الحمامة الحمقاء

كتب بواسطة يحيى الرواحي

قالَ كليلةُ العصر لدمنةِ عصره: ألا تعجبُ يا دمنةُ من نساءٍ اطّرحْن ما خصّهنّ الله به على الرجال، وميّزهنّ به من الطباعِ والأحوال؛ وانثنين يلقين بأنوثتهنّ خلفَ ظهورهنّ، ويرفضْن تكريمَ الله لهنّ، فطفقنَ ينازعْن الرجالَ في ميادينهم، ويزعمْن المطالبةَ بالمساواة، ويقابلْنَ صنعةَ الله لهنّ باستهتارٍ وعدمِ مبالاة؟!

قالَ كليلةُ العصر لدمنةِ عصره: ألا تعجبُ يا دمنةُ من نساءٍ اطّرحْن ما خصّهنّ الله به على الرجال، وميّزهنّ به من الطباعِ والأحوال؛ وانثنين يلقين بأنوثتهنّ خلفَ ظهورهنّ، ويرفضْن تكريمَ الله لهنّ، فطفقنَ ينازعْن الرجالَ في ميادينهم، ويزعمْن المطالبةَ بالمساواة، ويقابلْنَ صنعةَ الله لهنّ باستهتارٍ وعدمِ مبالاة؟!
قال دمنة: لا أعجبُ إن صدرَ ذلك عمّن قاسيْن الظلمَ والنّكال، أو عانيْن التحقير والإذلال، فالإيغالُ في أمرٍ ما لا ينتجُ عنه سوى ردّةُ فعلٍ عنيفةٍ في اتجاهٍ معاكسٍ له، وما زال في كثيرٍ من المجتمعات من لا يرى في المرأةِ إلا كائناً ناقصا عن مرتبة الإنسانية، أو سلعةً رخيصة في أسواقٍ “رأسمالية”، لكن أن يصدرَ ما تقولُ عن نساءِ مصرِنا، وبناتِ بلدِنا، حيث النساءُ شقيقاتٌ للرجال، والمرأةُ ملكةُ الدارِ وزعيمةُ العيال، فذاك لا يكونُ إلا عن جهالةٍ وحماقة، أو فسادِ نيّةٍ وخُبثِ طويّة، وما أرى مثّلَ تلك المرأةِ الرعناء إلا مثلَ الحمامة الحمقاء!
قال كليلة: وما الحمامةُ الحمقاء؟!
قال دمنة: يُحكى أنّ حمامةً اتخذت –كعادة بنات جنسها- عشاً في مكانٍ متوارٍ عن أنظار أعدائها، ومنزلاً حصيناً عن غوائلِ ألدّائها، وكان لها فراخٌ صغارٌ، تحنو عليهم وتقضي جلّ وقتها في مداعبتهم والعناية بهم، وترى أنّ عملَها في تنشئةِ صغارها، وإطعامهم وتغذيتهم، وتأديبهم وتعليمهم، رسالةً سامية، وعملاً مقدّساً، يُرضي غريزتَها، ويُشبعُ عاطفتَها، وكان يعيشُ بالقربِ من مكان عشّها ثعلبٌ مكّار، لا زالَ يتربّصُ بالحمامة وفراخها، ويمنّي نفسَه أن يكونوا صيداً لطعامه، وطُعمةً لأبنائه، لكنّ ملازمةَ الحمامةِ لعشّها الحصين، وتشبّثها بحرزها المكين، فوّتَ على الثعلب مقصدَه، وضيّعَ عليه أن ينالَ بُغيتَه، فلا زالَ يُعمل فكرتَه، وينسجُ حيلتَه؛ ليتمكّن من الحمامة وفراخها، وكان يعلمُ أنّ في الحمامةِ غروراً مشوباً بحمق.
قال كليلة: يا لعظمِ ما ابتُليَتْ به! فإنّ الغرورَ وحدَه لأمرٌ خطير، وشرٌّ مستطير، وكفى به مرضاً عُضالا، وداءً وبيلا، وكأيّن رأينا صاحبَ علمٍ طوّحَ به في مجاهلِ الجهل كِبرُهُ وأشَرُه، وكميّاً مقداماً تهابُ لقاءَه الشجعان أرداه في غير ساحات الوغى غرورُه، فكيفَ به إذا اجتمعَ مع الحمق، والحماقةُ داءٌ أعيى من يداويه؟! فما كان يا دمنةُ من أمر الثعلب مع الحمامة؟
قال دمنة: أخذ الثعلبُ يأتي كلّ يومٍ عند أصل الشجرة التي تحملُ عشّ الحمامة، ويُجاذبُها أطراف الحديث بلسانٍ رطب، وكلامٍ عذب، حتّى اعتادت الحمامةُ محادثته، واستحْلَت مناقشته، ونسيَت أنّها حمامةٌ وهو ثعلب!!
قال الثعلبُ يوماً للحمامة: ما لي أراكِ ملازمةً لعشّك لا تبرحينه، وكأنّي بكِ سجينةً ذات قيد، أو نزيلةَ محبسٍ ووصيد؟! أما تتوقُ نفسك للخروج والتنزّه، والفسحةِ والترفّه، فإنّ الغابةَ واسعة ممتدة، وبها من الأشجار والورد والأزهار ، ومن العيون والينابيع والأنهار؛ ما يشرحُ النفسَ ويبهجُ الحسّ، فلا أرى حرمانك من جميع ذلك إلا جنايةً كبيرة، وزراية عظيمة!
قالت الحمامة: اعلم أيها الثعلبُ أنّا معشرَ الحمامِ فُطرْنا على خلقةٍ معروفة، ودرَجنا على فطرةٍ موصوفة، فما زلنا عليها نتوارثُها جيلاً بعد جيل، إذ هي فطرةٌ فطرَنا الله عليها، وطبيعةٌ ركّبها في غرائزنا، ومن ذاك أنّه متى ما صار لزوجٍ منّا فراخٌ صغار؛ كان أكثرُ ساعات الزقّ(1) وطلب الطعام على الذكر، فيما كان على الأنثى أكثرُ ساعات الحضن والمعاهدة للفراخ.
قال الثعلب: يا لخيبة أملي فيكِ أيتُها الحمامةُ المسكينة؛ فقد كنتُ من قبلُ أرى أنّ لك عقلاً يربو على أقرانك، وفهماً يسمو على خلاّنك، لكن يبدو أنّك كغيرِك من أصناف الحمام؛ لا يُحسنُ سوى أن يسيرَ على ما نَشَأَ عليه، ولا يستطيع سوى ما جُبلَ عليه!
قالت الحمامةُ وقد استثارَها كلامُ الثعلب، ولامسَ كبرياءَ نفسها: ماذا تقولُ أيّها الثعلبُ المعروفُ بالدهاء، والصديقُ الذي أسرَني عن قريبٍ بكلامِ الحكماء؟! أفصحْ عن قصدك، وأَبنْ عن منطقِك؛ فقد جرحتَ كبرياءَ نفسي بكلامك، واستصغرتَ شأني بمرامي ألفاظك!
قال الثعلب: حاشا أن أكون ممّن يستصغرُ شأنَ الأنثى كفعلِ أمّتكم أمّة الحمام، فإنني ممّن يؤمنون بتحرير الأنثى ومساواتها بالذكر، ويحاربون كلّ امتهانٍ لكرامتها، وتحقيرٍ لشأنها، وما حالكنّ إناثَ الحمام إلا حالُ العبيد، وما شأنكنّ إلا شأنُ السَخرةِ المستخذين! فبأيّ حقّ يكونُ للذكر ساعاتٌ أقلّ في حضن الفراخ وملازمة الأعشاش؟! وبمَ تنقصُ إناثكنّ عقلاً وجسماً لكي لا يُعتمدَ عليها في طلب الطعام والزقّ لفراخها؟!! وأنت، أنتِ أيتها الحمامةُ العزيزة، والصديقةُ الأثيرة، تملكين عقلاً وافرا، وذكاءً متّقدا، وما يليقُ بك أن تكوني كأيّ حمامةٍ أخرى، أو أن تكوني مجرّدَ فردٍ في قطيع، وطيرٍ في سرب، بل الأجدرُ بك أن تكوني فرداً مستقلاً بذاته، كحالنا معشرَ الثعالب، إذ إننا نقضي معظم وقتنا أفراداً مستقلين، غير منضوين لقطيع، ولا منتمين لجماعة، ولا يجوزُ لك وأنتِ ذاتُ العقلِ المنيف، والفكرِ الحصيف، أن تعطّلي عقلَك، وتركني إلى موروثك، بل عليك أن تفكّكي ذاك الموروثَ وتعيدي بناءَه بما يُرجعُ لك حقوقك السليبة، ويضمن لك مكانتك اللائقة، وما أجدرك بعد اليوم ألاّ تكوني إلا “ليبراليةً عقلانية”!
قال كليلة: ليبرالية عقلانية؟!! وما ليبراليةٌ عقلانيّة؟!!!
قال دمنة: هي أسماءٌ داعبَ بها الثعلبُ عاطفةَ الحمامة الغريرة، وحماقتَها المغرورة، فوقعت في نفسِها أيّ موقع، وحسبتْ أنّها إن رفعتها واتّخذتها شعاراً ملكت من الفخارِ ما لا مزيدَ عليه، ومن الشرفِ ما لا يُوصلُ إليه، وبسبب غرورها وحماقتها فإنّها لم تكلّفْ نفسَها عناءَ أن تبحثَ ما معنى “ليبرالية” أو “عقلانية”، أو أن تتخذَ لها تعريفاً واحداً تطمئنّ إليه، أو معنىً تأرزُ لحماه
قال كليلة: أفهمُ من كلامك أنّ الخدعةَ انطلت على الحمامة، وأنّ كلامَ الثعلب وقعَ من نفسها، فصدّقته وآمنت به؟!
قال دمنة: وما كنتَ تتوقّعُ من كائنٍ اجتمعَ لديه الغرورُ والحماقة، والغباءُ والسذاجة؟! وهي صفاتٌ ما اجتمعت إلا ولم ينفعْ معها علمٌ ولا معرفة، فكيفَ إذا عُدمَ العلمُ والمعرفة، بل حلّ محلّهما الجهلُ ووهمُ المعرفة؟!!
قال كليلة: تلك المهلكات القاصمة، والرزايا الوبيلة، فأخبرني يا دمنةُ ما كان من أمرِ الحمامة بعد؟
قال دمنة: وقعَ كلامُ الثعلب من نفسها، ووافقَ غرورَها، وقد كانت من قبلُ تحتقرُ بنات جنسِها، وترى أنّ لها فضلاً عليهنّ، وأنّها أرقى منهنّ وأسمى، فاتّخذت “الليبرالية العقلانية” شعاراً لها، ولم تفهم منه إلاّ أن تحتقرَ موروثَها وتعاديَ منهجَها، وتسخرَ من قومها وتقلّلَ من شأنِ أفراد مجتمعها، وخصوصاً نظيراتها من بنات جنسها، فأصبحت لا تشيرًُ لهنّ إلا بناقصات العقل، ولا تسِمُهنّ إلاّ بالخرساوات والعاجزات الذليلات الواقعات ضحيةً لآراء ثلّةٍ من فقهاء الحمام!! وتركت عشّها وأصبحت تهيمُ متنقّلةً من شجرة لشجرة، ومن جبلٍ لآخر، دون أن يكونَ لها هدف، أو تسعى لشرف، وصارت لا تجلسُ لفراخها إلا قليلا، ولا تنظرُ لهم إلا لِماما!
قال كليلة: فما كان من أمر الثعلب؟
قال دمنة: كان يراقبُ تبدّلَ حال الحمامةِ بكلّ غبطة، وهو يمنّي نفسَه بقرب الحصولِ على مبتغاه، والفوزِ بهدفه ومُناه، وحين رأى أن فراخَ الحمامة قد بلغت مبلغاً آن لها فيه أن تتعلّم الطيران والتحليق، وخشيَ أن يفوته الظفرُ بها، توجّه للحمامة قائلا: “أيتها الحمامة المتنوّرة، والثائرةُ المجاهدة، التي اتخذت من التنوير مذهبا، ومن جنس الحيوانية دينا، وكفرت بكلّ شيء في سبيل عقلها، ولم تحفلْ بكلّ قيدٍ في سبيل حريّتَها، لقد حزتِ من الشرف أرفعه، ومن المجد أقعسه، وما دليلُ نجاحِك إلا ذلك الهجوم الذي تتعرّضين له من حكماءِ جنسك، وقادةِ سربك، فقد أتيتِ على ثوابتِهم المتهافتة، وزعزعتِ مكانتهم المتهالكة، فاهنئي بالشرف الرفيع، والعزّ المنيع”
قالت الحمامةُ وقد بلغ بها الغرورُ مبلغَه، والزهوُ غايتَه: لك الفضلُ أيها الصديقُ النّاصح، والخليلُ الواضح، أن نبّهتني إلى مَلَكاتيَ المدفونة، وقدراتيَ المخزونة، فلا تحرمني من تأييدك وتشجيعك، ونصحِكَ وإرشادك
قال الثعلب: أيّتها العزيزة، لقد رأيتُ أنّ فراخك قد ناهزت أن تبلغ، وآن لها أن تنشأ على غيرِ ما نشأتِ أنتِ عليه من جهلٍ واتباعٍ لمواريث ماضية، وعاداتٍ بالية، وثوابت بائدة، وإني أرى أن تلقي بها إليّ، لكي أدرّبها على ما تكونُ به حماماً متنوّرا، وطيراً متحضّرا
قالت الحمامة: نِعمَ ما أشرتَ به عليّ أيّها الصديقُ الوفي، فأمهلني الليلةَ لأعدّهم، وتعالَ غداً في مثل موعدك اليوم لألقيَ بهم إليك
انطلق الثعلبُ موقناً بالظفر، ومبشّراً مَن خلفه من صغاره بأطيب غداءٍ لغد! فيما علمَ بنيّةِ الحمامة الحمقاء نفرٌ من أبناء جنسها، فأتوا إليها ناصحين مشفقين، وقال قائلهم: “هل تنوين فعلاً قذفَ فراخك للثعلب؟!!”
أجابت الحمامة بكلّ صلفٍ وغرور: “وفّرْ مواعظَك لنفسك أيُّها المتدرعُ بدرعِ الدّين، والمتمسّحُ بمسوح النّاسكين، ما أنتم إلا أفرادٌ جهلةٌ مأفونون، أجّرتُم عقولَكم لغيركم، وعطّلتم أفهامكم، وصرتم كالقطيع الذي يُقاد، وما شأنُكم إلا احتقارَنا نحن الإناثُ المتنوّرات، ومحاربتنا ومحاولة إخضاعنا لتقاليدكم البالية”!
تركَ أولئك النفرُ من الحمامِ تلكمُ الحمامة آسفين لما آلَ إليه حالُها، وعالمين بما ينتظرُها من مصيرٍ بائس، وعاقبةٍ شنيعة، لكنّهم لم يملكوا أن يفعلوا شيئاً لإنقاذها وقد اختارت طريقَها، وصدّقت الكاذب الخوّان، وكذّبت الصادق الأمين
قال كليلة: أتُراها فعلاً قذفت بفراخِها لعدوّها؟!
قال دمنة: نعم، فقد أتى الثعلبُ في موعده، وألقت الحمقاءُ فراخَها إليه ليؤدّبهم ويدرّبَهم ليصيروا متحضّرين متنوّرين، وما علمت المسكينةُ أنّهم أصبحوا غداءً فاخراً للثعلب وعياله
قال كليلة: فما كان من أمرها بعد ذلك؟
قال دمنة: واصلَ الثعلبُ عادته بالحديثِ إليها كلّ يوم، وإشباعِ غرورها بما يلقيه على سمعها من مديحٍ كاذب، وإطراءٍ مخاتل، حتّى قال لها ذات يوم: “أيّتُها الصديقة العزيزة، إنّك تملكين صوتاً لم أسمعْ أحسنَ منه، وتصدرين هديلاً لم يُعرفْ أجملَ منه، فهلاّ نزلتِ إليّ لأسمعَ عذبَ هديلك عن قرب، وأشنّف آذاني بالتقاطه من منقارك دون واسطة؟
فنزلت الحمقاءُ وقد أعمى الغرورُ بصيرتَها، ووقفت أمام الثعلب، ورفعت رأسَها، وأغمضت عينيها، وأخذت نفَساً عميقاً لتغرّدَ بأجمل هديلها، فلم تنتبه إلا على الثعلب يُطبقُ على عنقها، فقالت وهي تنازعُ سكرةَ الموت: “أنا حمامةٌ ليبرالية، فلمَ تفعلُ بي هذا؟!”
قال الثعلبُ وقد دقّ عنقَها وابتدأ في نهش لحمها: “لأنّك ليبراليةٌ تمكّنتُ من فعل هذا بك أيتها الحمامةٌ الحمقاء!”
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الزقّ: إطعامُ الطائر فراخَه بفيه

أدب الرابع والخمسون

عن الكاتب

يحيى الرواحي

كاتب عماني