أشجار دوستوفيكسي الصغيرة

يأس مطلق يدفع بما هو أكثر من اليأس، إلى الرغبة في أن أتحول إلى حشرة. ولأنه يدرك عدم قدرته على هذا، لم يعد أمامه إلا الإحتفال والإزدهاء بمرضه وكأنه من ساكني الأوجال والقاذورات، ومثلما يفتخر الآخرون بالجمال يفتخر هو بالمستنقعات والأقبية التي يعيش بها.

 

 

 

 

 

عنوان المقال: أشجار دوستوفيكسي الصغيرة
1 – مذكرات رجل في قبو:
يأس مطلق، لا يصل الإنسان إليه إلا بعد مرارة وخيبات أمل وتجارب. حتى وهو على فراش المرض لا يفكر في الذهاب إلى طبيب. الدرجة التي تتساوى فيها الحياة مع الموت. شكل من أشكال الإستسلام النهائي لنداء الموت الغامض، الذي يسكن كل كائن كطرف أساسي نقيض لنداء الحياة الواضح، يولدان مع الإنسان في ولادته، ومع تغلب أحدهما على الآخر في مراحل الحياة المختلفة، إلا أن النهاية هي للموت الذي يصل إليه الإنسان قبل نضج ثمرة الحياة أو بعد نضجها النهائي.
يأس مطلق يدفع بما هو أكثر من اليأس، إلى الرغبة في أن أتحول إلى حشرة. ولأنه يدرك عدم قدرته على هذا، لم يعد أمامه إلا الإحتفال والإزدهاء بمرضه وكأنه من ساكني الأوجال والقاذورات، ومثلما يفتخر الآخرون بالجمال يفتخر هو بالمستنقعات والأقبية التي يعيش بها.
السوي ! الناس الأسوياء في توافقهم مع الواقع هم: القطيع الغبي. لقد خرج الأسوياء من الطبيعة الأم وهي راضية عنهم مثلما هم كذلك، أما هو ومن معه من المرهفين المدركين بوعي مأساوية الحياة فقد خرجوا من أضيق وأكثر ما يطمح إليه أي واحد منهم أن يكون: فأراً، لا أكثر.
أحاول تعريف الأنسان: كائن يعيش على قدميه وساق. ولكن ذلك ليس هو الآفة الرئيسية، بل سوء طبعه الذي احتفظ به ولازمه منذ طوفان نوح. لقد حافظ الأنسان على غريزة حيوانية بغيضة هي الميل إلى القتل والدمار. حتى لو تم أشباع حاجات الأنسان الأقتصادية فإنه سيظل مخلصاً لعقوق نفسه ولتلويثها وإلى ارتكاب الحقارات وأشنعها.
لماذا كتبت كل هذا؟ يجيب دوستوفيكسي: لكي تحمل الكتابة لي شيئاً من التخفف والسلوى والعزاء. محاولة مني للتخلص من ذكريات تلاحقني وتطاردني بلا هوادة ولا مهادنة وكتابتها تحررني منها.
ثم أخيراً: لأنني أشعر بضجر شديد وسأم قوي، ولا أعمل شيئاً قط. فإذا كتبت ذكرياتي كنتُ أقوم بعمل، والعمل فيما يقال يجعل الأنسان طيباً وشريفاً، فهذه أذن فرصة تعرض لي.
2 – طفل عند شجرة عيد الميلاد.
عندما يكتشف طفل في السادسة، يعيش في قبو مهجور بارد ومظلم مع أمه وفاة الأم. في ليلة عيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام إخرج من القبو وها هو في الشارع بمدينة ضخمة وللمرة الأولى وحيداً.
للطفل جدور ريفية بعيدة، ذلك أنه مه أمه نزحا من إحدى قرى الريف الدوسي وذلك قبل استفرارهما بقبو في موسكو. ينتهي به التجول إلى باب منزل يلهو به الناس، يمرحون ويشربون في صخب الإحتفال بعيد الميلاد. لمحته سيدة من النافذة أعطته كويكباً وطردته.
أحس أنه وحيد وضائع ليلة عيد الميلاد في هذه المدينة الكبيرة، وخوفاً من الشر بها، انتهى به المطاف لكومة حطب إختبأ بها، فجأة ومن تلك العتمات هتف صوت: تعال إليَّ، إلى شجرة عيد الميلاد.
رأى صبية صغار، فتيات صغيرات، عادت أمه إلى الحياة، نظرت إليه في فرح وأحتضنته. من أنتم أيا الصغار، من أنتن أيتها الصغيرات؟ ما أروع هذا المكان يا أمي.
لكنه عرف لاحقاً أن كل هؤلاء الأطفال المحيطون به موتى وأمه ميتة، وهم الآن ملائكة ترفرف حوله في هذا المكان المهجور.
اليوم التالي لعيد الميلاد، وجد الطفل ميتاجين كومة حطب في فناء مهجور.
يكتب دوستوفيكسي معلقاً على هذه القصة القصيرة: لقد وعدت بكتابة قصص عن حوادث حقيقية، رغم أن هذه القصة متخيلة، إلا أننا ودوستوفيكسي نتخيل جميعاً أنها فعلاً حصلت بأرض الواقع، لأنه في الواقع يحدث ما هو أكثر ألماً منها.
3 – حلم رجل مضحك.
من أن لا شيء على الأرض كان قادراً على إنقاذ دوستوفيكسي من الإنتحار. كانت الفكرة تتردد على ذهنه، تأتي وتذهب. المطر هو مبعث الأمل والتفاؤل كان يزيده كآبة، بل تهديداً وعدائية للناس. الإحساس باللاجدوى بالعدم بالعبث، ما أدى به وإلى قناعة أن لا شيء على الأرض كان أو يكون أو سيكون: “في البداية كان قد تراءى لي، أن أشياء جمة قد وجدت من قبل، ثم أدركت أن لا شيء من قبل وجد أيضاً، ولكن لسبب ما تراءى لي ذلك الوجود، وشيئاً فشيئاً أيقنت أن لا شيء أبداً.
كان الليل داكناً، كانت الغيوم كثيفة تنذر بمطر خفيف، إلا أنه فجأةً لمع نجم استطاع الظهور بين تراكمات الغيم. حدَّق دوستوفيكسي فيه ملياً وثانية ًأحي فيه النجم قرار الإنتحار. وانتظر اللحظة المناسبة. “والآن يمنحني هذا النجم فكرة، أن أنفذ ما عقدت عليه العزم في هذه الليلة بالذات”.
إلا أنه فجأة ومثلما يعترف لاحقاً، أنه وهي في طريقه إلى غرفته، حيث المسدس المحشو بالرصاص ينتظره: “أمسكت طفلة كمي ….، وراحت تنشدني من كمي وتنشد نجدتي. لم تكن تبكي، ولكنها لشدة عصبيتها غرغرت ببعض الكلمات التي لم تستطع نطقها جيداً، ثم صرخت يائسة: “أمي، أمي الحبيبة …”.
من غير أن دوستوفيكسي المولع دائماً بكشف جوانب الشر في الأنسان، عندما يموت يحلم أنه قد حلق به الموت إلى عالم آخر بعيد، إلى كواكب لا ترى، وهناك يلتقي بكائنات أخرى تتحدث مع الأشجار والطيور والنجوم، تمنح حبها لكل كائنات الكوكب، ولأنه جاء من كوكب الأرض الملوث، لا يستطيع دوستوفيكسي إلا أن يكون كما كتب: كدودة خنزير، كذرة طاحون، يمكن أن نغدى بلداً كاملاً.
هكذا تلعب الثقافة الدينية المسيحية لدى دوستوفيكسي دوراً كبيراً في خلق عالمه الإبداعي، فهو من أجل أن يعيد سكان ذلك الكوكب البعيد إلى براءته الأولى، يعترف لهم بأنه هو الذي جلب أمراض الحقد والكراهية معه من الأرض، وأنه على استعداد أن يصلب. بل وقد علمهم كيف يصنعون الصليب، متمنياً سفح دمه حتى آخر قطرة منه.
لكنه بعد كل هذا الرحيل الغريب في عالم من الأحلام، يستيقظ ليجد نفسه من غرفته والمسدس المحشو بالرصاص بجانبه، وعوضاً أن يطلق على رأسه وقلبه الرصاص يمضي باحثاً عن الطفلة: تلك الطفلة سأجدها، سأمضي وأمضي، لابد أن أجدها! .
4 – في سجن أومسلو.
إن مبعث التساؤل عن جذور الشر البشرى لدى دوستوفيكسي، وتسلل ذلك الشعور إلى مجمل كتاباته الروائية وشخوصها، هو دخوله في تجربة معيشية مشتركة في سجن أومسلو، مع قطاع طرق وزعماء عصابات وقتلة أطفال. تلك التجربة كاتب مبعث تساؤله الأساسي: ما هي الجريمة؟ لأنه ومع التجربة المعيشية المشتركة وجد أن معظم السجناء متدينون، وأنهم يتوقون لعطف الله ومغفرته. قاده ذلك إلى البحث عن المذنب الحقيقي، هذه الثيمة التي احتلت مساحة واسعة في تطوره الروحي خاصة في: الجريمة والعقاب.
في بادئ الأمر كان يرى في رفاقه بالسجن وحوشاً مفترسة، وشيئاً فشيئاً ابتدأ يكتشف جوانب الخير وبذوره في نفوسهم. لقد أعادته تجربة السجن إلى رحاب الدين الواسع ما جعله يقترب كثيراً إلى تولستوي، وملأت نصوصه بحب الشر، أقترب بجديته من أعماقهم حيث تكمن جذور آلامهم وأخطائهم. بل ذهب لاحقاً إلى التأكيد على أن الأحرار خارج السجن يكمن فيهم شر كبير أكثر من هؤلاء المساجين.
كتب قائلاً عن تجربته تلك: إن الأنسان أثناء الحسرات التي يحسها في سجن الأسغال الشاقة، يرتوي بالإيمان كما يرتوي العشب اليابس بماء المطر.
كتب تولستوي رسالة إلى صديقه ستراخوف: “إذا رأيت دوستوفيكسي فقل له أني أحبه”.

Dostojevski

أشجار دوستوفيسكي الصغيرة

سما عيسى

1 – مذكرات رجل في قبو:

يأس مطلق، لا يصل الإنسان إليه إلا بعد مرارة وخيبات أمل وتجارب. حتى وهو على فراش المرض لا يفكر في الذهاب إلى طبيب. الدرجة التي تتساوى فيها الحياة مع الموت. شكل من أشكال الإستسلام النهائي لنداء الموت الغامض، الذي يسكن كل كائن كطرف أساسي نقيض لنداء الحياة الواضح، يولدان مع الإنسان في ولادته، ومع تغلب أحدهما على الآخر في مراحل الحياة المختلفة، إلا أن النهاية هي للموت الذي يصل إليه الإنسان قبل نضج ثمرة الحياة أو بعد نضجها النهائي.

يأس مطلق يدفع بما هو أكثر من اليأس، إلى الرغبة في أن أتحول إلى حشرة. ولأنه يدرك عدم قدرته على هذا، لم يعد أمامه إلا الإحتفال والإزدهاء بمرضه وكأنه من ساكني الأوحال والقاذورات، ومثلما يفتخر الآخرون بالجمال يفتخر هو بالمستنقعات والأقبية التي يعيش بها.

السوي ! الناس الأسوياء في توافقهم مع الواقع هم: القطيع الغبي. لقد خرج الأسوياء من الطبيعة الأم وهي راضية عنهم مثلما هم كذلك، أما هو ومن معه من المرهفين المدركين بوعي مأساوية الحياة فقد خرجوا من أضيق وأكثر ما يطمح إليه أي واحد منهم أن يكون: فأراً، لا أكثر.

أحاول تعريف الأنسان: كائن يعيش على قدميه وساق. ولكن ذلك ليس هو الآفة الرئيسية، بل سوء طبعه الذي احتفظ به ولازمه منذ طوفان نوح. لقد حافظ الأنسان على غريزة حيوانية بغيضة هي الميل إلى القتل والدمار. حتى لو تم أشباع حاجات الأنسان الأقتصادية فإنه سيظل مخلصاً لعقوق نفسه ولتلويثها وإلى ارتكاب الحقارات وأشنعها.

لماذا كتبت كل هذا؟ يجيب دوستوفيكسي: لكي تحمل الكتابة لي شيئاً من التخفف والسلوى والعزاء. محاولة مني للتخلص من ذكريات تلاحقني وتطاردني بلا هوادة ولا مهادنة وكتابتها تحررني منها.

ثم أخيراً: لأنني أشعر بضجر شديد وسأم قوي، ولا أعمل شيئاً قط. فإذا كتبت ذكرياتي كنتُ أقوم بعمل، والعمل فيما يقال يجعل الأنسان طيباً وشريفاً، فهذه اذن فرصة تعرض لي.

2 – طفل عند شجرة عيد الميلاد.

عندما يكتشف طفل في السادسة، يعيش في قبو مهجور بارد ومظلم مع أمه وفاة الأم. في ليلة عيد ميلاد السيد المسيح عليه السلام اخرج من القبو وها هو في الشارع بمدينة ضخمة وللمرة الأولى وحيداً.

للطفل جذور ريفية بعيدة، ذلك أنه مع أمه نزحا من إحدى قرى الريف الدوسي وذلك قبل استقرارهما بقبو في موسكو. ينتهي به التجول إلى باب منزل يلهو به الناس، يمرحون ويشربون في صخب الإحتفال بعيد الميلاد. لمحته سيدة من النافذة أعطته كويكياً وطردته.

أحس أنه وحيد وضائع ليلة عيد الميلاد في هذه المدينة الكبيرة، وخوفاً من الشر بها، انتهى به المطاف لكومة حطب إختبأ بها، فجأة ومن تلك العتمات هتف صوت: تعال إليَّ، إلى شجرة عيد الميلاد.

رأى صبية صغار، فتيات صغيرات، عادت أمه إلى الحياة، نظرت إليه في فرح وأحتضنته. من أنتم أيها الصغار، من أنتن أيتها الصغيرات؟ ما أروع هذا المكان يا أمي.

لكنه عرف لاحقاً أن كل هؤلاء الأطفال المحيطون به موتى وأمه ميتة، وهم الآن ملائكة ترفرف حوله في هذا المكان المهجور.

اليوم التالي لعيد الميلاد، وجد الطفل ميتا جنب كومة حطب في فناء مهجور.

يكتب دوستوفيكسي معلقاً على هذه القصة القصيرة: لقد وعدت بكتابة قصص عن حوادث حقيقية، رغم أن هذه القصة متخيلة، إلا أننا ودوستوفيكسي نتخيل جميعاً أنها فعلاً حصلت بأرض الواقع، لأنه في الواقع يحدث ما هو أكثر ألماً منها.

3 – حلم رجل مضحك.

من أن لا شيء على الأرض كان قادراً على إنقاذ دوستوفيكسي من الإنتحار. كانت الفكرة تتردد على ذهنه، تأتي وتذهب. المطر هو مبعث الأمل والتفاؤل كان يزيده كآبة، بل تهديداً وعدائية للناس. الإحساس باللاجدوى بالعدم بالعبث، ما أدى به وإلى قناعة أن لا شيء على الأرض كان أو يكون أو سيكون: “في البداية كان قد تراءى لي، أن أشياء جمة قد وجدت من قبل، ثم أدركت أن لا شيء من قبل وجد أيضاً، ولكن لسبب ما تراءى لي ذلك الوجود، وشيئاً فشيئاً أيقنت أن لا شيء أبداً.

كان الليل داكناً، كانت الغيوم كثيفة تنذر بمطر خفيف، إلا أنه فجأةً لمع نجم استطاع الظهور بين تراكمات الغيم. حدَّق دوستوفيكسي فيه ملياً وثانية ًأحيى فيه النجم قرار الإنتحار. وانتظر اللحظة المناسبة. “والآن يمنحني هذا النجم فكرة، أن أنفذ ما عقدت عليه العزم في هذه الليلة بالذات”.

إلا أنه فجأة ومثلما يعترف لاحقاً، أنه وهو في طريقه إلى غرفته، حيث المسدس المحشو بالرصاص ينتظره: “أمسكت طفلة كمي ….، وراحت تشدني من كمي وتنشد نجدتي. لم تكن تبكي، ولكنها لشدة عصبيتها غرغرت ببعض الكلمات التي لم تستطع نطقها جيداً، ثم صرخت يائسة: “أمي، أمي الحبيبة …”.

من غير أن دوستوفيكسي المولع دائماً بكشف جوانب الشر في الأنسان، عندما يموت يحلم أنه قد حلق به الموت إلى عالم آخر بعيد، إلى كواكب لا ترى، وهناك يلتقي بكائنات أخرى تتحدث مع الأشجار والطيور والنجوم، تمنح حبها لكل كائنات الكوكب، ولأنه جاء من كوكب الأرض الملوث، لا يستطيع دوستوفيكسي إلا أن يكون كما كتب: كدودة خنزير، كذرة طاحون، يمكن أن نغدى بلداً كاملاً.

هكذا تلعب الثقافة الدينية المسيحية لدى دوستوفيكسي دوراً كبيراً في خلق عالمه الإبداعي، فهو من أجل أن يعيد سكان ذلك الكوكب البعيد إلى براءته الأولى، يعترف لهم بأنه هو الذي جلب أمراض الحقد والكراهية معه من الأرض، وأنه على استعداد أن يصلب. بل وقد علمهم كيف يصنعون الصليب، متمنياً سفح دمه حتى آخر قطرة منه.

لكنه بعد كل هذا الرحيل الغريب في عالم من الأحلام، يستيقظ ليجد نفسه من غرفته والمسدس المحشو بالرصاص بجانبه، وعوضاً أن يطلق على رأسه وقلبه الرصاص يمضي باحثاً عن الطفلة: تلك الطفلة سأجدها، سأمضي وأمضي، لابد أن أجدها! .

4 – في سجن أومسلو.

إن مبعث التساؤل عن جذور الشر البشرى لدى دوستوفيكسي، وتسلل ذلك الشعور إلى مجمل كتاباته الروائية وشخوصها، هو دخوله في تجربة معيشية مشتركة في سجن أومسلو، مع قطاع طرق وزعماء عصابات وقتلة أطفال. تلك التجربة كاتب مبعث تساؤله الأساسي: ما هي الجريمة؟ لأنه ومع التجربة المعيشية المشتركة وجد أن معظم السجناء متدينون، وأنهم يتوقون لعطف الله ومغفرته. قاده ذلك إلى البحث عن المذنب الحقيقي، هذه الثيمة التي احتلت مساحة واسعة في تطوره الروحي خاصة في: الجريمة والعقاب.

في بادئ الأمر كان يرى في رفاقه بالسجن وحوشاً مفترسة، وشيئاً فشيئاً ابتدأ يكتشف جوانب الخير وبذوره في نفوسهم. لقد أعادته تجربة السجن إلى رحاب الدين الواسع ما جعله يقترب كثيراً إلى تولستوي، وملأت نصوصه بحب الشر، أقترب بجديته من أعماقهم حيث تكمن جذور آلامهم وأخطائهم. بل ذهب لاحقاً إلى التأكيد على أن الأحرار خارج السجن يكمن فيهم شر كبير أكثر من هؤلاء المساجين.

كتب قائلاً عن تجربته تلك: إن الأنسان أثناء الحسرات التي يحسها في سجن الأشغال الشاقة، يرتوي بالإيمان كما يرتوي العشب اليابس بماء المطر.

كتب تولستوي رسالة إلى صديقه ستراخوف: “إذا رأيت دوستوفيكسي فقل له أني أحبه”.

أدب العدد الأول

عن الكاتب

سما عيسى

.
.
.
.