أي الألوان تحب

كتب بواسطة أمجد سعيد

لم و لن نقوى تماما على محاربة التمييز العنصري ، أو العنصرية ، نحن فقط نوهم أنفسنا بالتأقلم مع الوضع السائد. لقد ترتبت على اثر هذا التمييز العنصري جرائم لا حصر لها ضد الإنسانية التي طالما حلمنا بها. فشل عارم ومستمر قامت بتأديته الشعوب والأديان كلها بتوافق لا شعوري للتصدي لهذا التمييز العنصري، نعتقد بذلك أو يؤمن بعضنا بأن هذا التمييز لا يأتي من فراغ ، وان هنالك فروق في الطبائع أو العناصر أو الخلقة موروثة و نعزوها لعرق ما

أجريت دراسة حديثة العهد مؤخرا تظهر مدى التمييز العنصري لأكثر من 80 دولة حول العالم، واعتمدت هذه الدراسة على سؤال بسيط: من هم الأشخاص الذين تود أن تسكن بجانبهم ؟ وجاءت النسبة مهولة للأشخاص الذين لا يمكن لهم العيش إلا بجانب من يحمل عرقهم ولونهم وطبقتهم الاجتماعية أو الفكرية ، وتصدرت هذه الدراسة دول عربية إسلامية منها مصر والأردن ، إلا أن البعض أعتبر هذه الدراسة هي مجرد استبيان لا طائل منه يعتمد على الأفكار والمعتقدات فقط.

للأسف لم يتوقف الأمر عند بعض المعتقدات والأفكار بل اقتحم الأمر أسوار الخلقة والقدرات والتفضيل منذ أن اجتمعت البشرية على توقيع اتفاقية التمييز العنصري -غير المبرمة- إلى الآن وهي سارية المفعول وقد تكون أكثر الاتفاقيات تطبيقا إلى يومنا هذا ، وما يثير الدهشة هو الإجماع على هذا الأمر بدون أي تنبيه أو خبر علني ، هو فقط هكذا ، يغري الجميع بملأ استمارة تطبيق العنصرية ، والى ألان لا يوجد سبب مقنع أو حقيقي للإجابة على سؤال: لماذا نمارس ما يسمى التمييز العنصري أو العنصرية كما يحلو للبعض؟

لم و لن نقوى تماما على محاربة التمييز العنصري ، أو العنصرية ، نحن فقط نوهم أنفسنا بالتأقلم مع الوضع السائد. لقد ترتبت على اثر هذا التمييز العنصري جرائم لا حصر لها ضد الإنسانية التي طالما حلمنا بها. فشل عارم ومستمر قامت بتأديته الشعوب والأديان كلها بتوافق لا شعوري للتصدي لهذا التمييز العنصري، نعتقد بذلك أو يؤمن بعضنا بأن هذا التمييز لا يأتي من فراغ ، وان هنالك فروق في الطبائع أو العناصر أو الخلقة موروثة و نعزوها لعرق ما ، متغافلين عن توضيح مفهوم ” ما هو العرق؟” ، ينتج عن تحديد وتعميم هذه الفروق معاملات مختلفة لمنتسبي هذه الجماعات ، تتسم غالبا بطابع وحشي لا إنساني يتخللها ذل ومهانة واستصغار لذات الفرد ، و نقوم دائما بتبرير هذه الممارسات باللجوء إلى النمطية وما كان عليه أجدادنا ، أحيانا باستخدام الدين وأحيانا أخرى بالتسلح بتلفيقات علمية. نحن ندرك أن الفروق كلها مزيفة، نافقة قد يرجع تاريخ تأسيسها إلى ملايين السنين ولكنها عبرت وسافرت من خلال الأجيال المتعاقبة لتصل إلينا، وقد نغفل دورنا الفعال بزرع بذرتها في الجيل الذي سيعقبنا ، بصرف النظر عن التمييز الذي نتبناه سواء كان جسدي أم ديني أم طبقي ولكل منها مكانته ، ولكن يبقى التمييز العنصري حاضرا لدينا بمختلف أنواعه.

وحتى لو كان الجنس البشري مكتسي بألوان الطيف السبعة ، لن يغير هذا الشيء في تطبيق العنصرية إطلاقا ، بل على العكس تماما ستكون أكثر تطبيقا وتفصيلا عن ما هي عليه الآن ، وسيكون التطبيق لها اشد وأكثر حزما.

كان من الممكن أن تظهر الطبقات المتوسطة نسيبا التي يتميز أفرادها باللون الأخضر أو أن تكون هنالك طبقة كادحة بلون برتقالي ، وكعادتنا سيكون لون الطبقة البرجوازية هو الأبيض ، والطبقة الارستقراطية سيكسوها اللون الأسود ، ولكن لما هذا التصنيف القطبي للونين الأبيض والأسود ؟

تفشي هذا الوباء ليس فقط محصورا على منطقة معينة أو بلدة محددة ، انه اكبر من ذلك بكثير، بل تحول الأمر إلى اعتقاد أو مبدأ عالمي لابد من وجوده في كل أقطار الأرض ومشارقها ومغاربها، ولا يلغي هذا الأمر وجود الدين أو الأعراف المجتمعية أو غيرها من الأشياء المانعة لهذه الممارسات بل يتخطى كل الحواجز ليظهر واضحا جليا حتى في الدول التي حاربت هذا الوباء بشتى العقاقير الفكرية والمجتمعية وحتى الامتاعية كالولايات المتحدة الأمريكية والتي لازالت تحارب عنصرية اللون.

وعلى سبيل المثال قامت الولايات المتحدة باستخدام شتى الطرق التعليمية والتثقيفية ابتداء بالتعليم و انتهاء بإنتاج الأفلام السينمائية التي تهدف إلى نبذ العنصرية والطبقية بين اللونين أو العرقين ، ومن الأشياء التي تثبت على أن الولايات المتحدة الأمريكية في مصاف الدول المتقدمة حضاريا وفكريا _إذا لم تكن الأولى _ هو تصويت الشعب وتقبله لمواطن من البشرة السمراء ليحكمهم. إذا فقد قطع هذا الشعب شوط ليس بالقليل لمحاربة واضطهاد العنصرية ، ولكن ماذا عن مجتمعاتنا ؟ هل من الممكن القبول بشخص ذو عرق اسود ليكون حاكم إحدى الدول العربية أو الخليجية؟ ، لن نتفق على ذلك ولو كانت كفاءة الشخص للحكم كفاءة عالية ، نحن نمارس في مجتمعاتنا الإسلامية التي تدعو إلى نحر العنصرية بمدية الدين والأخلاق ممارسات تثير الشفقة ، حتى في مراكز التعليم والثقافة أو في المعاملات اليومية نتلقى صفعة مدوية إذا ما رأينا في احد الفصول الدراسية طفل ذو عرق اسود يتفوق على أبناء العرق الأبيض دراسيا أو فكريا وكأنهم نسبوا إلى ذلك الفصل إلى إكمال العدد أو إلى جعل الأبناء الآخرين يبدون أفضل، ليس هذا فحسب بل توقف البعض عن ارتياد محلات ودكاكين الباعة ذو العرق الأسود لأنهم ببساطة ذوو العرق الأسود ، وقد تغلغل الأمر إلى هيكلة الدول والمناصب الإدارية ، حيث نرى أن هنالك بعض المناصب العليا لا يمكن لأصحاب بالبشرة السوداء أن يصلوا إليها، وكأنها حرمت عليهم وحللت لأصحاب البشرة البيضاء ، و ما يثير الدهشة والضحك في آن هو وصول عدوى هذا الوباء إلى الصناعات والالكترونيات خاصة، فإذا ما رغبنا باقتناء جهاز محمول جديد لابد من إضافة في السعر للون الأبيض لمجرد أن لونه ابيض ، و يكون سعر السيارة ارخص بقليل إذا كان لونها اسود أو ديكورها الداخلي اسود ، قد يلتمس البعض في ذلك الأعذار في أن اللون الأسود ماص للحرارة وغير ذلك من الحجج المستهلكة الواهية ، هو على حق تماما ، ولكنه يبقى على حق فقط في جانب بسيط جدا لا ينفع حتى إلى مضايقة أو استمالة وباء العنصرية للاذعان إلى مطالب الإنسانية.

هكذا تتحايل العنصرية على مجتمعاتنا توهمنا بأننا على وفاق تام ونحن على يقين بأننا لسنا كذلك، ماذا لو كان التقدم الصناعي والتقني والثورة الصناعية والفكرية وظهور الطبقات والمستكشفين والعلماء والأديان والسياسيين والاقتصاد العالمي والثروات النفطية بشتى أنواعها والتقدم العسكري الاستراتيجي ماذا لو ظهرت كل هذه الأشياء في قارة إفريقيا عن غيرها من القارات ، هل سيتغير معنى العنصرية ؟ هل سيكون العرق الأبيض هو السائد ؟ والسؤال المناسب : هل ستكون هنالك عنصرية ؟

لنردد هذه الأسئلة على مسامعنا ولنقصد دكاكينهم ولنجلس أطفالهم في مقدمة الفصول الدراسية ، قد نكون بذلك ساهمنا ولو بالقليل في غرز بعض الإبر السامة في قلب العنصرية تمهيدا للقضاء عليها بالضربة القاضية.

الثالث والخمسون ثقافة وفكر

عن الكاتب

أمجد سعيد