“إنقاذ اللغة … إنقاذ الهوية”

كتب بواسطة بهجت صميدة

في كتابه القيم الصادرعن الهيئة المصرية العامة للكتاب “إنقاذ اللغة.. إنقاذ الهوية” يحرص الدكتور/ أحمد درويش على تناول قضية اللغة العربية برؤية متسعة يحاول رصد عدد من المعوقات في سبيل انتشارها وازدهارها ويعرض عددًا لا بأس به من النماذج اللغوية عبر عصور ومواضيع مختلفة في محاولة للتدليل على اتساع اللغة وقدرتها على مواكبة جميع مناحي الحياة ويحدد في النهاية وجوب تحديد مستويات ثلاثة للغة ولمتعلميها لضمان دقة وجودة التعليم.

    يبدأ في التمهيد بالحديث عن (التراث العريق واللغة المتجددة) مؤكدًا عراقة اللغة العربية:

«ليس من المبالغة في شيء القول بأن اللغة العربية واحدة من أعرق لغات العالم تراثًا إن لم تكن أعرقها وتلك شهادة لا يمارى فيها الأعداء ولا ينبغي أن يسكت عنها الأولياء»

حيث يؤكد أن “الألفا بتيا” اللغة اليونانية مشتقة من أول حرفين في اللغة العربية (الألف والباء) ص5 ومعظم “Alphapetisme” اللغات الحية تطلق على علم القراءة والكتابة كلمة الألفباتزم 

وعراقة اللغة العربية موضع تسليم بين الدارسين لكن ذلك لا يعني أنها مقدسة.

وفي فصل (اللغة والهوية) يؤكد على أهمية اللغة «فالدور الذي تلعبه اللغة في حياة الفرد والجماعة يتجاوز بكثير مجرد كونها أداة ناقلة ومجسدة لما يدور في الذهن من معان مجردة، يراد لها أن تنتقل من مرحلتها التجريدية إلى مرحلة التجسيد لتنقل الرغبة أو الأمر أو النهي أو الرجاء أو تفتح باب التواصل أو الحوار» ص 14

ويثمن المؤلف خطوة “تعريب الدواوين” التي تمت في عصر عبد الملك بن مروان لدلالتها على الجهود المخلصة والخطط العلمية المحكمة لتأكيد الهوية المبنية على أساس اللغة ليصل به الأمر إلى المطالبة بجهود مثلها في عصرنا الحديث:

«ليس أمامنا مفر إذن من العودة إلى إدراك أهمية الربط بين اللغة والهوية وإدراك أن المحافظة على إحداهما محافظة على الأخرى» ص28.

ويستشهد الكاتب بالجهود المنظمة للغة الفرنسية لإنعاش مصطلح “الفرانكفونية” وإقامة مؤتمرات وتشكيل مؤسسات فعّالة لحماية اللغة الفرنسية بينما يتعجب المؤلف من أن المسئولين العرب هم أكثر الناس تطوعًا بالتخلي عن حقهم وحق لغتهم عليهم حين يتكلمون باللغات الأجنبية في المحافل الدولية.

ثم يعرض المؤلف لإحياء اليهود للغة العبرية من الموت -وليس فقط من الضعف- لتمثل هوية الأشخاص من مائة دولة يتحدثون ثمانين لغة وكأنه يستحث العرب ويستنفرهم لإنقاذ لغتهم/هويتهم.

ويتوقف المؤلف في الفصل الثاني “فخ القطيعة مع الماضي” عند بعض الأخطاء التي وقع فيها بعض المتهمين باللغة العربية الداعين للحفاظ عليها مثل مناقشة لعنوان كتاب:

“لتحيا اللغة العربية: يسقط سيبويه”

ثم يتناول في الفصل الثالث: “تحديد أبعاد المشكلة اللغوية” حوارًا حول بعض الأفكار الرئيسية لكتاب “لتحيا اللغة العربية: يسقط سيبويه” الشريف الشوباشي وما فيها من اضطراب -من وجهة نظر د/ أحمد درويش – مثل تقليص مساحة القضية الرئيسية للكتاب في ثلاث عشرة صفحة فقط ثم الحديث عن قضايا فرعية بشكل موسع مثل “عالمية اللغة” “قداسة اللغة العربية” “موقف العربية من المسبحين” و” الشيزوفرانيا اللغوية والتحنيط اللغوي” وغيرها.

ويواجه د/ أحمد درويش ما لم يرض عنه من مقولات شريف الشوباشي

ويدافع د/ أحمد درويش عن اتهام “تحنيط اللغة” بذكر الوسائل التي تعرفها اللغة لاستيعاب الجديد مثل “الاشتقاق والنحت والتعريب والقياس اللغوي” ثم يركز جهوده في الدفاع عن مرونة اللغة العربية وحيويتها بعد عرضه لنماذج من عصور العربية المختلفة (للتوحيدي، والجبرتي، وصلاح منصر، ورجاء النقاش، وفهمي هويدي، وفاروق شوشة، وحسن المستكاوي، وسلامة أحمد سلامة، وأحمد رجب، وأنيس منصور، وشريف الشوباشي) ليقول في نهاية عرضه لهذه النماذج:

«هذه النصوص التي أوردناها تؤكد على القدرة الهائلة التي تظهرها العربية الحديثة من خلال لغة الصحافة والكتابات المعاصرة بصفة عامة والتي تثبت أنها لغة أبعد ما تكون عن أن توصف باللغة المحنطة وأقرب ما تكون إلى اللغات المتطورة التي تحافظ على العناصر الرئيسية للمكونات اللغوية التي لا تقف حائلاً دون تطور العناصر الجزئية» ص 90

مثل تغيير مدلولات بعض الألفاظ مثل: “قطار” و”مسرح” وهجران بعض الألفاظ مثل: “خرّارة” بمعنى نافورة.

ويلوم المؤلف علماء النحو واللغة المعاصرين لعدم اهتدائهم إلى خطة شاملة لتطوير اللغة العربية.

ويحتل فصل “اللغة القومية وتوطين العلم” مساحة مهمة من الكتاب يؤكد فيه

«أن اللغة تحتل بعدًا شديد الأهمية في التكوين العلمي الفردي والجماعي للأمة ولا يقف دور اللغة في تلقي العلم أو توصيله عند مجرد دور الأداة الناقلة أو القناة الموصلة التي تعبر خلالها المعلومة إرسالاً واستقبالاً، وإنما يمتد دور اللغة ليشكل ضفيرة قوية مع المعرفة ومع الهوية تتبادل فيما بينها وسائل التغذية والتنمية» ص 97

ويحرص المؤلف خلال هذا الفصل على توضيح قدرة اللغة العربية على نقل العلوم كما فعل العلماء العرب القدماء الكبار كالبيروني وابن سينا والمسعودي وجابر بن حيان والحسن بن الهيثم وبهاء الدين العامي وعلي بن رضوان وغيرهم.

وفي مواجهة رافضي تعريب العلوم يُذكِّر المؤلف بما فعله محمد بن علي من الجمع بين “التحديث” و “التعريب” في وقت واحد، ويطالب الكاتب بعدم تعليم أي لغة أجنبية قبل أن يتمكن الطفل من تعلم لغته الأم في نهاية المرحلة الابتدائية -كما يفعل كل العالم- كما يطالب بتعليم العلوم باللغة العربية ويستدل بنجاح د/ أحمد زويل ووصوله إلى أعلى الدرجات العلمية في العالم مع أنه درس باللغة العربية حتى نهاية المرحلة الجامعية.

وفي الفصل الأخير المهم بعنوان “الفصل في المستويات” يوضح الكاتب الخطأ الذي نقع فيه حين نقدم اللغة باعتبارها كتلة واحدة أو مستوى واحد يمتد رأسيًا أكثر من خمسة عشر قرنًا وأفقيًا إلى جميع المتعاملين بها من الفلاح والعامل الفني والمحاسب والمهندس والطبيب والمحامي والصحفي والأديب وصولاً إلى عالم النحو والمتخصص في اللغة، ويتناول طبيعة العلاقة بين اللغة العربية وعامياتها مؤكدًا أن العاميات ليست نقيضًا للعربية وليست في الوقت ذاته بديلها وإنما العلاقة علاقة تندرج في تفاوت لغة الكتابة عن لغة الكلام.

ويوضح الكاتب تشابهًا في كثير من الأساليب والمفردات بين الفصحى والعامية من حيث شبكة الضمائر وحروف الاتصال وظروف الزمان والمكان وأركان الجملة والبنية الخبرية أو الإنشائية والتذكير والتأنيث والنفي والنهي والإثبات وغيرها كثير وأن الأمر ليس تناقضًا بقدر ما هو مستوى من مستويات اللغة المتعددة.

وطالب المؤلف بتقسيم المستويات الأفقية للمتعلمين إلى:

المتعلم العام: وهو كل من يحتاج إلى اللغة العربية ليلبي مطالب الاتصال الحياتية ممن يجتازون التعليم الأساسي ويتعمقون في التعليم الفني أو الرياضي أو التجاري أو العلمي مثل الأطباء والمهندسين والكيميائيين والمحاسبين وأصحاب الأعمال الحرة وهؤلاء يحتاجون إلى مستوى بسيط

المتعلم الخاص: وهو المستوى الثاني من مستويات تعليم اللغة العربية وهم الذين يتقدمون إلى التخصص في فروع المعرفة الإنسانية التي ترتكز على اللغة ارتكازًا رئيسيًا في أداء وظائفها دون أن تكون اللغة ذاتها موضع دراستها أو تخصصها مثل المتخصصين في الإعلام والقانون والدراسات الاجتماعية والنفسية والتاريخية.

المتعلم المتخصص: وهذا هو المستوى الذي يندرج تحته المتخصصون في اللغة العربية من الأساتذة والمدرسين والباحثين والمراجعين وهم من يمكن أن نطلق عليهم حراس اللغة العربية ويطالب المؤلف بإعادة النظر في طريقة اختيارهم وإعدادهم سواء في التعليم العام أو الأزهري

وكذلك يطالب المؤلف بإعادة النظر في طريقة تقديم المادة اللغوية التي تستخلص منها القواعد بما يناسب المتلقين ويؤكد المؤلف أننا أمام فصحيات متعددة متدرجة متداخلة وليست فصحى واحدة.

ويطالب الكاتب بوضع ثلاث مستويات لغوية رأسية مناسبة لمستويات المتعلمين الأفقية وفي الخاتمة يوضح الكاتب انحسار الحرف العربي من كثير من لغات دول أوربا وآسيا وإفريقيا التي كانت تكتب بالحروف العربية كالتركية والسواحلية والجمهوريات السوفيتية.

ويطالب بالمحافظة على اللغة العربية بخطط واضحة وأهداف بعيدة مرئية يقول:

«ينبغي في أضعف الإيمان ألا نشارك بأيدينا في هدم ما بقي من الجدران التي تؤوينا دون سواها ولكن ذلك لا يمنع أبدًا من تجديدها إذا تصدعت وتدارك الآيل منها قبل السقوط وتعديلها لكي تستجيب لحاجات العصر الذي نعيشه». ص 157

أدب

عن الكاتب

بهجت صميدة