أمنيات على بوابة السنة الجديدة

كتب بواسطة محمد المحروقي

آمال جديدة في عالم بائس..

“بلى أيّها الوطن إنّا لنرثيك غارقين في أسى مآسيك نحمل عبء حقيقتك الفاجعة على كواهلنا المُنهكة وليلَ تاريخك الحزين في عروقنا النابضة. لا يفاجئنا سقوطك الدّائم نحو حضيض الهاوية، بل يفاجئنا أنّك رغم كلّ شيء ما تزال واقفاً على قدميك. بلى أيّها الوطن إنّك لأنتَ أنت الضحية والقاتل الغادر والمغدور التّاجر والمُتاجَر به الخائن والمخون. لكن أوَاه يُجدي الرثاء ويبعث طولُ البكاء النّبضَ الحَيّ في الجثة الصفراء”

أنس العلوي

المدن تتلاشى من الوجود، عالمٌ تملؤه الوحشية والجريمة الممنهجة، سلاسل من الإبادات الجماعية تنهش الروح والقلب، حتى إن العقل المتعمق في الأحوال العربية يقف مدهوشا، هل هذا خيال أم واقع! والأسئلة التي تليه هل نقف كأفراد عند هذا الحد، هل علينا أن نكون مهزومين بمحض إرادتنا، أنهرب من قضايانا إلى قضايا الكون كمن لا قضية له؟

مؤمن أنا بارتباط ذاكرتنا بأمنياتنا، أمنياتنا التي تبني آمالنا الفائقة في عالم يسيطر عليه الظلم بواقع بائس يتجرعه العرب منذ عقود طويلة. في الرابع عشر من فبراير لعام 2005 رأيت مشهدا على شاشة التلفاز لا أظنني سأتخلى عنه أو ستفقده ذاكرتي بسيولة محضة، وهو مشهد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، الذي من خلاله بدأت أسئلة من قبيل: إذا كان رئيس وزراء لدولة عربية يموت بهذه الصورة كيف يموت المستضعفين؟ نعم هي أسئلة الطفولة التي وجدت إجاباتها المختلفة من المشاهد الدامية التي توالت في أقطار الوطن العربي من شرقه إلى غربه، فجرح فلسطين الغائر ليس بجرح بسيط وهو في اتساع مع مرور الزمن وذلك مع سعي حثيث ومسبق من قبل الحكومات العربية على تغييب هذه القضية الإنسانية المقدسة من الذهن والذاكرة العربية، بقيت فلسطين تحت وطأة الخذلان العربي بتواطؤ متتالي عبر التاريخ من قبل الحكومات العربية بالتعاون مع الإدارات الغربية الكولونيالية، وبين موت واغتيالات في مختلف بقاع الوطن العربي فإننا لا نغفل عن الاستبداد بالإخراس والسجن فهذه سجون الساسة العرب ممتلئة بسجناء الرأي والفكر، ممتلئة ظلمات السجون بالمقموعين. ورغم كل هذا يبقى هناك الكثير من الأمل لأن الوطن العربي رغم كل المآسي التي يمر بها لا يزال شعبه قائما صامدا وكما قال جلال الدين الرومي: “هناك الكثير من الأمل في غياب الأمل”

أمنية أولى على بوابة السنة الجديدة، وهي أن تتسع رقعة الحوار العربي وأن تعي حكومات “مصلحة العرش” بأن الشعب العربي من الشرق إلى الغرب واعٍ لمصلحته، فبدلا من أن تكون المشاريع العربية موجهة أمنيّا واستخباراتيا على شعوبها متغاضية عن كل أسباب الدمار الحقيقي والواقعي الذي سببته قوى الاستعمار ذات المشاريع التوسعية والممتدة. إن المشروع الذي يجب أن تنشغل الحكومات العربية به هو الإنسان وتنمية مصالحه، وما نراه اليوم هو خير دليل على أهمية الشعوب المتمكنة والممكنة فالاشتغال بالعمران وتناسي دور الإنسان يورث تبلدا فكريا وعقليا على المستوى الاجتماعي والثقافي، كما أن العمل على الإنسان يستوجب وجود مناخ للحريات الفكرية وليس مناخات توجيهية لمطامع سياسية وما أسوأ هذا المناخ التوجيهي للفكر إذا كساه الطمع والرغبة في الترهيب والتهجير والعمل بالقمع، وللاستبداد آثار استهلاكية في الوطن العربي وهو بطبيعة الحال البائس يقدم مصلحة الدول الاستعمارية بدلا من خدمة المصالح الوطنية الخالصة، فلقد رأينا ما دفعته بعض حكومات القمع من ثروات شعوبها للولايات المتحدة مؤخرا وذلك في سبيل الإرضاء على قضية معتقلي الرأي، أو التعتيم لجريمة اغتيال سياسي، ويعمل القمع المبرمج في الوطن العربي على صهر كل ما يتعلق بالتنمية فتهرب هذه الحكومات القمعية إلى مشاريع ترويجية وإسمنتية مبتغية بذلك الاقتراب من صور نظريات نيكولو مكيافيلي وإحدى هذه الصور هي صورة المستبد المستنير، والتي بدورها تفشل أغلب الحكومات العربية من الاقتراب منها لعدم تماهيها مع الواقع المجتمعي للشعوب العربية. وهذه جوانب بسيطة مما استهلكه الاستبداد على مقدرات الشعب العربي، وعلى أية حال كل هذا لا يخدم الوطن العربي، لذا بكل ما نملكه ننادي بأمنية أولى وهي كما ذكرها الشاعر الكبير مظفر النواب بقوله:

“أي إلهي إن لي أمنية

أن يسقط القمع بداء القلب

والمنفى يعودون إلى أوطانهم

ثم رجوعي”

إن الحروب التي خاضتها وما زالت تخوضها الكثير من الدول العربية كفلسطين والسودان وسورية واليمن أدى إلى اختلال مفهوم القيم الكبرى، وهذا الاختلال لا يأتي على المستوى الاصطلاحي إنما هو على الصعيد العمليّ الذي شوهه الغرب بممارسته الانتقائية المتناقضة والعنصرية في كثير من مواقفه السياسية ذات الطابع النفعيّ البحت، ومن هنا كان لابد من العودة لما قاله المفكر الجزائري مالك بن نبي حيث قال: “الغرب لا يحمل قيمه معه خارج حدوده” هذه المقولة كفيلة بأن تخط لنا خط البداية، فالقيم بجوهرها ليست ذات بنية ساقطة بقدر ما يسقط الإنسان الذي يتلوى عليها ويتجاهل تقييداتها الأخلاقية الصرفة، إن العودة للسياق التاريخي الخاص بالمنطقة أمر مهم ليتجلى الحق عن الباطل المزخرف بالأسطورة والزيف الذي جعل الأمة العربية مقيدة بالوهم الكاذب الذي باعد المعرفة القيمية عن الممارسات الإنسانية الحقيقية، وأحمل بصيص أمل بأن يعود اللحن عربيا ليسطر مفاهيما كالتي سطرها مالك بن نبي لتعيش هذه الأمة شيئا من أمجادها التي تقوم بالمعرفة لا بالجهل والاستناد عليه. كم نحتاج في واقعنا العربي البائس إلى مشاريع وطنية حقيقية وليس مشاريع الوكالة أو مشاريع الانتظار لمشروع مستعمر جديد، يملك الوطن العربي بتقسيماته القُطرية الحديثة الكثير من المقومات التي تجعل كل دولة مميزة بما تملكه من عناصر بشرية وثروات طبيعية تسعفها على اجتثاث ذاتها من سطوة قوى الغرب والتغلب على مكتسباته الوطنية، كما أننا في عمان نملك قاعدة قوية لبناء مشروعنا الوطني الذي يخدم الدولة بكياناتها المختلفة دون أن نكون في وسواس العلاقات الدولية وتقلباتها المستعصية التي في الحقيقة تعرقل كل خطوة نحو التنمية الحقيقية، وعندما أذكر التنمية هنا فلا أقصد بها التنمية العمرانية أو الاقتصادية فقط، إنما أعني بها التنمية متعددة الأبعاد التي تخدم كافة شرائح المجتمع بكافة توجهاتهم، فلا يستقيم نمو العمران مع ضعف دخل الأفراد، ولا يستقيم سعي التقدم مع تراجع مؤشرات التعليم، ولنقس على ذلك كافة القطاعات التي تتعلق ببناء التنمية البشرية ومقوماتها، وأحد أهم الركائز التي تقوم عليها الأمم هي ركيزة الشورى والعمل البرلماني المتكامل والمتوافق مع التطور الذي يشهده العالم أجمع في الجانب الرقابي والتشريعي الذي يكفل استخدام الأدوات التي تجعل من البرلمان أداة فعّالة على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا بد من جعل الثقافة محورا أساسيا للاستثمار فيها والمشتغلين عليها وكم أمني النفس بعدم أخذ الثقافة كأنها ترف أو اشتغال يشتغل به الإنسان الملول، لأن الثقافة والمعرفة أساسات لقيام الشعوب نحو نهضة حقيقية.

آن لنا أن نعود لحديث ارتباطنا بالذاكرة، أرجح بأن أغلب ما يحدث في أوطاننا العربية دليل على خطر التمسك والتعنت بالسلطة، ولا أُمني النفس إلا بوطن عربي آمن من البحر إلى البحر، أن ينعم الطفل في هذا الوطن بالسلم، أن تعود لغة الطفل العربي كلغة الأطفال، أن يعود الإنسان كما كان إنسانا لا يقتل لنزاعات تدور بين ساسة لا يبحثون سوى عن مصالحهم، حلم عربي، أمل عربي، وطن عربي.

أدب قراءات

عن الكاتب

محمد المحروقي