الزواوي بغورة.. فيلسوف الاتّصال الحضاري والتاريخي

إلى أي مدى تتفق مع العنوان الذي اخترناه لاختزال فلسفة الدكتور الزواوي بغورة؛ “فيلسوف الاتّصال الحضاري والتاريخي”؟

أفضل القول فيلسوف التواصل التاريخي والحضاري. لماذا؟ لأنَّني أعطي الأولوية للتاريخ أو للبعد التاريخي في الإنسان، واعتبر الإنسان كائنا تاريخيا قبل كل شيء، والتواصل الحضاري بدلًا من الاتصال الحضاري، لأنَّه دائم ومستمر و لا ينقطع او يتوقف عند مرحلة معينة.

 

من يقرأ للزواوي بغورة؛ يجد أنه أقرب للفلسفة التحليلية. يمكن ملاحظة ذلك في المصطلحات التي تستعملها أو تبحث فيها، وفي طريقتك في الكتابة. المفاهيم التي اشتغلت عليها من قبيل الليبرالية، اللغة، الخطاب، الديمقراطية التمثيلية، فلسفة العلم، أو حتى مفهوم الاعتراف. كل هذه جرى التقليد أنها أقرب للتحليلية. ومع ذلك أنت من أهم من اشتغل على فوكو ترجمة وشرحا وتعليقا. هل الزواوي بغورة يشتبك مع الفلسفة القارية وهو داخلها أو من خارجها؟ وهل لذلك علاقة بنوعية المواضيع التي يناقشها عندما يدخل على الفكر العربي والإسلامي؟

لا شك أن الفكر العربي المعاصر، ارتبط أكثر بالفلسفة القارية الأوربية في صورتها الفرنسية والألمانية، فإذا استثنينا محاولة زكي نجيي محمود الوضعية، فإن مرجعية فكرنا العربي المعاصر قارية، ولكن ما يجب التأكيد عليه هو أن هذا الفصل بين الفلسفة القارية والتحليلية لم يعد قائما منذ الربع الأخير من القرن العشرين، وذلك بسبب التداخل والامتزاج الذي أصبح يسم الخطاب الفلسفي المعاصر. فمثلا إن الفيلسوف الأمريكي تشارلز لارمور الذي ترجمت مؤخرا كتابه: الحداثة والأخلاق (دار صوفيا، الكويت،2022)، يكتب باللغتين الإنجليزية والفرنسية، ويناقش الفلاسفة القاريين والتحليليين، ومثله فعل بول ريكور، وقبلهما ميشيل فوكو الذي استفاد من الطرائق التي طورتها الفلسفة التحليلية في دراسته للخطاب. من هنا تجدني أعمل ضمن هذا التوجه الذي يحاول الاستفادة من مختلف الإسهامات البحثية الفلسفية المعاصرة. وأعتقد أن أبحاثي التي نشرتها تعكس هذا التوجه سواء من خلال دراستي لبعض الفلاسفة أو لبعض القضايا الفلسفية، وعلى رأسها بالطبع قضية اللغة والعدالة.

 

يبدو الزواوي بغورة لا يحبذ فكرة المنعطفات في الفلسفة. هكذا البعض قرأ كتابك الصادر في ٢٠٠٥ عن نقد المنعطف اللغوي. كما لو أن الدكتور بغورة يميل إلى فكرة أن كلمة “المنعطف” هو نوع من المبالغة أو التسويق لو جاز التعبير من قبل تيارات معينة في الفلسفة لتعطي نفسها ثقل وأهمية وميزة أكبر من بين تيارات الفلسفة، وأيضا لإيمان الدكتور بغورة بالاتصال في الفكر. فهل هذا صحيح؟ وإن كان كذلك؛ كيف يقرأ الدكتور الزواوي فكرة الانقطاعات التي عبّر عنها توماس كون فيما سماه بالبرادايم؟ هناك أيضا تصور قريب من ذلك يتعلق بالتصنيف. أدمغتنا تصنف لكي تفهم، وبالتالي التقسيم إلى فترات أو مراحل أو تيارات هو جزء من بنية التفكير البشري. فإلى أي مدى يمكن أن يتعارض ذلك مع فكرة الاتصال البشري؟

لا أفهم المنعطف على أنه قطيعة، وإنما هو تحول في المسار لا يقطع مع المراحل السابقة. وفي دراستي للمنعطف اللغوي في الفلسفة المعاصرة، بينت أن اللغة كانت موضوعا من مواضيع الفلسفة التي قدم حولها الفلاسفة بعض تأملاتهم، أقدمها تلك التي عرضها أفلاطون في محاورته: قراطيل، وأنَّ تحول اللغة إلى موضوع مركزي في الفلسفة مع مجيء الفلسفة التحليلية أو الفلسفة التأويلية أو اللسانية لم يمنع ذلك المنعطف من التحول إلى فلسفة الذهن أو العقل والعودة من جديد إلى مواضيع الفلسفة الأساسية المعرفية والأنطولوجية والقيمية.

وإذا كانت فكرة القطيعة قد ارتبطت بتحليلات توماس كوهن للثورات العلمية، ولها مشروعية في تعيين التغير والتبدل الذي أصاب النظريات العلمية، والذي سبقه إليه الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار في تعيينه للفكر العلمي، فإنَّ عملية نقل فكرة القطيعة إلى مجال الإنسانيات والثقافة قد كشف عن محدودية هذه المحاولة، وعن فسادها في تقديري. وليس أدل على ذلك ما قدمه فوكو نفسه الذي وظف فكرة القطيعة والانفصال في كتابه المشهور: الكلمات والأشياء، ثم تراجع عنها في بقية أعماله. لذلك لا أرى أن الانعطاف دليل على القطيعة، وإنما هو دليل على التحول التاريخي، وأما التصنيف، فإنه آلية منهجية لمعرفة الأشياء، ولكنها قابلة للتحول إلى معيار إقصائي، وهو ما يجب الانتباه إليه عندما نجري تحليلاتنا التاريخية أو الاجتماعية أو السياسية.

 

الملاحظ أن الكثير من المفكرين والفلاسفة العرب؛ يدمجون بشكل وآخر في أعمالهم قراءات أدبية وفنية. يعني بالإضافة إلى الأعمال الفكرية المنهجية، فإن لهم صولات وجولات في ساحة الأدب؛ نقدا واستنطاقا وحتى فلسفة. يمكن ملاحظة ذلك عندما يتفلسف البعض انطلاقا من فيلم سينمائي أو رواية أدبية أو قصيدة أو حتى أعمال فنية تشكيلية ونحت. ولكن يبدو أن الدكتور بغورة مقلّ جدا في ذلك.  هل يوجد سبب معيّن في ذلك؟ أم لديك رؤية محددة يمكن أن تضيئها هنا لقرائك؟

لقد خصصت لفلسفة الفن والجمال بعض الأبحاث ذات الصلة بالمنظور الكانطي الجديد، وخاصة عند أرنست كاسيرر، ومهتم كثيرا بالرواية، وخاصة الرواية الجزائرية، ولكن مع ذلك يجب عليّ أن اعترف بأنني مقل في هذا الجانب، وأعمل على تداركه في أبحاثي القادمة حول الفلسفة الاجتماعية التي ترتبط ارتباطا وثيقا بالرواية.

 

أريد الآن أن أعرف رأي الدكتور الزواوي بغورة في مسألة النخبة والوعي بالمستقبل. لدى هيجل كلمة مهمة عن التاريخ، وهو أن التاريخ هو وعي الحرية بذاتها. هل هذا الوعي قابل لأن يتحقق بالتساوي بين الناس؛ إذا ما أخذنا قول ديكارت بأن العقل قسمة عادلة بين البشر؟ أم أن من طبيعة هذا الوعي أن يكون نخبويا؟ بمعنى يتكشّف ويتجلى لدى قلّة من الأفراد سيصبحون هم نخبة المجتمع؟ وهل بالضرورة هو وعي بالمستقبل؛ بمعنى رؤية المستقبل في الحاضر؟ وهل من محددات معينة لتعريف هذه النخبة؟

يمكن القول إجمالا إنَّ النخبة تشير إلى معنيين عامين، المعنى الإيجابي الذي يشير إلى نوع من النجاح والتقدير، والترقي في السلم الاجتماعي. والمعنى السلبي الذي يحيل إلى تحول النخبة إلى جماعة منغلقة على ذاتها وهو ما يسمى بـ(النخبوية). ولكن في جميع الأحوال، فإن النخبة تقال على فئة متميزة مقارنة ببقية المجتمع/الجمهور. وتحيل دائما إلى نوع من التراتب والتصنيف الاجتماعي الذي يضمن مقدارا من الامتيازات المادية والرمزية المشروعة أو غير المشروعة، وذلك مقارنة ببقية المجتمع. ويمكن تلخيص النقاش الدائر في هذا المجال في موقفين كبيرين. الموقف الذي يقول بنظرية النخبة في حكم المجتمع. وتذهب هذه النظرية النخبوية إلى القول بأن السلطة هي العامل الحاسم في عملية تطوير وتنمية وتقدم المجتمع، وبالتالي فإن النخبة تقود العامة/ الجمهور/ الشعب. وبهذا المعنى، فإن النظرية النخبوية مضادة للمجتمع الديمقراطي.

وفي مقابل هذه النظرية النخبوية، هنالك ما يمكن تسميته بالنظرية الديمقراطية في تسيير المجتمع، والتي على الرغم من إقرارها أن الجمهور/الشعب لا يمكن أن يحكم نفسه بنفسه، ولكنها في الوقت نفسه ترى أن الذي يحكم ليس نخبة واحدة ووحيدة، وإنما نخب متعددة الاختصاصات ومتنافسة فيما بينها. إذا كانت النخب تتكون من فئات عديدة: النقابات، رجال الأعمال، العسكر، الإداريون، فإن المثقف يعد جزءا من هذه النخبة. ويشكل المثقفون فئة بحكم المرتبة، والقدرات، والامتيازات داخل المجتمع مقارنة بغيرهم. وهنالك، عدة نماذج تحليلية للمثقف، منها (المثقف العضوي)، و(المثقف الملتزم)، و(المثقف الخصوصي)، و (المثقف النقدي) الذي يختلف عن (المثقف الإيديولوجي).

وفي تقديري، فإنَّ المثقف النقدي يتحدد، بجملة من السمات أهمها:

(1) لا يستقيم النقد إلا بقدر من المعرفة، فالنقد أولا وقبل كل شيء معرفة، ومهمته الأولى هو إنتاج معرفة في موضوع معين؛

(2) قد يفيد النقد، النقض، والقلب، والتقييم، ولكنه هو أولا وقبل كل شيء، ممارسة هدفها معرفة حدود الأشياء، وجميع الأشياء بلا استثناء. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بقدر من التحليل والتشخيص للمواضيع، والحالات، والقضايا، والظواهر، والمواقف.

(3) لا يتكون الموقف النقدي من الأسس العلمية فقط، وإنما من التزام أخلاقي للمثقف قائم على قيم الحقيقة والعدل والحرية؛

(4) يتمثل العمل الأساسي للمثقف النقدي بلا أدنى شك في نقد السلطة، ولكن السلطة بمعناها المتعدد الذي يشمل نقد سلطة القدماء أو سلطة الماضي، ونقد السلطة العلمية والإعلامية والمالية في عصرنا، وبالطبع نقد السلطة السياسية.