أيديولوجية العولمة

لـ

أيديولوجية العولمة: دراسة في آليات السيطرة الرأسمالية

صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب مؤخرا كتاب (أيدلوجية العولمة: دراسة في آليات السيطرة الرأسمالية) للكاتب والباحث الدكتور محمد عجلان. تنشر مجلة الفلق مقتطفات من هذا الإصدار الجديد، وتعريفا موجزا عنه في السطور القادمة.

يسعى الكتاب إلى تحديد ملامح ما يمكن تسميته بأيديولوجية العولمة، التي هي آخر مستجدات الرأسمالية الغربية، وقد جاء في مقدمة وأربعة فصول، يسعى كل فصل منها إلى تعقّب جانب من جوانب هذه الأيديولوجية العولمية.

وقد جاء في مقدمة الكتاب: ” الرأسمالية هي إحدى المكونات المركزية في الكيان الغربي الحديث؛ بل لن يكون من قبيل المبالغة إن اعتبرناها تمثل المركز في بنية هذا الكيان، تزامن ظهورها مع ظهور الدولة بشكلها الحديث. وقد تحركت، وما زالت تتحرك، في فلكها منتجاتُ الغرب الثقافية، أو بالاصطلاح الماركسي مثّلت البنية التحتية للمنتج الفكري الغربي؛ إلا أنها منذ نشوئها كانت في حاجة ماسة لأيديولوجية تمثل الغطاء ومبرر القبول، فكانت الليبرالية غطاءها الأيديولوجي؛ إذ لم يكن بمقدور الرأسمالية أن تسعى لتحقيق مكاسبها بمعزل عن مبررات تمنحها القبول لدى قوى المجتمع المختلفة، فكان لزاماً عليها وهي تطالب بحرية العمل والتملك – وهي مطالبها بالأساس – أن تدمجها في سياق حقوقي أكثر اتساعاً وأقدر على جذب الآخرين، فتستطيع من خلال هذا السياق أن تضمن تحقيق مطالبها في حرية العمل والتحرك، دون أن تثير رغباتُها الجامحة ردود فعل رافضة”.

وجاء الفصل الأول من الكتاب عرضًا تمهيديًا للمفاهيم المركزية في الكتاب، التي تمثلت في توضيح كل من مفهوم “الغرب”، و”الأيديولوجيا”، و”العولمة”، وسياقات كل مفهوم وظروف تشكله.

ومما ورد حول مفهوم الغرب: “يتعذر التحديد الدقيق للحظة التي ولد فيها مفهومان هما: “أوروبا والغرب”، والواقع أنهما من تمخضات تلك الحقبة الطويلة التي يُصطلح عليها بـ “العصر الوسيط” Middle Age التي طورت جملة من العناصر الاجتماعية والدينية والسياسية والثقافية، فاندمجت لتشكل هوية أوروبا، وبانتهاء تلك الحقبة ظهر إلى العيان مفهوم “الغرب”، بأبعاده الدلالية الأولية. وهذا المفهوم ذو الدلالات المتموجة، لم يمتثل أبدا للمعنى الجغرافي الذي يوحي به، فقد راهن منذ البدء على المقاصد الثقافية والسياسية والدينية، ومن ثم ثبّت مجموعة من الصفات والخصائص العرقية والحضارية والدينية على أنها ركائز قارّة، تشكل أسس هويته. وغذّى هذا الاختزال ولادة مفهوم حديث ذي طبيعة إشكالية هو “المركزية الغربية” Central Western. وتتجلى إشكالية هذا المفهوم من أنه تقصّد أن يؤسس وجهة نظر حول الغرب، بناء على إعادة إنتاج مكونات تاريخية توافق رؤيته، معتبرا إياها جذورا خاصة به، ومستحوذا في الوقت نفسه على كل الإشعاعات الحضارية القديمة، وقاطعا أواصر الصلة بينها وبين المحاضن التي احتضنت نشأتها، وقد استهدف المفهوم أن يمارس إقصاءً لكل ما ليس غربيا، دافعا به إلى خارج الفُلك التاريخي الذي أصبح الغرب مركزه، على أن يكون مجالا يتمدد فيه، وحقلا يجهزه بما يحتاج إليه”.

وعن الأيديولوجيا: “إن الغموض الذي يكتنف مفهوم الأيديولوجيا Ideology يرجع بالأساس إلى سعة مدلوله وتنوع استعمالاته، متسقا في ذلك مع غيره من مفاهيم العلوم الاجتماعية، وإن كان في واقع الأمر يفوق تلك المفاهيم التباسا وغموضا نظرا للأبعاد التطبيقية للأيديولوجيا، التي ساهمت بدرجة كبيرة في زيادة التباس المفهوم وغموضه. أضف إلى ذلك أن مصطلح الأيديولوجيا تزاحمه العديد من المصطلحات المشابهة، مثل عقيدة، وعقلية، ومذهب، ورأي، وفكر، ومنظومة فكرية، وثقافة، وما ماثلها من المصطلحات، مما يورط المفهوم أكثر في دوائر الغموض والالتباس”.

وجاء الفصل الثاني لتحديد الأبعاد الاقتصادية لأيديولوجية العولمة، ومما جاء فيه: ” للإجابة على سؤال “ما هو جديد العولمة” لابد من الرجوع إلى تقسيم كلاسيكي في علم الاقتصاد السياسي، وفى الاقتصاد السياسي الماركسي بصورة خاصة. يميّز هذا التقسيم داخل نمط الإنتاج الرأسمالي بين دائرة الإنتاج المباشر، من ناحية، ودائرة التبادل، من ناحية أخرى. تضم دائرة التبادل عمليات توزيع الثروة التي تم إنتاجها، وآليات تداولها وتبادلها واستهلاكها والتصرف بها، وهي تشكّل بذلك سطح نمط الإنتاج الرأسمالي ومظهره، أي اقتصاد السوق، وتداول المال والرأسمال المتحوِّل، وتبادل السلع والخدمات، بالإضافة إلى التجارة وما تعنيه من البيع والشراء.. الخ. أما الدائرة الأولى – أي دائرة الإنتاج – فتشكِّل عمق نمط الإنتاج، وعلاقات الإنتاج التي تتم عمليات الإنتاج وإعادة الإنتاج في ظلها ووفقاً لشروطها. حتى منتصف القرن العشرين، ظلت عالمية نمط الإنتاج الرأسمالي مقتصرة في الغالب على دائرة التبادل والتوزيع والسوق والتجارة والاستيراد والتصدير، مع بقاء دائرة الإنتاج الرأسمالي ودورتها في دول المركز الأصلي وحدها. العولمة، وفقاً لهذا التحليل، هي وصول نمط الإنتاج الرأسمالي، عند منتصف القرن العشرين تقريباً، إلى نقطة الانتقال من عالمية دائرة التبادل والتوزيع والسوق والتجارة والتداول إلى عالمية دائرة الإنتاج وإعادة الإنتاج ذاتها. أي إن ظاهرة العولمة التي نشهدها هي بداية عولمة الإنتاج والرأسمال الإنتاجي وقوى الإنتاج الرأسمالية، ومن ثم علاقات الإنتاج الرأسمالية أيضا، ونشرها في كل مكان مناسب وملائم خارج مجتمعات المركز الأصلي ودوله. العولمة بهذا المعنى هي رسملة العالم على مستوى العمق بعد أن كانت رسملته على مستوى سطح النمط ومظاهره قد تمت”.

وجاء الفصل الثالث ليحدد الأبعاد الفكرية لأيديولوجية العولمة، ومما ورد فيه: ” تجلي ظاهرة العولمة وبروزها على ساحة التعاطي الفكري من ناحية والتطبيق العملي من ناحية أخرى، ارتبط بالنصف الثاني من القرن العشرين، دون إغفال للإرهاصات التاريخية للظاهرة، والتي ربما امتدت لعدة قرون بعد بروزها ككيان ذي قسمات بارزة. وقد تزامنت وتماكنت مع ما يعرف بـ “ما بعد الحداثة” Postmodernism، فكان لزاما علينا أن نفتش عن طبيعة علائقهما، وهل ثمة أواصر اجتذاب أم أن الظاهرتين محكومتان بالتنافر والصراع. ومن ثم سنقوم بالتعرض لما بعد الحداثة من حيث النشأة التاريخية والمقولات المركزية؛ بغية التوصل إلى طبيعة العلاقة بينها وبين العولمة”.

واخُتتم الكتاب بفصل عن الأبعاد السياسية لأيديولوجية العولمة، تم التعرض فيه لأطروحتي نهاية التاريخ لفرانسيس فوكوياما، وأطروحة صدام الحضارات لصمويل هنتنجتون، وقد جاء فيه: ” يبدو للوهلة الأولى أن ثمة تصادما بين طرحي نهاية التاريخ لفوكوياما وصدام الحضارات لهنتنجتون، على اعتبار أن الأول أقرّ أن اللعبة قد انتهت، معلنا انتصار الليبرالية الغربية بقيادة الولايات المتحدة، في حين أن الآخر مازال مُصرّا أن الصراع مازال قائما، لكنه سيأخذ أشكالا أخرى. إلا أن التدقيق يشير إلى أن الطرحين ملتقيان لا تعارض بينهما، فإذا كان هنتنجتون يؤكد على أن ثمة صراعا يلوح في الأفق، إلا أنه في الوقت عينه لا ينفي أن ثمة صيغا أخرى للصراع قد انتهت، ومن أبرز تلك الأشكال الصراعية منتهية الصلاحية، وفقا لهنتنجتون، هو الصراع على أساس أيديولوجي، وهو ما أعلنه فوكوياما في أطروحته “نهاية التاريخ”، حيث أكد على نهاية التاريخ الأيديولوجي بسقوط الأيديولوجيات المنافسة لليبرالية، خاصة سقوط المنظومة الشيوعية التي كانت تشكل الخطر الأكبر على الكيان الأيديولوجي الغربي”.

0 1120 15 فبراير, 2018 الثاني والتسعون, ثقافة وفكر فبراير 15, 2018