الاقتصاد والأخلاقيات التطبيقية

مقدمة:

يعتبر الاقتصاد حقلا ً خصبا ً لاختبار المعايير البشرية المختلفة، وتحديدا ً الجانب الأخلاقي، وما يتفرع عنه من مدارس ومناهج ونظريات تضع الفعل البشري في الصدارة لمعرفة دوافع ومحفزات وتحيزات هذه الأفعال والسلوكيات دون تلك. فالاقتصاد علم تطبيقي، مثل الطب أو الهندسة والكثير من العلوم المختلفة، وبالتالي من الضروري أن تتسم الأفعال والسلوكيات بُبعد أخلاقي وليس نفعي فقط بالرغم من أهمية ذلك. وبالرغم من أن العلوم الأخرى كالطب مثلا ً تحتاج للكثير من العلوم المختلفة، كعلم النفس، التشريح، الكيمياء الحيوية، والذكاء الاصطناعي وغيرها من العلوم المتداخلة، فإن الاقتصاد يحتاج لعلوم ٍ أخرى مهمة كالإحصاء والتاريخ والسياسة وعلم الاجتماع وغيرها. غير أن كل هذه العلوم مهما اختلفت تحتاج لجانب ٍ أخلاقي يثير أسئلة حول القيم البشرية المطلوب أخذها في الحسبان من جهة، وعدم انفلات هذه العلوم من هذه القيم من الجهة الأخرى، بما يمنعها من التوحش.

في هذا السياق، تستكشف هذه الورقة التحديات التي تواجه الأخلاقيات التطبيقية Applied Ethics بحد ذاتها من جهة، والتحديات والجهود المبذولة في الأخلاقيات التطبيقية في الحقل الاقتصادي من جهة أخرى. وذلك بهدف تطعيم هذه التحديات والجهود عند القيام بأي فعل بشري سواء ً أكان ينتمي للجانب الاقتصادي أو غيره برؤية فلسفية أخلاقية لم يعد من الممكن تجاهلها أو عدم أخذها بعين الاعتبار بالرغم من التداخل الكبير بين العلوم والمساحات المتحركة للفعل البشري.

  1. تحديات الأخلاقيات التطبيقية:

من المعلوم في المقام الأول بأن الأخلاق مبحث فلسفي ليس بجديد، بل يجر معه التاريخ البشري بأكمله، غير أن هذا الحقل خضع مؤخرا ً لتحديات كثيرة، وأعداء كثُر أيضا ً، وبشكل خاص من أخلاقيات الطب الحيوي biomedical ethics التي لا نتحدث عنها هنا. من ضمن التحديات النظرية التي تواجه الأخلاق بشكل عام هي التطورات العلمية المتسارعة التي أعادت السؤال الأخلاقي للصدارة من جديد، ولكن هذه المرة ليس من مصدر واحد، بل بناء ً على خلفيات مختلفة، مشتركة ومتعارضة في الكثير من الأحيان. علاوة على ذلك، لم تقتصر الأسئلة الأخلاقية على حقل ٍ واحد، بل تكاثرت الحقول المعرفية المختلفة التي تبحث عن سند أخلاقي، ودعم فلسفي بشكل ٍ مستمر، فهناك أخلاق التواصل، وأخلاق السياسة، الأخلاق اليومية، أخلاق التعامل مع الحيوانات، أخلاق المعلوماتية الحيوية Bioinformatics and Ethics، أخلاقيات حقوق الإنسان، وغيرها الكثير من المجالات التي تتزايد بشكل ٍ مستمر.

في هذا السياق، هناك عدد كبير من التحديات التي تواجه الأخلاقيات التطبيقية، وهي تكمن في عمق السؤال الأخلاقي بشكل ٍ عام، ومرتبطة بها. تعتبر النسبية Relativism، من أهم التحديات التي تواجه اتخاذ موقف أخلاقي متقارب تجاه الأفعال البشرية. فالجانب الثقافي له سلطته الكبيرة على النصوص والسلوكيات الفردية والجماعية، فهو يحدد إلى حد ٍ كبير هذه الأحكام، بعيدا ً عن المصدر الديني أو القانوني للكثير منها. فقضايا مثل القتل العمد، وتعدد الزوجات، وقضية كبار السن، والإجهاض من القضايا التي نوقشت كثيرا ً بين الثقافات المختلفة من جهة، وضمن الثقافة الواحدة من الجهة الأخرى. غير أننا نجد ما يشبه الإجماع الأخلاقي تقريبا ً حول أن “قاعدة القتل غير المبرر خطأ”([1]).

بالإضافة لذلك، نجد أن الذاتية Subjectivism، تضع الموقف الأخلاقي في سجن الفرد، وتقييمه الشخصي، بعيدا ًعن الجانب الموضوعي الخارجي. وبناء ً على هذا الموقف، “لا يتعلق الموقف الممانع للقتل الرحيم على الإطلاق، بل يتعلق بمشاعر المتنازعين ومواقفهم. وكتحد ٍ للأخلاق التطبيقية، تحرم الذاتية عالم الأخلاق من موقف بين الذات يمكن من خلاله تقييم الفعل أو إبداء المشورة”)[2].(في هذا السياق من المثير أن المواقف الأخلاقية للأفراد غير ملزمة للآخرين، كما هو الحال في الجانب القانوني. ذلك أنه لا توجد محاكم أخلاقية يلجأ إليها الفرد. كما أن الأذواق والآراء الشخصية متغيرة بشكل ٍ سريع، فمن الممكن أن يؤازر (A) من الناس توجها ً ذوقيا ًوجماليا ًمحددا ً، في حين أنه بعد فترة نجده يعترض على هذا التوجه. “ففكرة أن الأحكام الأخلاقية هي مجرد مسائل ذوق لا يبدو أنها تعكس الميزة الجوهرية للأحكام الأخلاقية”([3]).

في مقابل النسبية والذاتية اللتان تمثلان تحديا ً كبيرا ً للحُكم الأخلاقي، نجد أن الجانب العقلي للفرد من الممكن أن يعزز الأخلاقيات التطبيقية، ويساهم في ازدهارها. فمنح ” العقل دورا ًمركزيا ً يسمح لنا، على الأقل في الخطوط العريضة، بإعطاء تفسير لما يجب أن يكون صحيحا ً لهذا الموقف أو ذاك، أو إذا كان يجب اعتباره موقفا ً أخلاقيا ً أم لا”. ([4])

فالعقل بهذا المعنى، يعُتبر قيدا ً، أو كابحا ً أو بمعنى أصح منُظما ً للرغبات الذاتية والأحكام النسبية العمومية. حيث أنه يطلب المزيد من الاتساق consistency بين الأفعال البشرية المختلفة. فلكي يحدث الاتساق من الضروري أن تكون الأسباب الداعمة في مسار فعل واحد هي نفسها في المسارات الأخرى، مما يعني عدم وقوعها في التناقض الذي يتعامل مع كل حدث ٍ بمبادئ مختلفة. وهذا من الممكن ملاحظته في الكثير من الأمثلة كالتعامل مع الجانب الاقتصادي وتغليب المنفعة الشخصية عندما تكون مفيدة لمصلحة الفرد، ورفضها عندما تكون لمصلحة أطراف ٍ أخرى تحت حجج ومسوغات أخلاقية.

غير أن هذه العوامل المختلفة تواجه في السلوكيات اليومية للفرد بالخبرات الأخلاقية Ethical Expertise، التي تُمكن الفرد بعيدا ً عن الجانب النظري والمعياري للأخلاق، من التعامل مع الأحداث المختلفة لتجنبه المغالطات والمتناقضات، بناء ً على تحليل المفاهيم، بهدف تقييم الحجج المختلفة والمواقف التي يقع فيها المرء. حيث أن هذه الخبرة الأخلاقية تتطلب معرفة جيدة بالنظريات والمبادئ الأولية والتي أصبحت في جزء ً كبير منها ضمن الحس البشري والأخلاقي المشترك. كما تُمكنه أيضا ً من إيجاد الحلول المختلفة للمشاكل التي يواجهها المرء والمتسقة مع هذه المبادئ الأخلاقية، بما يتناسب مع السياق المطروح. وهذا يعني ضرورة معرفة تفاصيل السياق كاملة لوضع حلول أخلاقية من الممكن تطبيقها بما تتناسب مع العوامل والتحديات الآنفة الذكر. وهو ما يجعلنا نأخذ البُعد الاقتصادي كدراسة حالة Case Study حول إمكانية تطبيق هذه المعايير ووضعها في الجانب العملي اليومي، والاهتمام بشكل متزايد بأخلاقيات العمل والآثار المختلفة لذلك.

  •  أخلاقيات العمل والمنفعة الفردية:

بعيدا ً عن التمسك بالمعايير والنظريات التي لا تنتمي للواقع، أو التي لا تستجيب لمتطلبات الحياة اليومية، والتي تُشكل في هذا السياق معضلة أخلاقية Ethical Dilemma، وهي تعني وقوع الفرد في “موقف يتطلب اتخاذ قرار حيث يوجد توتر بين قيمتين أخلاقيتين أو أكثر. فالأخلاق تهتم بدراسة الصواب والخطأ، وتحديدا ً ما هي السلوكيات التي تعتبر صوابا ً وخطأ في المجتمعات المختلفة”([5]). فإن الالتفات نحو أخلاقيات العمل Business Ethics أصبح ضروريا ً جدا ً، وذلك للأثر الكبير الذي يتركه التمسك بهذه الأخلاقيات ليس على الفرد فقط، بل على بيئة العمل، وجودة الحياة في نفس الوقت. يمكن تعريف “أخلاقيات العمل على أنها التداول حول اتخاذ القرارات وتبرير القواعد والقرارات المحددة فيما يتعلق باتخاذها في الأعمال التجارية”([6])، وهي تهدف للمحافظة على الكثير من المسؤوليات، ومن ضمنها المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية للمؤسسات التجارية التي ترتبط بشكل ٍ وثيق بمسؤوليات قانونية، اقتصادية، أخلاقية، وحتى اجتماعية.

فهذا التمسك لا يساهم في استمرار ولاء العميل للمؤسسة التجارية فقط، بل يساهم بنسبة كبيرة في التماسك الاجتماعي بين الأفراد، بالرغم من وجود المؤسسات القانونية والقضائية المختلفة التي من الممكن أن تحفظ حقوق الأفراد والمؤسسات في هذا المجال. كما أن التمسك، وبشكل ٍ خاص في المجتمعات التقليدية، يعكس الجانب الاجتماعي لتربية الفرد، ويؤثر على الجوانب الشخصية التي ترتبط بعلاقات معقدة مع الآخرين.

بالإضافة لذلك، يساهم التمسك بهذه القيم في تعزيز الثقة المتداولة بين أفراد المجتمع الواحد، وذلك كما ذكرنا سابقا ً، بعيدا ً عن الجانب القانوني الملُزم للأفراد والمتمثل في العقود والاتفاقيات الرسمية وغيرها، حيث أن الثقة تعتبر في الكثير من الأحيان عاملا ً مهُما ً من عوامل بقاء وتطور الجانب الاقتصادي والقيمي للمجتمع. فهي في الكثير من الأحيان تساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية بين المتعاملين بعيدا ً عن الجوانب الرسمية والرقابية.

غير أن نزعة المنفعة الفردية، وتغليب المصلحة الشخصية، وتعاظم الأنانية الخاصة، كل هذه العوامل تساهم في تهديد هذه القيم المجتمعية التي تسعى الاتفاقات البشرية الدينية والاجتماعية وغيرها لترسيخها، وتعزيزها في المجتمعات، وبشكل ٍ خاص في التقليدية منها. فالمجتمعات الحديثة، تلك التي لا تقوم على البُعد الاجتماعي بشكل ٍ كبير، تدخل في مرحلة عميقة ومستمرة من التعاقد واللجوء للمؤسسات الرسمية، وهذا يعني بأن الجانب التطبيقي العقلاني الذي يتخذ قرارات واعية، ويسعى لتنفيذها والتمسك بمصداقيتها، يتخذ دورا ً حاسما ً في هذا الجانب.

فالجانب الأخلاقي لا يزدهر في ظل انعدام الاستقلالية الفردية، حيث أن هذه الاستقلالية ترتبط بشكل ٍ وثيق مع ما أصطلح عليه في النظرية السياسية مع روسو ورولز “بالاستقلال السياسي الذي يعني خضوع المواطنين لقوانين مبررة بأسباب مقبولة لهم، علاوة على أنها مرخصة وتم الإقرار بها عن طريقهم، وذلك بشكل ٍ جماعي على أساس الحرية والمساواة، عبر مؤسساتهم السياسية”([7]).  بهذا المعنى، فالأخلاق ترتبط بالاستقلالية الفردية لحد ٍ كبير، وهي تعني في هذا السياق اختبار المعايير الأخلاقية التي تتحكم في الفرد من جهة، ووضع هذه المعايير ليس أمام التجربة والمنفعة فقط، بل أيضا ً أمام القيم الأخلاقية للآخرين، الذين يتفقون على معايير معينة، سواء ً أكانت دينية أم أعرافا ً اجتماعية، في حين أنهم يختلفون حول تطبيق هذه المعايير ليس بما يراعي النصوص فقط، بل بما يراعي المنفعة العامة وجعل الحياة البشرية تتسم بالحيوية والديناميكية.

خاتمة:

تختلف الأخلاقيات التطبيقية عن الجانب التقليدي من الأخلاق في جانب جوهري من الضروري توضيحه. فبالرغم من أن أنه في الحالتين نجد أن السلوك البشري يتحدد بناء ً على معايير ومُثل، غير أن الجانب التطبيقي للأخلاق يسعى لاختبار مدى ملائمة هذه المعايير للسلوكيات البشرية المتغيرة حسب السياقات من جهة، وعدم وقوفها كعقبة أو كتحد ٍ أمام المصلحة البشرية المتغيرة هي الأخرى من الجانب الآخر. فهذه المعايير تُمثل مرجعية ضرورية للفعل، غير أنه لا يمكن الوقوف أمامها والالتزام بخطوطها العريضة وتفاصيلها الصغيرة دونما وجود جانب تطبيقي يُعزز حضورها في سلوكيات الفرد اليومية، بل وتصبح هذه السلوكيات هي الجانب التجسيدي لهذه المعايير بما يعنيه من التزام أخلاقي، واستقلالية عقلية في نفس الوقت.


[1]) Encyclopedia of Applied Ethics, Ruth Chadwick, Dan Callahan,  Peter Singer, Academic Press; 2nd edition, 2011.  

[2]) Ibid, page: 168.

[3]) Ibid.

[4]) Ibid.

[5]) Ibid, P: 208.
[6]) Ibid, P: 365
[7]) Public Reason and Political Autonomy: Realizing the Ideal of a Civic People, Blain Neufeld, Routledge; 1st edition, 2022, Page