الجوهرة والقبطان

كتب بواسطة زوينة الكلبانية

غلاف رواية الجوهرة والقبطان

تنشر الفلق هنا مقطعاً من رواية “الجوهرة والقبطان” لزوينة الكلبانية والصادرة عن بيت الغشام للنشر والترجمة

ولدتَ وفي فمك ملوحة ماء البحر، إنه ملح الشقاء الذي تخضبتْ بملوحته روحكَ… بيتكم يتوسد البحر بين بيوتٍ قديمة مبنية من الطين، متناثرة بغير نظام، جارها الأقرب البحر… تُزيّنها نوافذ خشبية صغيرة، ملحق بها غرف أخرى مبنيّة من سعف النخيل.. كلما  تقدمتَ في العمر ترى المنازل في ازدياد وقرية حرامل في توسع.. هذه القرية التي اصطفاها القدر لرحلة كفاح لا تنتهي.. كانت وما تزال مملكة في عيون أبنائها الذين خلقوا من طينة الكدح، ونذرتهم للبحر.. لقد وهبتكم هذه المنازل زرقة البحر فصفتْ قلوبكم، واتسعتَ نفوسكم..

  جمعتكَ أمواجُ حراملَ البكر بأصدقاء كُثر، ما تزال علاقتك قائمة معهم، مثل: محسن ذلك الصبي النحيل الذي ما تزال صورته عالقة في ذاكرتي، وهو يعدو حافي القدمين على رمال حرامل.

 كانت تُشكِّل لكم تلك الرمال عنصر إغواء، تتسابقون بالسير على تلك العجينة الرملية، وفي شغبٍ طفولي كنتم تتدافعون، يطبع كل واحدٍ منكم آثار قدمه فوق طبعة قدم زميله، ما كنتم تفترقون أبدًا، تَسْخرون بعمق من أصحاب مقاسات الأقدام الكبيرة، وعندما علمتم أن هموم الإنسان بمقاس قدمه.. توقفتم عن ذلك وتحولتَ سخريتكم إلى شفقة وتعاطف.

  فقراء كنتم ولكنكم مغامرون، بسطاء ولكن نفوسكم عالية.. تُشبِهون البحر في صفائه وغضبه وعمق أسراره.. قاسيتم الجوع، وتلذذتم بالفتات، واستمتعتم بجمع الأصداف، ومطاردة سراطين البحر بين الصخور.. لا حدَّ لطاقتكم تصلون النهار بالليل والصباح بالمساء.. متعتكم الاستثنائية البحر.. الابتسامة لا تفارق وجوهكم حتى في ذروة أوجاعكم.. ثمة أمل يتوهج ويتقد في داخلكم .. دومًا متفائلون، تؤمنون بالغد، وتتطلعون للآتي.

   والدك كان صيادًا؛ فتعلمتَ حرفة أهلك، هذه المهنة التي كان يتوارثها أجدادك كما يتوارثون قوارب الصيد، للبحر طقوسه وقوانينه التي تحكم رحلات الصيد، كما له مغامراته التي كانت والدتك تصوغ منها حكايات الطفولة، تلك الحكايات التي تنحني أمام سطوة البحر، كانت تمثل والدتك لكم كنزًا من الحكايات، والقصص، وأغاني البحر، ولقد غرستْ في نفوسكم من دون قصد حب البحر، طفولتكَ كانت البذرة الأولى لتكوَّن شخصيتك الحقيقية.

  ولما بدأتَ تفك شفرة الحروف، كانت قصص السندباد الغريبة حول طائر الرَّخِ والتنين وبلاد الواقواق والبحَّار الذي لا يُقهر، ويعود برغم الأهوال سالمًا هي الأحب لديك.. وعندما كبرتَ أصبحتَ حورياتُ البحرِ محورَ الحديث في جلسات السَّمر مع الأصدقاء.

 والدتك سرُّ البحر كما تُسميها، تُشبِّهِهُا بالبحر في عطائها اللامنقطع، تهَبُ بلا مقابل، إنها امرأة ذكية، تعدّتْ الستين ولكنها ذات شخصية قوية، كلمتها مسموعة بينكم رجالا ونساء، طالما كانت مرشدة لك في أدق تفاصيل حياتك برغم أنها أُميَّة، غرستْ في نفسك الثورة على البحر، وأن تكون بحارًا وليس صيادًا، كانت تحرضك من حيث لا تدري؛ دومًا تردد على مسامعك:

–         يا بُني، الخيرُ موجودٌ في البحر، لا يكُنْ اقتناص السمك جُلّ همك كأبيك.

تشعرُ أن والدتكَ راضيةٌ عنك كل الرضا، وهذا الرضا مبعث توفيق الله لك الذي تُحسّه في أمور كثيرة.

أدب السادس والأربعون

عن الكاتب

زوينة الكلبانية