الإنسان وثورة الاتصالات

لـ

الإنسان وثورة الاتصالات: الخروج من سلطة العادة.

 

ما ظهر جديد إلا وعارضه التقليديون، معلّلين ذلك في الغالب بأن هذا الجديد سوف يؤثر سلبًا على تفاصيل حياتهم، فإذا كنا نسمع العديد من الأصوات تتحدث منذ فترة عن مخاطر وسائل الاتصال الحديث (خاصة مواقع التواصل) على الأسرة والترابط الاجتماعي، فأعتقد أن حُججًا مشابهةً قد ترددت بعد كل ابتكار بشري، فلقد كان الهاتف، بما يحققه من إمكانات تواصل أسهل، أمرًا يهدد كلاسيكيات التواصل الإنساني، حتى على صعيد المشاعر الإنسانية، فالشاعر الذي كان يذهب من السيدة لسيدنا الحسين عدة مرات يوميًا كي يرى حبيبته1، لم يعد الأمر كذلك عندما تم اختراع التليفون، مما هدد كلاسيكيات هذا الشاعر الإبداعية، بل ربما ردد البعض حينها أن هذا الاختراع اللعين سوف يقضي على الرومانسية، ناهيك عن الشعراء السابقين عن هذه المرحلة الذين كانوا يتغنون بالوقوف على خيمة الحبيبة، ويتلصصون عليها حين تذهب لقضاء حاجتها ليلًا، فالحضارة بشكلها الحديث ضربت تصوراتهم في مقتل. 

نفس الشيء، وخارج سياق المشاعر الإنسانية، يمكن أن نتحدث عن أثر اختراع المطبعة على آليات الكتابة والنشر في العالم، فبعد أن كانت ثمة رواسخ في طريقة الكتابة والتداول المعرفي، جاءت المطبعة لتهدم كل ذلك وتجعل الأمر آليًا بعد أن كان بشريًا بالكلية. ربما لم تُرصد ردود الفعل حول آلة الطباعة، خاصة لدى القطاعات العريضة من المجتمع، إذ إن رد فعل رجال الدين كان معروفًا ومبررًا؛ لأن هذه الآلة اللعينة كسرت احتكارهم للمعرفة، وجعلت كتابهم المقدس متداولًا بين الأيدي، مما هدد سلطتهم على العقول، والجيوب أيضًا. لكن لو تصورنا حالة النُسّاخ الذين كانوا يعملون بمهنة نسخ الكتب، فبالتأكيد كانوا يرفضون الآلة الجديدة بدعاوى مختلفة عن دعاوى رجال الدين، ربما تحدّث بعضهم عن الشكل الآلي للكتابة المطبعية، وخلوها من الروح، وأنها سوف تقتل حالة الألفة التي تحدث ما بين الكاتب ومكتوبه، وربما توقعوا أن انتشار الكتاب المطبوع سوف يورط الكثيرين من غير المؤهلين في قضايا ليست في طاقتهم، مما يهدد الثقافة والمعرفة، وربما قالوا ما هو أكثر من ذلك. 

طبّق هذا على كل الاختراعات الحديثة التي سهّلت حياة الإنسان (القطار، السيارة، آلات الغزل والنسيج، الطائرة، الكهرباء .. الخ). وأخيرًا الحديث عن الكتاب الإلكتروني الذي يحرم القرّاء من لمسة الدفء في الكتاب الورقي، التي ليست أكثر من عادة قرائية عمرها قرون، مما يجعل من الصعب على جيل الكتاب الورقي أن يتكيف بسرعة مع الكتاب الإلكتروني، الذي أصبح أكثر انتشارًا وأيسر في الحصول عليه، ولن أقول أرخص لأنه في الغالب أصبح مجانيًا. وربما إلى جانب بُعد العادة في الأمر، فإن ثمة حالة من الملكية في الكتاب الورقي لا تتوافر في الكتاب الإلكتروني، إحساس القارئ التقليدي أن كتابه الورقي على رف مكتبته، يشعره أنه يمتلكه كليةً، بخلاف الكتاب الإلكتروني الذي يعتبر مشاعًا للجميع، مما يكسر فكرة التملك من ناحية، ويقضى على فكرة الطبقية الثقافية – إن جاز التعبير – من ناحية أخرى، فلم يعد ثمة مجال لتفاخر البعض بامتلاك موسوعة معينة أو دائرة معارف نادرة، فالكل أصبح متاحًا، والجميع يمكنهم أن يعرفوا حتى بدون الكتاب، عبر مواقع عديدة توفرها الشبكة العنكبوتية. 

ورجوعًا إلى مواقع التواصل الاجتماعي التي بدأنا بها هذا المقال، فإنه يمكن القول إن حالة التفكك الأسري التي يخشاها المدافعون عن الأسرة بشكلها التقليدي، لم تبدأ مع مواقع التواصل الاجتماعي، فعلى سبيل المثال، نجد أن هذه المواقع الافتراضية لم تلقَ انتشارًا مؤثرًا في العالم العربي إلا مع ما يسمى بثورات الربيع العربي، وقبل ذلك لم تكن معروفة على نطاق واسع، أو على الأقل لم تكن معروفة ومتداولة بالشكل الذي تلا هذه الأحداث. وعلى صعيد الأسرة، فإن ما يتهددها من تفكك أو توقع تفكك، قد بدأ قبل هذه المرحلة بسنوات عديدة، ولذا يجب أن نبحث عن أسباب أخرى لهذه الظاهرة التي نعيشها، ونخشى استشراءها في المجتمع، فمحاولات البعض لاختزالها في مواقع التواصل الاجتماعي التي جعلت الجميع مع الجميع وبعيدًا عنه في الوقت عينه، ليست من الدقة في شيء.  

لا أقول إن مواقع التواصل لا تأثير لها في حالة ضمور التواصل الواقعي، لكنها ليست السبب الوحيد بدليل وجود الظاهرة قبل وجود هذه المواقع بالأساس. لكن يجب علينا أن نبحث في الأسباب الأخرى الضاغطة على الأسرة العربية، سواء كانت أسبابًا اقتصادية أو سياسية أو ثقافية. فالأب الذي يعاني ضغطًا مستمرًا لعدم كفاية راتبه، سيكون عامل طرد لأبنائه سواء إلى مواقع التواصل، أو شوارع التواصل، لأنه يقوم بعملية تنفيس غضبه في أفراد أسرته. الشيء نفسه يمكن قوله في خصوص الضغط السياسي، إذ يحاول الأب داخل الأسرة أن يحاصر أبناءه حتى لا يشاركون في أي تحرك أهوج – من وجهة نظره – يضعهم في مواجهة مباشرة مع النظام الاستبدادي، مما يجعل الابن عرضة أيضًا للهروب من هذا الحصار بكافة الطرق. بالإضافة إلى الموروث الثقافي التمييزي، سواء كان تمييزًا ضد المرأة، أو ضد غيرها من الفئات المجتمعية. 

وبالنتيجة، فإن الخطورة لا تكمن بالأساس في الوسائل، سواء كانت وسائل تواصل اجتماعي أو غير ذلك من الوسائل، فهذه الوسائل ليست سوى مجرد عامل من عوامل عديدة، يمكن أن تسهم بشكل كبير في تسهيل التعلم والمعرفة والتواصل والتعرف على ثقافات عديدة، مما يرسخ لأفكار التعددية وقبول الآخر، ومن الممكن أن تكون نافذة لممارسة العمل السياسي أو الفكري أو الاجتماعي، في ظل التضييق العام في الدول التي تحكمها أنظمة استبدادية، فتكون على المدى المتوسط والبعيد آلية فاعلة من آليات التغيير الحقيقي، ولا يمكن إنكار الدور الفعلي لهذه المواقع في تحريك الرأي العام بعد ما يسمى بثورات الربيع العربي، بل كانت عاملًا مهمًا في إسقاط مبارك في مصر ومن بعده وزيري عدل في عام واحد.  

هذه مجرد وسائل، ولا أنفي أن لها جوانب سلبية كغيرها من الوسائل، فيمكن للزوجة أن تقتل زوجها بسكين المطبخ (وسيلة)، لكن ليست كل الزوجات يفعلن هذا الأمر، فقط زوجة غير سوية أو مضغوطة بشكل لا يمكن احتماله من الزوج، فالعبرة في النهاية بالتعبئة النفسية والعقلية لمستخدِم الوسيلة، وكذلك للظروف المحيطة التي قامت بتشكيله على هذا الوضع، فالإنسان هو المحرك لهذه الوسائل، وهو القادر على الاستفادة منها قدر ما تتيحه من إمكانات، إن كان هذا لا ينفي التأثيرات السلبية للوسائل على مستخدميها، لكن هذا أمر آخر، ولا يمكن حصره في دائرة مواقع التواصل الاجتماعي أو وسائل الاتصال بصفة عامة، بل تم الحديث عن الآلة ذاتها منذ اختراعها، وآثارها السلبية على الإنسان، وتحويله لمجرد ترس، ورغم ذلك لا يمكننا الاستغناء عن الآلة أيًا كانت أضرارها، وأيًا كانت النتائج السلبية لاستخدامها. فبدلًا من الصراخ الدائم حول الآثار السلبية لمواقع التواصل، علينا أن نضعها في سياق التطور الإنساني، فقد سبقته مكتشفات ومخترعات غيرّت تاريخ البشرية، وفي الوقت نفسه كان لها آثارها السلبية. 

وما يحدث الآن هو ثورة بالمعنى الكامل للكلمة، وككل ثورة لها جوانبها الإيجابية والسلبية معًا، وإن كنا نحن أبناء الوطن العربي أحوج إلى هذه المواقع من غيرنا، لأنها نافذتنا الوحيدة تقريبًا في محاولة معرفة ما يدور حولنا في العالم، ومحاولة التأثير لإحداث أي تغيير في هذا الداخل المغلق، فنحن أشبه بسكان بيتٍ أغلق الأب كل أبوابه ونوافذه عدا نافذة واحدة، لم يكن في مقدوره أن يغلقها، فتجمع الأبناء حول هذه النافذة ليروا ما يدور حولهم، ويصرخون معلنين عن حالة الحصار التي يعانون منها. حين تُفتح أبواب البيت العربي ونوافذه كاملة، ساعتها سوف تقل أهمية النافذة الوحيدة المشرعة الآن؛ لكن أن تأتي فتاوى التقليديين لتتحدث فقط عن الجوانب السلبية لوسائل الاتصال الحديثة، دون النظر إلى جوانبها الإيجابية، فأنا في أحسن الظروف سأعتبرهم مجرد تقليديين استعبدتهم العادة، وقصرت أنظارهم عن رؤية الصورة في شموليتها، لكن حين أسيء الظن – وليس كل سوء الظن مذمومًا – سأعتبر هذه الدعاوى حين تصدر عن رسميين أو من لهم علاقات مباشرة بالسلطة، أنها مجرد محاولات لغلق النافذة الوحيدة، حتى لا يستطيع سكان البيت العربي رؤية ما يدور خارج جدران بيتهم العتيق، ولا حتى أن يعترضوا بمجرد الصراخ.  

0 1060 25 يناير, 2018 الحادي والتسعون, ثقافة وفكر يناير 25, 2018