الأخلاقيات في الفلسفة الرواقية

كتب بواسطة فاطمة الشباني

الرواقية في صميمها مذهب أخلاقي. فلا رواقية حيث تكون الأخلاق معطلة. وقد يتنازع الرواقيون فيما بينهم على كثير من مسائل الفلسفة، والواقع أن الخلاف قد احتدم بين شيوخهم الأولين في أكثر من موضع من المنطق وفلسفة الكون، لكن هذه أمور قد تكون عرضية بالنسبة إلى الجوهر في الفلسفة الرواقية: فقد لا يجد الرواقي حرجا في أن يعتنق في مثل هذه المسائل الرأي الذي يشاء ما دامت نتائج نظره من حيث الأخلاق واحدة مصونة ليس إلى المساس بها سبيل.

الميول الطبيعية:

أول ما يبدأ به الرواقيون نظرهم في الأخلاق هو أن يبحثوا عن الميول الطبيعية، فيتساءلون ما موضوع النزعات الأولى للموجودات، أي ما الفطرة التي فطر الله الموجودات عليها؟ وهم يجيبون على هذا السؤال بأن الميول السابقة على الإرادة والروية، والتي يشترك فيها الإنسان والحيوان على نوعين: ميول تنزع إلى حفظ الفرد نفسه، وميول تنزع إلى حفظ الجماعة التي ينتمي الفرد إليها. فكل موجود حي إنما هو يملك في الأصل بنيته الخاصة وله شعور بها. ومن أجل ذلك كان دائم البحث عما يلائمها وعما لا يلائمها. ومن قال إن اللذة هي أول ما ترغب فيه الموجودات فقد أخطأ، إنما تحصل اللذة للموجود حين يجد ما يتفق مع بنيته. والخير لكل موجود هو موافقته طبيعته الخاصة.

الحياة الملائمة للطبيعة:

وموافقة الطبيعة عند الإنسان عبارة عن الحياة وفاقا للعقل. والعقل هو الجزء الرئيسي فينا الي يقوم ماهيتنا بما نحن ناس. ويلزم عن ذلك أن الحياة وافقا للطبيعة هي الحياة وفاقا للعقل. لكن الإنسان حين يحيا وافقا للعقل، لا يكون موافقا لنفسه فحسب، بل يكون موافقا لمجموع الأشياء أي للكون بأسره: لأن العقل لا يختص بالإنسان وحده، بل هو أيضا من خصائص الوجود الكلي، أي من خصائص الكون. والعقل الإنساني ليس إلا جزءا من العقل الكلي الشامل؛ فبالعقل نحيا على وئام مع أنفسنا، كما نحيا على وئام مع العالم أجمع.

وهذا هو معنى العبارة المشهورة التي قالها زينون “الحياة وفقا للطبيعة” معناها أولا أن الإنسان ينبغي عليه أن يعيش على وفاق مع الطبيعة، أعني على وفاق مع العقل. ولكن لها فوق ها معنى آخر : وهو أن الإنسان حين يحيا وفقا للعقل إنما يحيا وفقا للقانون الكبير الذي يحكم العالم. وخير الإنسان وسعادته عبارة عن الحياة وفاقا للطبيعة الكلية.

موافقة العقل الصريح: لقد عرف الرواقيون الفضيلة بأنها “العقل الصريح” أي العقل الكامل السليم الي يظل دائما متسقا مع نفسه. وينتج عن “العقل الصريح” حياة متسقة مع نفسها. والرجل الفاضل الحكيم الي تسير حياته كلها وفقا للعقل الصريح إنما يحيا وفقا للطبيعة الخاصة ووفقا للطبيعة العامة؛ وهو مواطن حقيقي من مواطني العالم: فهو يقبل طوعا كل ما يأتي به القدر من أحداث، حتى المصائب والنكبات، معتقدا أنها داخلة في النظام الكلي والقضاء الإلهي والرجل الخبيث على لك تماما تجده على خلاف مع نفسه وعلى خلاف الموجودات جميعا وهو أجنبي في المدينة العظمى، خارج مجموع الأشياء كلها.

فن الحياة:

إذا عرف الإنسان طبيعته وطبائع الأشياء استطاع أن يحدد موقفه منها. والإنسان بحاجة قبل كل شيء إلى أن يعرف كيف يحيا حياة فاضلة. وإنما الحكمة هي التي تكفل تلك المعرفة. والحكمة لا تخالف الطبيعة، بل هي أولى بأن تكون موافقة للطبيعة. والحكمة فن من أصعب الفنون: إذ هي ترشدنا إلى ما ينبغي أن نصنع لا بشيء معين، بل بالأشياء على وجه العموم. ومن الممكن أن تعرف الحكمة إجمالا بأنها فن الحياة.

وسبيل الحياة حياة فاضلة أن يكون المرء دائما واثقا في أفعاله. فيجب أن يتخ لنفسه في حيته موقفا مقررا ومسلكا واحدا ثابتا لا يتبدل. وأمثل السبل للك أن يتصرف في الأشياء وفقا لحكم العقل.

السعادة بأيدينا: طمح الناس منذ القدم إلى السعادة في الحياة، وبحثوا عن السبيل إلى إدراكها خالصة مستقلة عن الطوارئ والظروف الخارجية. وفكر الفلاسفة فيما إذا كان الإنسان يستطيع حقا بمحض قواه وملكاته أن ينال هذه السعادة، فيبرأ من الشرور التي تساور حياته الباطنية، كالخطأ وزعزعة الإيمان والأسف والندم والحزن والجهل، ومن الشرور الخارجية كالفقر والرق والمرض والبؤس والإهانة والأذى والتشهير.

وقد عالج الرواقيون هذه المشكلة، فانتهوا إلى حلها عقليا نجمله فيما يلي: قالوا إن سعادة الإنسان لا تخضع للظروف التي تحيط به، وإنما تتوقف على حالة في النفس للإرادة سلطان عليها. فليست الأشياء الخارجية هي التي تؤثر بذاتها في وجودنا الباطني، وإنما المؤثر الحقيقي هو استعدادنا النفسي الي يجعلنا نحيا في هذه الظروف ونحكم عليها أحكاما تقويمية، أعني أن نصفها بالحسن أو القبح، بالخير أو بالشر إلخ.

وإذن فأحكام القيم التي نطلقها على ما له مساس بحياتنا هي التي تكيف ظروفنا الاجتماعية، فتجعلنا نشعر فيها بالسعادة أو بالشقاء، بالراحة أو بالتعب. فإذا كان للإرادة سلطان على أحكامنا، وكانت السعادة منوطة بهذه الأحكام، فالسعادة هي إذن شيء باستطاعة كل فرد منا إذا أمكنه أن يحرر نفسه من أوهام الأحكام.

جامعة إنسانية:

قد يؤخذ على أفلاطون وأرسطو في مهب الأخلاق أمران: أولهما أن هين الفيلسوفين أخضعا الفرد للدولة، وأنكر بذلك حق الإنسان في الحرية الشخصية. وثانيهما أنهما لم يعرفا من روابط الصداقة والعطف إلا ما يكون بين المواطنين من أهل المدينة الواحدة، ولم يعمما صفة الإنسانية تعميما تتخطى به حدود المكان والزمان.

ولما جاء أصحاب الرواق كانت لهم مهمة أخرى: حاولوا القضاء على تلك العصبية، وخطوا في هذه السبيل خطوات جديدة، فأحلوا “الإنسان” محل “المواطن” أعني أنهم مالوا إلى اعتبار الإنسانية أسرة واحدة أعضاؤها أفراد البشر عامة أيا كانت نحلهم وألسنتهم وبلادهم.

تلك هي “الجامعة الإنسانية” التي نادى بها أصحاب الرواق في العصر القديم. وتذهب تلك الوحدة العالمية إلى القول بوجود رابطة أخلاقية وثقى تربط بين الآلهة وبين بني الإنسان. ذلك أن أهل الرواق كانوا يعتقدون أن روح الإنسان لا تختلف في جوهرها عن “عقل الكون”.

ولما كان الإنسان مخلوقا قد أعدّ للاجتماع والعمران، فقد وجب على الناس أن يكونوا إخوانا، وأن يؤلفوا فيما بينهم ما يسميه الرواقيون “مملكة العقل”، وهي مملكة تشكل أفراد الإنسانية جميعا، باعتبار أنهم أوتوا نصيبا واحدا من العقل وأنهم مهيؤون للفضيلة. وإذن فالدولة المثالية عند الرواقيين لا تعرف حدودا ولا فروقا؛ بل هي “مجتمع عقلي” يضم البشر أجمعين: وإن شئنا القول فهي إمبراطورية مثالية واسعة الأطراف. لكن يجب ألا يخيب عن بالنا أن الرواقيين لم يريدوا بهذه الإمبراطورية الواسعة أن تكون قوة سياسية ات كيان مادي، بل أرادوها جامعة روحية تقوم قبل كل شيء على وحدة المعرفة والإرادة. والحق أن فكرة “الجامعة” هذه لم تكن لها أول أمرها علاقة بالسياسة مطلقا: إذ المدن الإنسانية الواقعية تقتضي بين البشر فروقا وضروبا من التفاضل وعدم المساواة،

في حين أن “المدينة الفاضلة” أو “المدينة الإلهية” – في نظر أصحاب الرواق- إنما هي مجتمع تحل فيه الوحدة العقلية محل الوحدة السياسية، وتقوم فيه المحبة بين الناس مقام القانون.

على أن الجامعة الرواقية، إن لم تكن تصبو إلى التأثير على الأنظمة القائمة تأثيرا مباشرا، فقد أتيح لها مع ذلك على مر الزمان أن تحدث آثارا بعيدة المدى: فقد استطاعت أن تلقى طابعا قويا على فكرة القانون عند الرومان، وبقيت عند مشرعيهم مصدر إلهام، كما استطاعت أن تؤثر في توجيه الدعوة المسيحية إلى المحبة والرحمة، وأن توحي إلى جام جاك روسو وفلاسفة القرن الثامن عشر في فرنسا نظراتهم عن إخاء بني الإنسان وحقوقهم في الحرية والمساواة.

خلاصة القول، إن الفلسفة الرواقية جديرة بأن تدرس دراسة عميقة لما فيها من أفكار مهمة جدا، خاصة ونحن نعيش في عالم مليء بالاضطرابات، فيمكننا بواسطة الفلسفة أن نساهم فيما يخدم الإنسانية.

فلسفة

عن الكاتب

فاطمة الشباني