ماركس في مسقط

لـ

 

– من ضمن الأسئلة التي يتطرق لها هذا البحث ويسعى إلى الاجابة عنها أو على الأقل التفكير فيها: ما أسباب بقاء واستمرارية البنية الفوقية للإنسان العُماني -والعربي بشكل ٍعام- بالرغم من تغيّر أنماط الإنتاج؟ هل نحن في حاجة إلى ما يدعو إليه عالم الاجتماع الفرنسي آلان تورين من إيجاد نموذج نظريّ (براديغم) جديد نستطيع من خلاله فهم الكثير من أسباب التراجع المستمر والنكوص المتواصل؟ والمقصود بالتراجع المستمر هنا هو غياب الفرد، وخفوت استقلاليته، وذوبانه في المجتمع بكل ما يحويه من خيوط اجتماعية وقوى اقتصادية أو دينية أو مؤسساتية أو غيرها، بحيث لا يجد الشخص مكانته أو قيمته إلا في المجموع، أو في الانضواء تحت السلطة بمختلف أشكالها، الأمر الذي يؤدي بطريقة غير مباشرة إلى انعدام التمايز أو الاختلاف بين الأفراد، ورغبتهم في الدخول تحت التحالفات الشخصية والخاصة. أم أنّ نمط الإدارة وأسلوبه المركزي والشامل متوغل في القرارات الفردية والشخصية والخاصة توغّلًا لا يترك للفرد أية فرصة للاستقلالية؟

– ربما التساؤل الأولي هنا يتجه حول أسباب التركيز على الاقتصاد في عصر الانفجار الهوياتي وعصر البحث عن الحرية والكرامة والقيم الإنسانية الرفيعة، عصر المقاومة الجماهيرية، تجاه أنماط الحكم الشمولية والإرادة الواحدة، عصر انبثاق وتكوّن الأنوات المختلفة. ولكن أيضًا عصر عودة الأصوليات: الدينية والاجتماعية وغيرها، وانتعاشها بالرغم من كل المشاريع الإصلاحية التي تم نسيانها سريعًا وكأنها لم تكن ذات يوم.

– ذلك يعني أنّ الاقتصاد ليس ثانويًا كما يُراد للأفراد أن يفهموا، بل بسببه قامت الكثير من الانتفاضات والثورات والنزاعات المختلفة، وربما نستطيع القول في هذا السياق إنّ الكثير من الصرخات المشروعة التي تطالب بالعدالة والكرامة والحقوق تُخفي خلفها ذلك الجانب الاقتصادي المختل من التوزيع العادل للثروات الذي يعني في جانب من جوانبه عدم الاعتراف بالآخرين بوصفهم في مستوى واحد من الحقوق والواجبات. فالعدالة كما سيتضح لاحقًا ليست ميتافيزيقية، بل هي متجذرة في الأرض، في الممارسات اليومية المختلفة، تلك التي يتفاعل معها الجميع دونما استثناء. إنّ الاقتصاد يعني هنا الإنتاج الذاتي، البشري، وعدم الاعتماد على الطبيعة كمصدر من مصادر الحياة العملية والإنتاجية اعتمادًا كبيرًا، ففي الكثير من الحالات نجد أنّ الطبيعة بكل ما تحويه من مصادر وإمكانيات قد عُدَّت عاملًا ثانويًا لتطوير الإمكانيات البشرية، فهي ليست العامل الوحيد الذي من الممكن استغلاله وربما استنزافه في الكثير من الحالات. فالتحولات في المجال الاقتصادي منذ بداية الثورة الصناعية وضعت الإنسان في محور العملية الإنتاجية بوصفه مصدر القوة والفعل والأثر، وهي بذلك تكون قد نزعت تلك القوى السحرية والإمكانيات الخارقة للطبيعة، الأمر الذي جعل الفرد يتعامل في هذا السياق مع بقية أفراد المجتمع بالإمكانيات المتوفرة لديه نفسها، وهو ما جعلنا أمام قدرات بشرية متشابهة، وأمام مفاهيم بشرية ممكنة الفهم والتداول بين الجميع. ما يمكن قوله في هذا السياق هو أنّ الإنسان مع المفهوم الجديد للاقتصاد لم يعد معتمدًا على مفاهيم مثل مفهوم البركة وغيرها، وهو ما يتجسد في عدم طلبه من القوى الميتافيزيقية المفارقة له الحماية أو البركة أو الخصب، بل أصبحت هذه الطلبات تُوجَّه نحو قدراته وإمكانياته المختلفة، تلك التي يستطيع بناءها والسيطرة عليها والتحكم فيها.

– لكي تحدث هذه القطيعة التأويلية يجب أن يدخل الأشخاص في علاقات إنتاجية جديدة تؤثر بدورها في البنية الاجتماعية والسياسية للدولة بشكل عام وللمدينة التي يعيشون فيها بشكل خاص، لتؤثر بدورها في العلاقات الفردية بين الأشخاص بعضهم ببعض، مما يعني أنّ هذه العلاقات الاجتماعية تتحدد بناءً على هذه العلاقات الإنتاجية وتتشكل من آثارها المختلفة. وربما عن طريق الاستعانة ببعض التجارب التاريخية نستطيع القول إنّ القطيعة التأويلية تلك التي حدثت في الثورة التقنية والتحولات التي جاءت بها قد ذهبت في هذا الاتجاه، إذْ نجد أنّ المعجم التداولي المعاصر لا يخلو من الكثير من المفردات اللغوية المتداخلة بين اللغات، وبشكل خاص في اللغة الإنجليزية، كما أنه لا يخلو أيضًا من الحديث عن التطبيقات المختلفة واعتبارها مكانًا متجسدًا مثل بقية الأماكن بالمعنى التقليدي، وهذا يُدلّل بشكل ٍ لا لبس فيه على التداخل الكبير بين العوالم كنتيجة غير حتمية للتداخل الافتراضي، أو التقني.

– لئن كانت الأسرة تمثل المعقل الأول والأساسي في نمط الهيمنة الفردي ، ومن ثم الجماعي، وذلك من خلال توارث القيم وبعض الآليات المختلفة المذكورة سابقًا، فإنّ هذا النمط من الهيمنة الفكرية يخفي خلفه نمطًا آخر من أنماط الهيمنة والنفوذ. فعن طريق الأسرة، ومن خلال الأب، تتسرّب الكثير من القيم المحافظة والخاضعة للسلطة بجميع أنواعها، التي تساهم أيضًا في بقاء البطريركية بجميع تمظهراتها، وربما لا يمكن لهذه التراتبية أن تتزحزح قليلًا مع بقاء البنية الأسرية بوضعها الحالي، غير أنه في ظلّ أنماط الإنتاج المختلفة، وبالنتيجة أسلوب الحياة الجديدة والمتعولمة أيضًا؛ لم يعد لهذه المؤسسات أن تستمر بشكلها التقليدي والمحافظ، مما يعني أننا أمام مسألة وقت لا أكثر لنشهد تدشين عصر أسري جديد في الفترات الزمنية المقبلة.

– يُشكل الدين أحد الأعمدة المهمة في سياق المجتمعات التقليدية والحديثة على حدٍ سواء، إذْ يُعدّ المحور الميتافيزيقي الكبير والواسع للكثير من المفاهيم المتداولة والملتصقة بالحياة اليومية، وهو في ذلك عبارة عن شبكة مفاهيمية ومادية واسعة تستوعب الكثير إنْ لم يكن كل مجريات الحياة البشرية، بدءًا من أصغر التفاصيل اليومية وصولًا إلى الخطوط الحياتية العريضة. غير أنه في خضم كل ذلك يبقى الدين -شأنه في ذلك شأن الكثير من المرجعيات البشرية- يتأثر بكل ما حوله، مثلما هو أيضًا يؤثّر بطريقة أو بأخرى في ما حوله، وهذا ينطبق على جميع الجوانب المختلفة في هذا الشأن، وهو ما لا يقتصر على الاجتهادات الفقهية التي تُعدّ في الكثير من الأحيان جامدة ولا تتأثر كثيرًا بما حولها، بل يمتد أيضًا إلى التفاصيل الصغيرة. ولا تُعدّ الجدلية في هذا الشأن بين فهمنا للدين ونمط الإنتاج جديدةً أو مرتبطة بالوقت الحاضر، فهي قديمة قِدم التفاعل البشري والإنساني، غير أنّ التسارع الكبير الذي يعيشه الإنسان في عصر العولمة جعله يرى المشهد الكوني التاريخي والمعاصر على حدٍ سواء بعيون واسعة وعمق أكبر من ذي قبل، فعن طريق هذا الاختزال المعلوماتي (الزماني والمكاني) نستطيع تبيان ذلك بسرعة كبيرة وقياس هذه التغيرات بصورة أشمل. تتجلى الكثير من التغيرات في علاقة المؤمنين بالنمط المعماري لأماكن العبادة، إذْ لم تقتصر هذه الأماكن على المجال الوظيفي، بل دخل عليها البُعد الجمالي والتنافسي أكثر من ذي قبل، وهو ما يعني دخولها في دوائر المباهاة والتوسّع والكثرة من حيث العدد والأحجام، كما أنها تتجسد أيضًا في الروابط التقنية المختلفة التي أصبحت وثيقة ومتينة لخدمة الأهداف الإيمانية والاعتقادية بجميع مساراتها، المتطرفة الكثيرة والمعتدلة القليلة.

– لعلّ السؤال الأوليّ هنا هو: هل هناك نمط إنتاجي واحد للدين ينسج من خلاله شبكته الكبيرة والعميقة؟ أم أننا أمام أنماط مختلفة ومتعددة يستطيع من خلالها الدين السيطرة على الآخرين؟ وكيف تحول الدين إلى رأسمالٍ موازٍ للرأسمال التقليدي: الصناعي والتجاري؟

– من نافل القول إنّ الدين ينتج أفكاره ورؤاه وتعليماته بوسائط مختلفة، وتحت أنماط متعددة، فهو لم يقتصر على النص المؤسس المكتوب، كالنص القرآني فقط، بل توسّع وامتدّ ليشمل الأدبيات المختلفة من حديث وسِيَر وفقه وفتاوى ومحاضرات وأناشيد وطقوس: كالصلاة والحج والصوم والزكاة، وهي تشمل كل مراحل الحياة وحركاتها وسكناتها وكل تفاصيلها. بمعنى آخر، هذا التعدّد في الأنماط الإنتاجية ليس مجانيًا، بل يهدف إلى توسيع رقعة المستهلكين ومخاطبتهم جميعًا، وعدم الاقتصار على فئة عقلية أو مهنية أو عرقية محددة، ذلك أنّ بعض المستهلكين تقتصر إمكانياتهم في الممارسة الطقوسية اليومية وبعض الملامح الدينية، في حين أنّ آخرين قد اقتصروا على الجانب النصي المرتبط بالحفظ واستبطان النصوص، وما إلى ذلك.

– هذا التعدد في أنماط الإنتاج للأفكار الدينية وضع الخيارات أمام بقية الأنماط الإنتاجية الأخرى والمنافسة في زاوية ضيقة جدًا؛ إذْ لم تتوفر لها تلك الأدوات, أو لعلّها لم تسع إلى خلق قنوات مختلفة تخاطب المستهلكين وتوفر لهم احتياجاتهم الروحية والنفسية، بل اكتفت بأنماط إنتاجية محدودة فقط ولم تتوسع مثلما هو الشأن ليس في الجانب الديني فحسب، بل أيضًا في الجوانب التجارية والصناعية وغيرها، ذلك أنّ كل نمط إنتاج يهدف إلى التوسّع وكسب الكثير من المستهلكين للأفكار التي ينادي بها. ولأجل ذلك أصبح من الضروري استخدام قنوات مختلفة يتم من خلالها التخاطب مع مختلف العقليات والطبقات الموجودة في المجتمع. هذه التعددية كفيلة بتحقيق رأسمال مادي ورمزي على حدٍ سواء، ففي الجانب الأول (المادي) أصبح الخطاب الديني -مثلًا، وبفعل أنماطه الإنتاجية المختلفة- ينتج سلعة واحدة بطرق مختلفة، وربما نستطيع القول إننا أمام سلعة واحدة تتلون وتتخذ الكثير من طرق التغليف والعرض والتسويق وطرق إيصالها للمستهلك. فهناك مستهلكون كثر -وهم في ازدياد بسبب الخلخلة القيمية التي أحدثها العلم من جهة والعولمة من الجهة الأخرى- يحتاجون إلى تلبية احتياجات هذا الجانب الروحي المتزعزع وهذا لم يقم به غير الدين، وهو ليس مجانيًا كما يعتقد الكثيرون، أي أنه ليس لوجه الله كما يُتداول، بل هناك الكثير من العوائد وأهمها المادية وبشكل خاص في العصر الراهن، وهو ما نراه متجسدًا في التكاليف المادية الباهظة لتأدية بعض الطقوس التي تُعدّ أساسية من الناحية الدينية ومن الضروري القيام بها، كالحج والعمرة وغيرهما، كما أنّ هذه الأنماط تلتقي في الكثير من الأحيان مع الأهداف السلطوية، المحافظة والتقليدية، تلك التي تسعى إلى بقاء الأوضاع كما هي، مما يعني أنّ الخطاب الديني وعن طريق هذه الأنماط الإنتاجية المهيمنة قد اختار التركيز على الجوانب غير الدنيوية الحاسمة، والمركزية، بل ازداد تركيزه على الخلاص والجنة والنار وهذه المسائل العقدية والقضايا الخلافية التي تضع بعض الأهداف الدينية كالعدالة الدنيوية ومكانة الإنسان وغيرها في هامش اهتمامات المستهلكين، ولم تعد في المركز، الأمر الذي جعل هذه السلطات تدعم هذه الخطابات وتوفر لها مختلف الطرق والوسائل للانتشار والذيوع بل والسيطرة على العقول شريطة أن لا يتم التطرق إلى العدالة والظلم والإنسان وغيرها من المفاهيم الدنيوية الإشكالية والتي تتطلب أنماطًا إنتاجية ومعيارية أخرى.

– في الجانب الآخر نجد أنّ الرأسمال الرمزي وعن طريق هذا الاحتضان المجتمعي والدعم المؤسساتي قد ترسّخ وتعمق في الوجدان الجمعي، إذْ ارتبط بالكثير من السمات والفضائل المختلفة. لذلك نجد أنّ منتجي الأنماط الدينية يتمتعون بالكثير من الثقة المجتمعية والقبول العمومي، ومن خلالها يستطيعون الهيمنة على المستهلكين بمختلف قطاعاتهم وفئاتهم، وهذا لا يعود إلى توفر تلك الصفات البشرية المحببة للإنسان بشكل عام كالصدق والأمانة وغيرهما من الفضائل التي تُعدّ بشرية، ولا ترتبط بنمطٍ إنتاجي معين، بل يعود وبشكل أساسي إلى ضعف القنوات المنافسة لهذا النمط الإنتاجي من جهة، وعدم بروز أنماط إنتاجية جديدة تمتلك من القوة والتعددية ما يملكه النمط الديني.

– في هذا السياق نستطيع القول إنّ الرأسمالَين المادي والرمزي قد حوّلا المجال الديني إلى نمط استهلاكي سِلعي من الدرجة الأولى، فهذه الفكرة الدينية أو تلك قد تحولت عن طريق هذا الإنتاج المتعدد إلى سلعة، يكون قد ضمن بها أسواقًا جديدة ومستهلكين لم يكونوا ضمن توقعاته الإنتاجية، وهو ما يعني أنّ الإنتاجية في ازدياد مستمر، وهو ما ينطبق على المستهلكين أيضًا، الأمر الذي يعني أنّ النمط الديني قد تحول إلى سلعة تخضع للآليات نفسها التي تخضع لها السلع المنتجة بشريًا والمتعارف عليها، فهي (أي السلع الدينية) لن تزدهر بوجود مستهلكين قلائل لا يستطيع من خلالها صاحب رأس المال أن يحصل على فائض القيمة من عمله وجهده أو سلعته، مما يعني أنه في حالة عدم نجاحه سيتحول إلى إنتاج سلعة أخرى تدرّ له الأرباح والقيمة المضافة. فالرأسمال الرمزي بالرغم من أهميته، إلا أنه ليس كافيًا ما لم يتم ترسيخه وربطه ربطًا وثيقًا بالرأسمال المادي الذي يحقق فائضًا كبيرًا في القيمة، وهو ما ينعكس في المستوى المعيشي والترفيهي للمنتجين، والامتيازات التي يتمتعون بها، إذْ إنهم ونتيجةً لازدهار هذه السلعة وسيطرتها شبه الكاملة على السوق تصبح مصدر جذب كبير للكثير من الأفراد الذين ينضمون إليها لأنها توفر لهم الرفاهية الدنيوية بالدرجة الأولى والرجاء الأخروي بالدرجة الثانية. يزدهر الرأسمال بشكل عام لا بالقوة الشرائية التي يتمتع بها الأفراد فحسب، بل بعدد الذين يشعرون بالانتماء إلى هذا النوع من المنتجات -الدينية في هذا السياق- وبعدد المؤمنين والمناصرين لها أكثر من ذلك، الأمر الذي يجعل هذه الاعتقادات والأفكار تذبل وتخفت إذا اقتصرت على فئة معينة، وهو ما يُحتّم عليها أن تخضع للتبادل والانتشار والتداول. بمعنى آخر، فإننا أمام “ديناميكية الرأسمالية”([1]) بشكل عام، فالفكرة أو السلعة تبقى خاملة إذا لم تتحول من مرحلة الإنتاج إلى مرحلة التبادل والتداول، وهي لن تتحول إلى المرحلة الثانية إلا إذا ظهرت قيمتها الاستعمالية والنفعية للآخرين، “ذلك أنّ فعل التبادل هو الذي يمكن أن يُثبت ما إذا كان العمل نافعًا للآخرين وما إذا كان منتوجه قادرًا على إشباع حاجات الغير”([2]). فإذا كان تبادل السلع مرتبطًا بالنقد أو الفائدة النقدية المباشرة، التي تُعدّ نتيجة من نتائج العمل البشري المتشيّئ والوقت الذي استغرقه العامل في صناعة هذه السلعة، فإنّ التبادل في المجال الديني لا يختلف كثيرًا عن ذلك، إذْ إنّ التبادل يتم هنا بهدف العوائد الاجتماعية والاقتصادية من جهة، وغير الدنيوية من الجهة الأخرى، وهو في الواقع ليس تبادلًا مؤجلًا، بل ينبغي الحصول على نتيجته بشكل آني مباشر لا يمكن تأجيله أو وضعه في خانة الانتظار. وهو ما يتجسد تجسدًّا واضحًا في تلك الإكراهات والضوابط والشروط المرافقة لكل شخص ينتمي إلى الجانب الديني، فمن الضروري أن يقوم بعملية العبور، وذلك باتّباع طقوس معينة تنتمي إلى الثقافة الشعبية من جهة والثقافة الدينية من الجهة الأخرى، وهذه الطقوس أو الضوابط تنقسم إلى جانبين رمزيّ وماديّ. ففي الجانب الأول من الضروري الالتزام بنمط معين من الأزياء والملامح وغيرها، وفي الجانب المادي من الضروري أداء بعض الطقوس التي تضمن الانصياع والذوبان في التفكير الجمعي.

– مهما يكن الأمر فإننا وعلى المستوى التاريخي نجد أنّ الدين قد تأثر تأثرًا طبيعيًا جدًا وشبه حتمي بنمط الحياة والإنتاج والاستهلاك، وذلك من خلال خلق الكثير من الرموز والمرجعيات والاعتقادات التاريخية المختلفة، وتأثرها الواضح بمجريات الحياة المتنوعة، فالأديان في العصر الحديث ليست هي نفسها لدى الشعوب البدائية وفي العصور الحجرية، بالرغم من التداخل الواضح بينهما فيما يتعلق بوجود القوى الميتافيزيقية وتأثيرها المباشر على الإنسان، وتدخلها الواضح في تفاصيل حياته الحديثة المختلفة، وتلك البنى الجوهرية التي تقوم عليها الأديان، والرهبة تجاه المقدس التي “تقوم على مجابهة داخلية مع قوة لا تنتمي إلى عالم الظواهر. وهذه المجابهة تعطي إحساسًا بالخوف والانجداب معًا”([3])، وارتباط الأديان بالطقوس التي تُعدّ عوامل محفزة للكثير من الأفعال والسلوكيات، فهي تؤثر -حسب المعتقد- في مجرى حياة الإنسان، وتلك العلاقة الوثيقة بين الدين والسحر، بما يعني تلك المحاولات المختلفة التي تهدف “إلى إخضاع القوى في العالم وتطويعها لإرادة الإنسان، وذلك من خلال أقوال وأفعال معينة أو كليهما معًا”، وغيرها من التفاعلات والتغيرات المختلفة في هذا الشأن، تلك التي تُعدّ في الكثير من الأحيان خارجة عن النطاق الشخصي والخاص لتصل إلى الفضاء العام وصولًا كاملًا، وهو ما سنتناوله لا من الجانب الديني بطبيعة الحال، بل من الجوانب النظرية والتطبيقية المختلفة في السياق المحلي وغيرها.

– لا تقتصر هذه القيود على الجانب الرمزي والتشريعي الذي لا يُرى، بل تُمارَس شعوريًا ولا شعوريًا في الكثير من الأحيان، إذا أخذنا في الحسبان أنّ القانون هو الأب الرمزي الذي ينبغي الالتزام به والتقيد بمحدداته بعد الاتفاق على شروطه وآليات الاعتراف به، بل يمتد لتلك المساحات الواسعة في صحراء التفكير الجمعي، إذ نجد الكثير من الشبكات المتداخلة والمتعددة لها. فمن ضمن أسس التواصل التفاعلي -الذي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بمفهوم الفضاء العمومي- وجود عناصر وسمات من الضروري تحقّقها ليحقق هذا التفاعل النتائج المرجوّة منه. وهو ما يقودنا إلى الحديث عن الروابط بين الفضاء العمومي والجوانب الرمزية والفيزيقية في المدينة.

___________________________

([1] فرنان بروديل، ديناميكية الرأسمالية، ت: د. شفيق محسن، ط1 (بيروت: دار الكتاب الجديد، 2008م).

([2] كارل ماركس، رأس المال، ج1، ص122.

0 1733 23 فبراير, 2018 الثاني والتسعون, سياسة فبراير 23, 2018