا مغامرة، وعليه تغدو أي محاولة ناقدة أو حتى الدعوة بإعادة التفسير شكلا من أشكال الاستهانة وعدم الاحترام، ليس للفكرة فحسب وإنما لذاته أيضا.

يرى النموذج الأول، على المستوى الفردي أو الجمعي، إخلاف موعد أو تأخير في لقاء جرى الإعداد له مسبقا، مسألة تمس الكرامة بالصميم، وأن التأخير أو التغيب دونما مبرر مقنع إنما يعكس حالة من  الاستهانة وعدم التوقير لقيمة الوقت  وكذا لشخصه . فيما لا يأخذ النموذج الثاني المسألة بالجدية ذاتها وتأثره أو حتى وعيه أن هناك مشكلة أصلا يكاد يكون معدوما ، فليس للوقت رغم كل التنظير الذي يحف به كثير توقير وأهمية.

النموذج الأول يعتبر أي خرق أو تعد على قواعد العقد الاجتماعي بين المواطن والدولة في أي مسألة من المسائل العامة المرتبطة بالحريات أو الممارسة الديمقراطية أو قصص الفساد، مسألة تمس العصب والقواعد التي تأسست بموجبها دولته وعلاقته بها، وعليه فإنه يعتبر أيا من المخالفات شكلا من أشكال نقض العهد والإهانة المباشرة بحقه كمواطن. النموذج الثاني لا تستوقفه بصورة جدية مثل  هذه  الخروقات لأسباب منها أنه لم يبلغ مرحلة التعاقد والتراضي بينه وبين دولته على الأسس والقواعد الحاكمة، كما أن تجربته الممتدة من التغييب والتهميش، لم تعمق بداخله الإحساس بالمواطنة بصورتها الحقيقية، ليترسخ في نفسه مفهوم أنه خادم للدولة، بدل أن تعمل الأخيرة على  خدمته. لا تستوقفه علامات الفشل بقدر اعتياده عليها.

النموذج الأول يرى في الهزيمة التي أصابته حافزا لاستعادة مكامن القوة الكامنة فيه على أي نحو من الأنحاء، يتجرع هزيمته وبعثرت كبرياءه لفترة. يرى نجمه وهو آخذ بالأفول وضياءه يخفت بريقه، لكن تبقى في الروح شرارة وضاءة معاندة، فلا تلبث شمسه بالظهور والسطوع من جديد. فيما يتعامل النقيض مع النتيجة ذاتها بإنكارها أصلا، وإطلاق جملة من الشعارات كي يتجنب اللفظ الحقيقي والواقعي للتجربة باعتبارها هزيمة، فيسميها نكبة أو انتكاسة، ينظر إلى هزيمته باعتبارها واحدة من كوارث الطبيعة التي لا قبل له بمقاومتها، وأحيانا أخرى يتهرب من مسؤوليته من خلال التبرير وتوزيع التهم والمسؤوليات على الجميع، إلا على نفسه. هذا النموذج لم تصقل بداخله مرارة التجربة وضآلة حضوره أحاسيس ومشاعر العزة الحقيقية كي ينهض من جديد.

إنهما بالفعل عالمان مختلفان في فهمه لمعنى قيمة أخلاقية واحدة، عالم يجسد على نحو حقيقي وعميق معاني الكرامة، باعتبارها قيمة إنسانية عليا لا تقبل القسمة، تتلخص فيها معاني الحرية والإرادة الحرة والذات المستقلة والتزام بالقانون، وعالم مقابل لم يتجاوز سقف إدراكه أكثر من   تعبيرات وادعاءات زائفة، وقابلية القيمة السامية للقسمة والمساومة، عالم تسود فيه روح الأنانية وغيبة الوعي، فيما يبقى أبرز معالمه الاستبداد وهلامية الإطار القانوني.

0 528 24 ديسمبر, 2017 آفاق فلسفية, مقالات ديسمبر 24, 2017