معملُ البشرِ عابرُ الزَّمان والمكان

لـ

 

في السابع من يناير عام 3000 للميلاد عاد نذير راحل عبد الرحيم إلى الحياة الدنيا مرة أخرى.

في الثاني من يناير عام 2015 للميلاد فارق الحياة وهو في الثمانين من عمره. كان قد أوى إلى فراشه باكرًا، في بيته ببلدة سْدَاب الساحلية، لكنه لم يستيقظ. ولأنه كان وحيدًا لم يعرف بموته سوى الجيران، فبعد مرور أيام فاحت رائحة جثمانه، فأبلغوا الشرطة، وفي اليوم الخامس جاء أربعةٌ من قسم المباحث والتحقيقات الجنائية ومعهم ابناه وابنتاه، ووضعوه داخل كيس، وحملوه على نقالة، وكان في حال لا يمكن معها غسله، فصلوا عليه ودفنوه في مقبرة بلدة العامرات.

حين فتح عينيه من جديد أوحشت الصدمة إدراكه ووخزته بقلق مضت 985 سنة منذ فارقه. كان إدراك العودة ينزعه ببطء فاجع من السكينة التي خبرها في العالم الآخر. كمن يتعافى من مرض عضال أصاب بصره، بصعوبة بالغة فتح عينيه. كما كان عليه الحال حين نام على سريره في تلك الليلة القاصية في بيته ببلدة سداب، كان مستلقيًّا على ظهره. أول ما رأى كان أضواء ملونة شديدة الحدة، وما كاد حتى سمع أحدًا يناديه فتلفت، فإذا برجال ونساء طوال القامة يتحلقون حوله ويمعنون النظر فيه. سمع اسمه مرة أخرى.

نذير راحل عبد الرحيم.

نعم.

أهلا بك في عام 3000.

استولى عليه ذهول ضخ في وعيه حيرة لامتناهية. أين هو الآن وأين كان؟ سأل نفسه. تردد صوته فزعًا داخله. لم يكن قد رأى بعد كل ما بداخل ما بدا له مصنعًا كبيرا جدًّا أو مستشفى بلا نهاية ولا سقف ولا جدران، بل إنه الآن يرى سماء ونجومًا أيضًا، أما الرجال والنساء الطوال الذين بدا عددهم غير معقول فلم يكن قد رأى بعد من ناداه باسمه منهم.

قال الصوت: أنت الآن في معمل البشر عابر الزمان والمكان. ليس هذا مصنعًا ولا مستشفى، لكنك محق: معملنا بلا نهاية، وكما ترى، تحت السماء والنجوم، وباختصار يمكنك القول إن الكرة الأرضية بل وبعض الكواكب أيضًا تتمة لـمعمل البشر عابر الزمان والمكان. أدوات معملنا نحملها معنا متى تطلب الأمر وأينما كان، إنما ليس كما قد تعتقد ويشتط بك الخيال، مع أن هذا مطلوب أيضًا! فما يلزمنا فقط هو استدعاء الفضاء القديم إلى أرضنا وسمائنا لتوليد الظروف الموضوعية اللازمة لتحقيق عملية البعث. إننا نذهب إلى كل الأزمنة الماضية، إلى كل الأمكنة الماضية بينما نحن في الواقع في عام 3000، في معمل البشر عابر الزمان والمكان، وعلى هذا النحو بعثناك من جديد لتعيش في عصرنا.

أخذت الحيرة تنمو بوتيرة أعنف في نذير راحل عبد الرحيم، وأصبح فؤاده فارغًا.

قال الصوت: لأعد إليك، قف، در إلى الخلف، هنا، أنا من يحدثك.

ببطء ووهن وتلقائية وخنوع جمع نذير راحل عبد الرحيم جسده وأطرافه ووقف، وببطء أخذ يدور. عدد هائل من فريق المعمل كان يملأ عينيه، وكان الصوت مستمرًّا، وكان يصغي إليه، وفجأة أصبح قبالته.

نحن بشر عام 3000 كلنا طوال القامة. هذا تطور طبيعي ومعملي قادت إليه أساسًا خريطة الجينات البشرية الكلاسيكية التي اكتُشِفت في عصركم الغابر. كان الأمر صعبًا في عصركم المتخلف مقارنة بعصرنا المتفوق قاهر المستحيل، إنما ينبغي لي القول أيضًا إن العلم لا تحده حدود!

0 378 24 فبراير, 2018 الثاني والتسعون, حداء الروح فبراير 24, 2018