البُعد الاستشرافي في رواية عاموس كينان “الطريق إلى عين حارود”

كتب بواسطة سمير أحمد الشريف

“الطريق إلى عين حارود” واحدة من الروايات العبرية التي تُحاول نزع ثوب القاتل عن الإسرائيلي، وتحويل الاحتلال إلى مسألة وجود، اعتقد الإسرائيلي أنه سيجد حلا لها في فلسطين، لكنه اصطدم بالواقع المرير القاسي، بوجود سكان لهذه الأرض واكتشاف أنه دخيل محتل.

تعيدنا الأحداث والمواجهات  الحالية في معركة طوفان الأقصى، إلى الأدب العبري، بخاصة أدب النهايات، والذي تتناول نصوصه  الانهيار الحتمي للكيان الصهيوني، فحجم  التظاهرات التي شهدها الكيان  شملت غالبية  القطاعات، وهو الحدث الأول من نوعه منذ اصطناع  إسرائيل التي دأبت على ترويج ذاتها أمام حكومات وشعوب العالم، دولة الحرية والديمقراطية وقبول الرأي الآخر، وقد أثبت الواقع اتساع  وعمق هشاشتها، إذ كيف  يستوي في العقل والمنطق، الديمقراطية المزعومة للكيان المغتصِب، في الوقت الذي يُمارس فيه الكيان كل محاولات الخلاص من الفلسطيني المنزرع في أرضه ؟

“الطريق إلى عين حارود”، للروائي الإسرائيلي آموس كينان (1927- 2009) ، أحد الأعمال التي اشتغلت على هذه الفكرة، وهي تتناول حقبة متخيلة، يقع فيها انقلاب عسكري في إسرائيل، تنتشر على أثره الفوضى والنزاعات والاغتيالات، ويسيطر فيها العسكر على كل شيء، وتقرر الشخصية الرئيسية المحورية في الرواية، الفرار إلى منطقة (عين حارود)، المنطقة التي رآها البعض تحريفا للموقع التاريخي الذي جرت فيه المعركة الخالدة “عين جالوت”، حيث يتكشف وهن الحلم الصهيوني، ما بين الهرب إلى أرض الميعاد والوصول لعين حارود.

يلتقي بطل الرواية خلال رحلته  بفلسطينيّ عربيّ ،يثق به، ويترافقان، في إشارة غير مباشرة من المؤلف، تُلمّح لإمكانية التعايش – ردا على ما يُثار حاليا من طروحات صهيونية، بالسعي ليهودية الدولة –  إذ لا حياة لأحد الطرفين حسب رأي  الكاتب، إلا بوجود الآخر، فالوصول إلى عين حارود/الجنة والخلاص والمستقر الآمن، خروجا من الكابوس الذي زرعه الفكر المتصهين، وضربت جذوره في تربة الواقع، وتكفيرا عما اقترفه الأجداد الذين أقدموا على جريمة سرقة وطن، واضطهاد ساكنيه، بزعم العودة لأرض الميعاد، بالحيلة أولا، وبقوة السلاح، ومناصرة دول الظلم والاستكبار الغربيين ثانيا.

 في هذا الطرح الذي يتبناه المؤلف نراه يقع في تناقض، اللهم إلا إن كان قد تنصل مما يحمل من أفكار مسبقة، فعاموس كينان يشهد تاريخه أنه كان عضوا فاعلا في مجموعة (شتيرن) إحدى المجموعات التي أخذت على عاتقها قتل الفلسطينيين، جنبا إلى جنب مع جماعات الهاجاناه وإلأرجون و البيتار، والبلماح، الأكثر تطرفا، وكراهية للوجود الفلسطيني، هل غيّر عاموس من قناعاته بعد أن وقف على جرائم جيش دولته ورأى بعينيه فظائع ما يصنعون؟

“عاموس كينان “، الكاتب الذي ولد في تل أبيب عام 1917، وكان خلال شبابه عضواً في مجموعة “شتيرن “، الأشد تطرفا، والتي من أهدافها الاستيلاء على فلسطين بالقوة العسكرية، لكن اللافت أن كينان بعد عام 1948 بفترة وجيزة بدأ العمل من أجل السلام العربي الإسرائيلي، وهو من قدم اقتراحا بعد حرب السادس من حزيران أن تركز إسرائيل على البُعد الفلسطيني، داعياً إلى إقامة دولة فلسطينية إلى جانب كيان إسرائيل كأفضل الخيارات الإسرائيلية السيئة.

 تطرح الرواية فكرة نزع ثوب القاتل عن الإسرائيلي، وتحويل احتلاله إلى أزمة وجود على تراب فلسطين، لكن الواقع الفلسطيني على الأرض بخّر ذلك الحلم وكرّس الإسرائيلي مستعمرا محتلا، ومن هنا بدأ الإسرائيلي بالمراوغة ولبس القناع الإنساني المزيف بالبحث للفلسطيني والإسرائيلي معا عن حل، في تعمية واضحة للحقيقة وذر رماد التزييف في عيون الآخرين، لكي يبعد عن مناط التفكير كونه محتل مستعمر بغيض. 

“عين حارود” الجغرافيا الوحيدة التي تشكّل معبرا لزمن صهيوني ، جديد رمزي مختلف ،حسب الكاتب ، بعد أن ينفجر الوضع في إسرائيل إثر انقلاب عسكري، ومحاكمات وإعدامات ميدانيّة، حيث ينتهي الحكم والقيادة لجنرالات العسكر الذين يقمعون الأصوات التي تُبدي معارضتها، وتُنبت في تربة إسرائيل كل بذور التطرف، يأتي دور الشخصية المحورية في النص الروائي مجلجلا، سأذهب إلى عين حارود، وأبدا من جديد بعد أن أعيد ترتيب الأشياء والأولويات لينعم الجميع في سلام  وتزهر الحرية والعدل والمساواة للجميع، فتذهب الشخصية برفقة العربي لأنّه القادر على إيصال اليهوديّ إلى “عين حارود” التي يعرف تفاصيلها، بعد أن يكون الإسرائيلي قد ترسّخ في وعيه، وتجذّرت في قناعاته ،أنه لكي يعيش آمنا مطمئنا فعليه أن يتخلص من صهيونيته ويهوديته، على حد سواء، كنوع من التطهر الذاتي والنرفانا التي تخلصه من ظلمه وفظاعاته التي مارسها بحق الآخر، صاحب الأرض والحق، بمعنى الرحيل  إلى  الفردوس المفقود هربا من جهنّم الصهيونيّة الكابوسيّ الذي  صارت إليه دولة الكيان المصطنع، ومن هنا نبتت فكرة البحث عن جغرافيا تقع خارج الزّمن الحاضر في محاولة لتجريب وعي وجودي جديد ،بعيد عن مركزيّة الأنا الصهيونيّة، يمكّنه من التعايش مع الآخر، متخلصا من أمراض القناعات التي ثبت فشلها، ولم تأت له بغير الموت والقلق وعدم الاستقرار، أملا في الخروج من كابوسية المأزق التاريخيّ الذي تعيشه الصهيونيّة ومن اقتنع بطرحها الفكري الزائف .

يُسجّل  للرواية نبشها في الشروخ التي تتعمق وتتسع داخل الكيان الصهيوني المحتل،  ووقوفها مع الارتداد الذاتي لدى بعض المنصفين العقلانيين من  اليهود الذين رأيناهم يتظاهرون في الداخل والخارج ضد فظائع آلة الحرب وإجرامها ، والذين  وقفوا بقوة  أمام عِظم  الجريمة التي مُورست  بحق الفلسطينيين، وانكشاف سياسات الدّولة الصهيونية التي تعاملت مع الفلسطينيين بحقد وعنصرية وشوفينية، ولم تتوقّف عن ممارسات  الطّرد والاحتلال والقمع الذي أسس لولادة مجتمع نازي – يهوديّ، بدأ يدق ناقوس الخطر ويعلن بداية انهيار أسطورة بني صهيون في عقل ووعي الكثيرين   فيما يتعلق بالمقولة التي روجتها الصهيونية  “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، مما يؤسس لوعي  جديد لدى العالم ،لخطر الصهيونية الذي بات يهدد العالم أجمع، وليلتقي هذا الوعي مع ما رسخ في ضمير  ” رافي” بطل الرواية من إرهاصات  من أنه لم يعد يؤمن بدولة إسرائيل، وأنه بصدد السعي، والبحث عن مدينة المثال والنقاء، تأوي الجميع، الذين سيقيمون عالما مثاليا للعدل والمساواة والحرية، بعيدا عن القتل والحرب، وكل أشكال الموت، وهذا الخلاص الذي يراه “رافي ” لا ولن يتحقق إلا بوجود وصحبة العربي.

أدب سياسة

عن الكاتب

سمير أحمد الشريف