نعوم تشومسكي : حول ترمب وحالة الإتحاد

لـ

حوار أجراه معه جورج يانسي ونشر في النيويورك تايمز بتاريخ 5 يوليو 2017

خلال الأشهر القليلة الماضية، والتي تحولت فيها الاحتمالية المزعجة لوجود “إدارة ترمب” إلى حقيقة مزعجة، قررت التواصل مع نعوم تشومسكي، وهو الفيلسوف الذي قدمت كتاباته وخطاباته ونشاطاته على مدار الخمسين عاماً المنصرمة رؤية لا مثيل لها وتحدٍ للنظام السياسي الأمريكي والعالمي، وهذا الحوار هو عبارة عن سلسلة من رسائل البريد الإلكتروني المتبادلة بيننا خلال الشهرين الماضيين، وعلى الرغم من الانشغال الشديد للبروفيسور تشومسكي، إلا أن الرجل ولفيض كرمه قام بإتمام هذه المقابلة.

البروفيسور تشومسكي هو مؤلف للعديد من الكتابات السياسية والتي احتلت مراراً قائمة الكتب الأكثر مبيعاً، وقد ترجمت إلى العديد من اللغات، ومن بينها كتبه الصادرة مؤخراً مثل كتاب “الهيمنة أو البقاء”،  “الدول الفاشلة” ، “الآمال والآفاق”، “أسياد البشرية”، “من يحكم العالم؟”. تشومسكي هو أستاذ فخري في معهد ماساتشوستس للتكنلوجيا منذ عام 1976.

جورج يانسي

 

جورج يانسي: لو أخذنا في الاعتبار لحظتنا السياسية الراهنة والتي هي لحظة “ما بعد الحقيقة” بالإضافة إلى السلطوية الصاعدة التي نشهدها اليوم تحت إدارة ترمب، فما هو الدور العمومي الذي يمكن أن تلعبه الفلسفة في المعالجة النقدية لهذا الوضع؟

تشومسكي:علينا أن نكون حذرين قليلاً بأن لا نحاول قتل ناموسةً بقنبلةٍ نووية، فالعروض المتعلقة بلحظة “ما بعد الحقيقة” مغرقة في السخافة، ولربما كانت السخرية هي أفضل رد في مواجهتها، فعلى سبيل المثال، لقد كان تعليق ستيفن كولبير[1] الأخير سديد للغاية، فبعد صدور دراسة علمية تتنبأ بارتفاع خطير لمستوى سطح البحر قام مُشرّع ولاية نورث كارولينا بالرد على هذه الدراسة بحظر الولاية أو الوكالات المحلية من تطوير أي لوائح أو خطط مكتوبة تهدف إلى معالجة هذه المشكلة، فقام ستيفن كولبير بالرد قائلاً: “هذا حل عبقري، فإذا كان العلم يعطيك نتائج ليست على مزاجك، يمكنك إصدار قانون يقول بأن النتائج غير قانونية، وهكذا تحل المشكلة”

وبشكل أكثر عمومية، فإن إدارة ترمب تتعامل بنفس الصورة مع مخاطر وجودية حقيقية تهدد بقاء الحياة البشرية المنظمة، من خلال حظر القوانين بل حتى الدراسات والمناقشات المتعلقة بالتهديدات البيئية وما هذا إلا سباق محموم نحو الهاوية (من أجل مصالح قصيرة المدى تتعلق بالقوة والثروة).

جورج يانسي: في هذا الصدد، أجد أن الترامبية هي ظاهرة انتحارية.

تشومسكي: بكل تأكيد، فالسخرية وحدها ليست كافية، فمن الضروري معالجة المخاوف والمعتقدات عند أولئك الذين تم تضليلهم و أولئك الذين لا يدركون كنه هذه القضايا ومدى جوهريتها لأي سبب من الأسباب، فلئن كان استخدامنا لمصطلح “الفلسفة” في هذا الصدد يشير إلى التحليل العقلاني المدروس فإن الفلسفة يمكنها معالجة هذه اللحظة، على أن لا يكون ذلك من خلال مواجهة “الحقائق البديلة”[2] ولكن من خلال تحليل وتوضيح تلك المسائل التي هي على المحك، بغض النظر عن كنه هذه المسألة، وأما ما بعد ذلك، فإن ما نحتاجه هو “الفعل”، الفعل العاجل والمكرس، وعلى كالأصعدة، وهذا الأمر مفتوح لنا.

جورج يانسي: عندما كنت طالباً للفلسفة في مرحلة البكالوريوس في جامعة بيتسبرغ حيث تم تدريبي على التقليد التحليلي، لم يكن واضحاً بالنسبة لي ما الذي يمكن أن تعنيه الفلسفة أكثر من تحليل المفاهيم، إلا أني كنت مأخوذا بالموقف الماركسي القاضي بأن الفلسفة يمكنها تغيير العالم، هل من أفكار حول مدى قدرة الفلسفة على تغيير العالم؟

تشومسكي: إنني لست على يقين ما الذي كان في ذهن ماركس عندما كتب “لقد قام الفلاسفة حتى اللحظة بتفسير العالم بطرق مختلفة، في حين أن المطلوب هو تغييره”، فهل كان يقصد بأن الفلسفة بإمكانها تغيير العالم؟ أم أن الفلاسفة يجب أن يعطوا الأولوية القصوى لمسألة تغيير العالم؟ فإذا كان الخيار الأول، فإني سأفترض بأنه يقصد الفلسفة بالمفهوم الواسع للمصطلح والتي تشمل تحليل النظام الاجتماعي، ولماذا يجب تغييره وآلية هذا التغيير، فبهذا المعنى العام، يمكن للفلسفة أن تلعب دوراً جوهرياً في تغيير العالم، والفلاسفة، بما في ذلك المشتغلين بالتراث التحليلي، قد اضطلعوا بهذه الأمر من خلال أعمالهم الفلسفية ومن خلال نضالهم، و بيرتراند راسل من أبرز الأمثلة في هذا الصدد.

يانسي: بالفعل، لقد كان راسل فيلسوفاً ومثقفاً عاماً. بهذه المسميات/الألقاب، كيف يمكن لك أن تصف نفسك؟

تشومسكي: صراحة لا أهتم بهذا الأمر، فأنا أتعاطى ذلك النوع من الأعمال والأنشطة المهمة والتي تشكل تحديا بالنسبة إليّ، وبعض هذه الأعمال والأنشطة تندرج تحت هذه التوصيفات التي أشرت إليها بمفهومها العام.

 

يانسي: ثمة أوقات تكون فيها حجم المعاناة الإنسانية هائلة لا تطاق، فكيف لشخص مثلك يتحدث باستمرار وبشكل مكثف عن المعاناة في العالم أن يشهد كل هذا ومع ذلك يحتفظ بالقوة لمواصلة المسير؟

تشومسكي: معاينة كل هذه المعاناة بحد ذاتها باعثاً على مواصلة المسير، ولا شئ أكثر إلهاماً من مشاهدة بشرمعدمين يعانون الأمرّين ويعيشون تحت ظروف هي أسوأ بكثير مما يمكننا تحمله، ومع ذلك يواصلون نضالهم الشجاع والمتلزم بكل صمت وإخلاص من أجل العدالة والكرامة.

يانسي: لو طُلب إليك أن تعدد عملين أو ثلاثة من أشكال العمل السياسي الضرورية في ظل إدارة ترمب؟ فبماذا ستوصي؟ إنني أسأل هذا السؤال لأنني أشعر أن لحظتنا الراهنة هي لحظة يائسة وقمعية بشكل لا يصدق.

تشومسكي: لا أرى بأن الأمور قاتمة لهذا الحد، فأنا أنظر إلى النجاح الذي حققته الحملة الانتخابية الخاصة ببيرني ساندرز، فقد كانت السمة الأبرز في انتخابات 2016، وعلى أية حال، لا يعد الأمر مفاجئاً أن يفوز بالانتخابات رجل استعراض ملياردير ومدعوم بشكل واسع النطاق من قبل الإعلام (بما في ذلك قنوات الإعلام الليبرالية المأخوذة في ذلك بتصرفاته الغريبة وعائدات الإعلانات التي تقدمها)، فمترشح كهذا سيحصل بدون شك على ترشيح الحزب الجمهوري المغرق في الرجعية.

ومع هذا، فقد انبجست الحملة الانتخابية لبيرني ساندرز بشكل مثير جداً على مدى قرن من التاريخ السياسي الأمريكي، على الرغم أن العديد من البحوث العلمية، لاسيما عمل توماس فيرغسون، بينت لنا بشكل مقنع أن الانتخابات تم شراؤها، فعلى سبيل المثال، إن معدل الإنفاق في الحملة وحده يعد، وبشكل ملحوظ، مؤشراً جيداً على مدى نجاح الحملة، بالإضافة إلى دعم الشركات الكبيرة ورؤوس الأموال الخاصة، فهي تعد كشرط مسبق وجوهري حتى لمجرد المشاركة في الساحة السياسية. لقد أظهرت لنا حملة ساندرز أن مرشحاً ببرنامج تقدمي إلى حدٍ ما (بشكل الأساسي الصفقة الجديدة[3]) يمكنه الفوز بترشيح الحزب أو حتى الانتخابات، حتى بدون دعم الممولين الرئيسيين أو الدعم الإعلامي، فلقد كان ثمة سبب وجيه يدعونا إلى الافتراض أن ساندرز كان سيحصل على ترشيح الحزب لولا الأحابيل التي قام بها مدراء حزب أوباما-كلينتون، إن ساندرز اليوم وبفارق كبير هو أكثر الشخصيات السياسية شعبية في أمريكا.

إن النشاط السياسي التي ولدته حملة ساندرز قد بدأ فعلاً في إحراز تقدم في السياسة الانتخابية، ففي عهد باراك أوباما انهار الحزب الديمقراطي وهبط إلى المستوى المحلي ومستوى الولايات، إلا أنه من الممكن إعادة بنائه وتحويله إلى قوة تقدمية، وهذا يعني إحياء إرث “الصفقة الجديدة” بل والذهاب إلى أبعد من ذلك، بدلاً من التخلي عن الطبقة العاملة والتحول إلى الديمقراطيين الجدد الكلنتونيين، والذين هم ذاتهم، بصورة أكثر أو أقل، ما يطلق عليهم الجمهوريين المعتدلين، وهي الفئة التي اختفت مع تحول كلا الطرفين إلى اليمين خلال الفترة النيوليبرالية.

إن هذه التطلعات قد لا تكون بعيدة المنال كما يتصور، فبالإمكان تضافر الجهود الرامية إلى تحقيقها وتوجيه النضال بشكل مباشر في لحظتنا الراهنة، والمطلوب بشكل عاجل هو مواجهة الإجراءات التشريعية والتنفيذية التي تتخذها الإدارة الجمهورية والتي غالباً ما تحاك خلف الشخص المسؤول بشكل صوري واسمي فقط.

في الحقيقة، هناك العديد من الوسائل لمقاومة مشروع ترمب القاضي بتشكيل أمريكا صغيرة ومعزولة عن بقية العالم، والتي ترتعد في خوف خلف الجدران في الوقت التي تتبع فيه سياسة بول راين المحلية والتي تمثل الجناح الأكثر وحشية في المؤسسة الجمهورية.

يانسي: برأيك ما هي أخطر قضية تواجهنا؟

تشومسكي: إن أكثر قضيتين تواجهاننا وتشكلان تهديداً وجودياً لنا هما: التغير المناخي، والحرب النووية، ففيما يتعلق بالقضية الأولى، نجد أن قيادة الإدارة الجمهورية في معزل تام عن العالم، وهي متفقة بالإجماع تقريباً على تقويض فرصنا في البقاء الكريم، إني أعلم بأن هذه التعبير قوي جداً ولكنه غير مبالغ فيه إطلاقاً، ثمة الكثير مما يمكن القيام به، سواء على المستوى المحلي أو على مستوى الولايات، لمواجهة هذا المشروع الضار.

أما فيما يتعلق بالحرب النووية، فإن الأوضاع في سوريا أو على الحدود الروسية والتي تحبل بتهديد المواجهة والإصدام قد تكون محفزاً على حرب نووية، فهذا احتمال وارد، وعلاوة على ذلك، فإن سعي ترمب لمواصلة برنامج أوباما في تحديث القوات النووية يشكل خطراً استثنائياً، فكما علمنا مؤخراً فإن القوة الأمريكية النووية الحديثة بدأت فعلياً بنكث الخيط الرفيع الذي عُلّقَ عليه بقاؤنا أحياء، لقد تم مناقشة هذا الأمر بشكل مفصل في مقالة مهمة جداً منشورة في “نشرة علماء الذرة” الصادرة في شهر مارس[4] ، والذي كان ينبغي أن تكون وتستمر في صفحة الأخبار الأولى، وقد لاحظ مؤلفو هذه النشرة، وهم محللين يحظون باحترام كبير، بأن برنامج تحديث الأسلحة النووية يتوسع “إن القوة التدميرية الشاملة لقوات الصواريخ البالستية الأمريكية الحالية تبلغ ثلاثة تقريباً، وهي قادرة على إحداث ما يمكن للمرء تخيله فيما لو قامت دولة نووية بالتخطيط للقتال والفوز في حرب نووية وذلك من خلال نزع سلاح العدو من خلال ضربة أولية مفاجئة…”، إن خطورة هذا الأمر واضحة جداً، فقد يخلص المحللين العسكريين الروس في لحظات الأزمات، والتي يشترك فيها الكثير من الأطراف، إلى عدم وجود رادع وأن الأمل الوحيد للبقاء هو مباشرة الضربة الأولى، وهذا يعني نهايتنا جميعاً.

 

يانسي: هذا الأمر مرعب جداً.

تشومسكي: في مثل هذه الحالات، يمكن لعمل المواطنين أن يشكل مقاومة لمشاريع شديدة الخطورة، ويمكنها أيضا أن تضغط على واشنطن لتجبرها على اللجوء إلى الخيارات الدبلوماسية، وهي موجودة، بدلاً من اللجوء إلى القوة والإكراه كما تفعل في أماكن أخرى من العالم مثل كوريا الشمالية وإيران.

يانسي: من خلال تفاعلك المستمر مع مجموعة واسعة من قضايا الظلم، ما الذي يحفز هذا الشعور بالعدالة الاجتماعية بالنسبة لك؟ هل ثمة دوافع دينية تؤطرعملك المتعلق بالعدالة الاجتماعية؟ وإن كانت إجابتك لا، فلم لا؟

تشومسكي: لا توجد لدي دوافع دينية ولأسباب وجيهة، ذلك أن الباعث الديني قد يستخدم مطية لبلوغ أي مراد، فهو قد يستخدم لتحقيق أكبر الفضائل أو لاقتراف أبشع الجرائم، فبإمكانك أن تجد في النصوص المقدسة دعوات عليّة من أجل السلام والعدل والرحمة جنباً إلى جنب مع أكثر المقاطع دعوة للإبادة الجماعية في الأدبيات الكنسية، الضمير هو بوصلتنا، بغض النظر عن الزخارف التي قد نقرر لبسها.

يانسي: بالعودة إلى مسألة الاكتراث بهذا الكم الهائل من المعاناة التي يعيشها الآخرين ، ما الذي تنصحني بأن أقوله للعديد من طلبتي لكي يطورا هذه الملكة ؟ العديد من طلبتي يكترثون فقط بالتخرج وهم مغيبين تماماً عن معاناة العالم.

تشومسكي: إنني أتوقع أن معظم أولئك الذين لا يكترثون بالمعاناة من حولهم، سواء في المناطق القريبة منهم أم في تلك البقع النائية من العالم، هم غير مدركين أو أن على أبصارهم غشاوة بفعل المذاهب والأيديولوجيات، وعليه فإن الجواب بالنسبة لهم يكمن في تطوير نظرة نقدية حيال المسلمات سواء تلك المتفرعة من المسار الديني أو العلماني،  وتشجيع قدرتهم على التساؤل والاستكشاف ومحاولة النظر إلى الأمور من وجهة نظر الآخر، وحيثما كنا نعيش فإن التعرض المباشر لمثل هذه الأمور ليس بعيداً عنا؛ فلربما نظرنا إلى الشخص المشرد في البرد القارص الذي يطلب منا القليل من السنتات ليسد بها جوعه، وثمة أمثلة أخرى كثيرة.

يانسي: إنني أقدر النقطة التي أشرت إليه من أن التعرض لمعاناة الآخرين ليس بعيداً عنا. وبالعودة إلى ترمب، أتوقع بأنك تنظر إليه بأنه شخص لا يمكن التنبؤ بتصرفاته، شخصياً أنظر له كذلك، هل تتوقع بأنه يجب علينا الخشية من حدوث أي تبادل نووي من أينوع في لحظتنا المعاصرة؟

تشومسكي: بكل تأكيد، ولربما كنت أنا الشخص الوحيد الذي يحمل هذا الخوف، ولعل وليم بيري كذلك، الذي يعد من أبرز الإستراتيجيين المعاصرين في المسائل النووية، هو أبرز شخصية عبرت عن هذه المخاوف، وللرجل خبرة طويلة في مسائل الإعداد للحروب على أعلى المستويات، إن هذا الرجل متحفظ فهو لا يبالغ في تقييمه، وقد أعلن بقوة وبشكل متكرر عن شعوره بالذعر إزاء التهديدات الخطيرة والمتصاعدة وعن الفشل في الشعور بالقلق تجاه هذه التهديدات قائلاً: “إن خطر حدوث كارثة نووية اليوم أكبر من أي وقت مضى بما في ذلك فترة الحرب الباردة، إلا أن معظم الناس غير مدركين لهذا الخطر”.

في عام 1974 قامت نشرة علماء الذرة بتدشين ما يسمى “ساعة يوم القيامة” المشهورة[5]، والتي تقدر إلى أي مدى نحن بعيدون عن منتصف الليل: “يقصد بمنتصف الليل النهاية ويقاس البعد عنها من خلال الدقائق”. وفي ذات العام قام المحللون بوضع الساعة لتشير إلى سبع دقائق عن منتصف الليل، وفي عام 1953 حركوا الساعة بحيث تشير إلى دقيقتين عن منتصف الليل وذلك بعد أن فجرت كلاً من الولايات المتحدة والإتحاد السوفيتي القنبلة الهيدروجينية، ومن هذا العام بدأ المؤشر بالتأرجح إلا أنه لمينخفض إلى نقطة الخطر هذه مرة أخرى، إلا أنه وفي يناير، وبعيد تنصيب دونلد ترمب رئيساَ لأمريكا فإن الساعة تحركت لتشير إلى دقيقتين ونصف من منتصف الليل، وهذه أقرب ما تكون إلى كارثة 1953، وفي هذه المرة فإن المحللين لم يأخذوا في الاعتبار الحرب النووية فقط وإنما الجهد المكرس من قبل الجمهوريين لتسريع السباق نحو كارثة بيئية.

لدى بييري الحق أن يكون مرعوباً، وعلينا جميعا أن نكون كذلك أيضاً، فقط كل ما عليك فعله هو تصور مشهد الرجل واضعاً إصبعه على نقطة إطلاق السلاح النووي.

يانسي: على الرغم أن ترمب لا يمكن التنبؤ بتصرفاته إلا أن لديه قاعدة جماهيرية كبيرة، ما السر وراء هذا الانقياد الصاغر خلف ترمب؟

تشومسكي: لست متأكداً بأن تعبير “الانقياد الصاغر” هو المصطلح التعبير الدقيق وذلك لعدة أسباب، دعنا نسأل على سبيل المثال، من هي قاعدة ترمب؟ معظمهم من الطبقة الثرية نسبياً، فالدخل الخاص لثلاثة أرباع منهم يصنف بأنه فوق المتوسط، وثلث منهم يمتلك دخلاً سنوياً يربو على المائة ألف دولار أمريكي، وبذلك هم يصنفون في الـ15%  الأعلى في الدخل الشخصي، وفي الـ6% من أولئك الحاصلين على التعليم الثانوي فقط، وأن معظمهم من البيض، وكبار السن، وبالتالي من الفئة التي حصلت على ميزات أكثر تاريخياً.

و في دراسة مهمة أجراها أنثوني ديماجيو[6] مستفيداً من الكم الهائل للمعلومات المتاحة الآن، أشار بأن ناخبي ترمب هم أقرب ما يكونوا إلى جمهوريين نموذجيين بـ”أجندات نخبوية مؤيده للشركات ورجعية اجتماعية” و”شريحة غنية ومميزة من المجتمع من حيث دخلها المرتفع إلا أنهم أقل تميزاً نسبياً مما كانوا عليهم في الماضي، أي ما قبل الانهيار الاقتصادي لعام 2008″، وهذا الأمر ولّد نوعاً من الامتعاض الشديد حيال الوضع الاقتصادي، وقد انخفض متوسط دخل الفرد بنسبة 10% منذ عام 2007، كل هذا بمعزل عن الشريحة الإنجيلية الكبيرة وبمعزل عن النظرة الفوقية التي ينظر بها البيض إلى الآخر – المتجذرة بعمق في الولايات المتحدة الأمريكية- والمتمثلة في العنصرية والتمييز الجنسي.

بالنسبة لأغلبية هذه القاعدة فإن ترمب والجناح الأكثر وحشية في المؤسسة الجمهورية تماثلهم في طبيعة القيم والسلوك، إلا أنه عندما يتعلق الأمر حيال التفضيلات المتعلقة بسياسات محددة، فإننا سنواجه العديد من الأسئلة المعقدة.

إن جزءاَ من قاعدة ترمب تأتي من الفئة المشتغلة في القطاع الصناعي، وهي الفئة التي تم تهميشها لعقود من قبل كلا الحزبين، وهو في معظمهم من المناطق الريفية حيث انهارت الصناعة وانعدم الاستقرار الوظيفي، ومعظم هؤلاء كانوا قد صوتوا لأوباما لإيمانهم برسالته في الأمل والتغيير، إلا أن آمالهم خابت بسرعة، وحولوا خيبتهم هذه لعدوهم الطبقي المرير، متشبثين بالأمل أنه، بصورة من الصور، سيأتي قائداً يمثلهم لإنقاذهم.

وثمة اعتبار آخر يتمثل في أن نظام المعلومات الحالي، إن صح استخدام هذا المصطلح، بالنسبة لمعظم المؤيدين لترمب هي قناة فوكس نيوز والبرامج الإذاعية وغيرها من قنوات المعلومات المكرسة للحقائق البديلة، إن التعرض لأخطاء ترمب وسخافته التي دائماً ما تثير الرأي العام الليبرالي يسهل تفسيره وتكييفه أنه تجنٍ وهجوم من هذه النخبة الفاسدة على هذا المدافع عن الضعفاء، في الحقيقة هو عدوهم الساخر.

يانسي: ما هو الدور الذي يلعبه غياب التفكير النقدي في هذا الصدد، وهو الأمر الذي أشار له الفيلسوف جون ديوي[7] على أنه أمر ضروري لمواطني أي ديمقراطية؟

تشومسكي: بإمكاننا أن نطرح سؤالاً آخر عن التفكير النقدي، فبالنسبة لوجهة النظر الليبرالية، أن أكبر جريمة سياسية ارتكبت في هذا القرن، كما يطلق عليها أحياناً، هي التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية، فإن آثار هذه الجريمة يصعب تعقبها، على عكس الآثار الضخمة للتدخل الذي تقوم به قوى الشركات والأموال الخاصة، والذي لا يعتبر جريمة بل أمراً اعتياديا في الديمقراطية، وعلاوة على ذلك “التدخل” التي تقوم به الولايات المتحدة في انتخابات الدول الأخرى بما في ذلك روسيا نفسها، وكلمة “التدخل” بين معترضتين لأنها وبصورة ساخرة غير كافية لتعبر عن صنيع أمريكا وهو أمر يدركه أي شخص له أدنى معرفة بالتاريخ الحديث.

يانسي: إن هذا بلا ريب يدل على حجم التناقض في أمريكا.

تشومسكي: هل مسألة الاختراق الروسي أكثر أهمية من المسائل التي ناقشناها، وخذ مثالاً على ذلك الحملة التي يقودها الجمهوريون لتدمير شروط الوجود الاجتماعي المنظم، متحدين بذلك كل العالم، أو إذكاء سعار الخطورة القائمة فعلاً والمتعلقة بالحرب النووية، أو جرائم أخرى فعلية ولكنها أقل خطورة كحرمان عشرات الملايين من الرعاية الصحية وإخراج المعدمين من المستوصفات لأجل إثراء ناخبيهم من ممثلي الشركات ورؤوس الأموال، أو لتفكيك اللوائح التنظيمية المحدودة والتي وضعت أساساً للتخفيف من أثر الأزمة المالية والتي من المرجح أن تحدث مجدداً بسببهم، والعديد العديد من الأمثلة.

* جميع الحواشي هي من إضافة المترجم.

__________________________________________

[1]ستيفن كولبير هو أحد نجوم الكوميديا السياسية الساخرة في الولايات المتحدة الأمريكية، سطع نجمه كمراسل في برنامج “الديلي شو” الذي كان يقدمه الرائع جون ستيوارت قبل أن يقرر اعتزاله، ومن ثم بدأ كولبير برنامجه الخاص المسمى “تقرير كولبير” وواصل البرنامج إلى أن تم اختياره من قبل قناة سي بي أس لخلافة ديفيد ليترمان في برنامج ” ذا ليت شو”.

رابط برنامج ستيفن كولبير على اليوتيوب:

https://www.youtube.com/channel/UCMtFAi84ehTSYSE9XoHefig

[2]الإشارة هنا إلى ما قالته مستشارة الرئيس ترمب كيليان كونوي في معرض دفاعها عن المتحدث بالبيت الأبيض الأمريكي حينها شون سبيايسر، وذلك عندما سألها مذيع أن بي سي عن المغالطات التي كان يلقيها سبايسر من منصبة البيت الأبيض، فقالت هي مدافعة بأن سبايسر لا يقول مغالطات وإنما “حقائق بديلة”.

رابط المقابلة هنا.

[3] الصفقة الجديدة أو ذي نيو ديل هو برنامج فيدرالي أطلقه فرانكلين دي روزفلت في 1933 والذي يحمل حزمة من الإصلاحات لمواجهة الكساد الكبير الذي عصف بأمريكا في ثلاثينيات القرن الماضي، وتشومسكي في هذا الصدد يستخدمه كعلامة في جغرافيا الإصلاحات المطروحة.

[4] رابط المقالة التي يتحدث عنها تشومسكي: http://thebulletin.org/how-us-nuclear-force-modernization-undermining-strategic-stability-burst-height-compensating-super10578

 

[5] رابط ساعة القيامة: http://thebulletin.org/timeline

[6] رابط الدراسة التي أشار لها تشومسكي: https://www.counterpunch.org/2017/06/16/93450/

[7] جون ديوي فيلسوف أمريكي (1859 – 1952) وهو من زعماء الفلسفة البراغماتية.

0 1647 24 ديسمبر, 2017 آفاق فلسفية, ترجمات ديسمبر 24, 2017