الكتابة النّسائيّة والكتابة النّسوية: الأواصل والفواصل

كتب بواسطة سعيد أوعبو

تبرزُ في تِيبُولوجيا التّخييل أنماط من الكتابة السّرديّة التي تركّزُ اهتمامَهَا على جنسيّة الإبداع، ويمثّل الجدَل القائم بين هويّة الكتابة النّسوية وهويّة الكتابة النّسائيّة إحدى الهواجس التي تتّصل بإشكاليّة التّصنيف الذي لا يمكن أنْ يظهَر من جهة المفاهيم والمواثيق التي يعقدُهَا المؤلِّف مع القارئ، بقدر ما يكون الاستغوَار والإيغال داخل النّص وتفتيته وتقصي القضايا المعالجة داخل التّأليف سبيلًا مركزيًّا وحتميّا في هذا التَّحديد، ولعلّ حدود القراءة ما دامت المُناصات لا ترتكّز على تفاصيل الجنس هي المعبَر الذي يجْسُر الفهم إلى ضبط مستويات التّفيِيء بين الكتابتيْنِ، ولعلّ وعي القارئ هو المعيار لرسم مساق إحالةِ نوع النّص إلى هويّته التي من شأنها الإقرار بكينونته إمّا انتسابا للكتابة النّسويّة وشواغلها، أو انتماءً إلى حدود الطّابع النّسائيّ، وللتّفصيل بشكل أكبر في هاته المناحي، ننفذُ إلى صلب التَّمايُزات التي من شأنها رسم الفواصل والأواصل بين الكتابتين:

أولا- الكتابة النّسائيّة/ الأنثويّة

انشغل سياق الكتابة التّراثيّة بالاهتمام بهموم الجماعة التي سادَ فيها الذّكر بما يجعله يتسيّد هرميّة العلاقات ويضطلع بفعليْ الكتَابة والإنتاج، وتوَارتْ النّساء خلفَ المؤسّسة الذّكوريّة المشغولة بإقصاء الأنثى بما يضمن غياب أسماء أنثويَّة داخل المشهد الثّقافي العربيّ الكلاسيكيّ، سيما في ظلِّ طفْوِ أسماء ذكوريّة محضة بسيمات أناويَّةٍ وبعنف إبستيميٍّ وأيديولوجي تحكمه المرجعيّات الثّقافية والدينيّة، ويرى (عبدالله إبراهيم) أنّه “من المألوف أن نخمن عمق الكراهيّة في التقاليد والممارسات الشعبية ضدّ النّساء، بما فيها عمليّة العزل والحجب”[1]، ولعلّ نشوء الكتابة النّسائيّة التي تضطلع النّساء بإنتاجها أفضى إلى توليد هذا الانتسَاب باعتباره توجُّها جديدا في الكتابة إسوةً بكتابة الذّكور التي تتسيّد المشهد الثّقافي، وخلْقًا يتأطَّر بما تؤلِّفه النّساء من قضايا كونيّة تنخرط في فعل الكتابة والتوجيه دون أن تهتمّ بالوجود الخاصّ بالأنثى، وتوسّع الأفق حول المواضيع العامّة التي يمكن أن يكتُب فيها الذّكر أيضا، بيد أنّ الاختلاف مرهون بجذور تصنيف الكتابة، حيث تعلو فيها النّساء كونهن الذّوات الإنتاجِيّة، ويرى مترجم كتاب «الثقافة والإمبرياليّة» لـ(إدوار سعيد) أنّ “الأدب الذي تكتبه امرأة أسميه ببساطة: كتابة امرأة أو الأدب النسائي”[2]، وفي الاقتصار عند هذا الحدّ فإنّ الرّؤية تُبتسَر ما دامت مواطن الكتابة النّسائيّة لا تختلف مع الكتابة النّسويّة في هذا الحدّ، ونُصوّر الالتباس في الخلط الذي  يمكن الوقوع فيه مادام هذا المعطى ناقصًا في ما يخصّ تحديد خصيصة الكتابة النّسائيّة بعد الوقوف عند حدود الذّات المنتجة، والأصل أنّ الذّات المنتجة تشكّل إطارا من الأطر الموجّهة للكتابة إلى جانب هويّة المحتوى السّردي الذي لا يتخصّص في قضايا الأنثى في ظلّ واقعها وعالمها، وهنا استطرد عبد الله إبراهيم في ضوء الكتابة النّسائيّة قائلا: “كتابة يترتب شأنها بمنأى عن فرضية الرّؤية الأنثوية للعالم وللذّات إلّا بما يتسرّبُ منها دون قصد مسبق، وقد تُماثل كتابة الرجال في الموضوعات والقضايا العامة لأنّها تتعرّض لشؤون لا تخصّ المرأة وحدها إنما تخص العالم المحيط بها”[3]، بما يرسمُ إطارين موجّهين لطبيعة الكتابة: الذات الأنثويّة، والموضوع الذي يبتعدُ بشكل عام عن القضايا الأنثوية.

ثانيا- الكتابة النّسوية/ الأنوثيّة

تتوخى الكتابة النّسوية/ الأنوثيّة تبئير الأنثى على مستوى الكتابة والمحتوى السّردي في ظلّ واقعها المأزوم والذي تتجبّر فيه الأناويّة الذّكورية، وتأتي الكتابة بغية تجاوز النّظرة الضّيقة والمزدرية الملازمة للنّساء بوصفهنَّ “موضوعا قابلا للتّحديد الدّقيق والوصف المعياري بناء على تمثلات ثقافيّة جاهزة”[4]، ومن هذا المنظور الموجّه للفعل اختارت الأنثى أنْ تُؤطّر الكتابة بعقائدّيّتها وبقضاياها الإشكاليّة باستخدام اللّغة التي تُراهنُ على التّأثير الباطني للفنّ الإبداعيّ، ولعلّ المسعى النّسوي “هو تغيير وضع المرأة في المجتمع”[5].

بالعودة إلى أصل المفهوم “النّسوية” (Féminisme) المُصاغ من قبل الاشتراكي (تشارلز فورييه) “في تسعينيات القرن التاسع عشر، عندما تم استخدام الكلمة للإشارة إلى دعم المساواة في الحقوق القانونية والسّياسية للمرأة مع الرجل”[6]، يتبدى الدّافع الأكبر المرتبط بإشكالية المساواة والبحث عن الدائرية في العلاقات بعيدا الهرميّة بين النّوعين البشريين، ويُعزى وجود النّسوية كنشاطٍ إلى مطلع العصر الحديث، حيث كان النّشاط النّسوي في إنجلترا “يأخذ شكلا يختلف عن النّسوية التي ظهرت في القرن العشرين”[7]، وقد انتظمت من بعدها الحركات في مواقع أخرى خصوصا مع الامتدادات الإمبرياليّة، بحيث ظهرت النّسوية في العالم العربي في “تعريف منظمة الاتحاد النّسائي المصري والمنتسبات إليها في عام (1923م) ومن اللّافت في خطاب رائدات الحركة النسوية في مصر آنذاك عدم دعوتهنّ للتّبعيّة المطلقة للغرب، الأمر الذي شكّل امتدادا لخطاب الكاتبات المهتمات بالمسألة النّسائيّة قبل ظهور النّسويّة بطابعها المنظّم، ومن أبرزهنّ مي زيادة”[8]، وهنا تتجّسد امتدادات التّجربة النّسوية مع تَبْيِئَتِها وَفْق السّياق الأبستيمولوجي للمكان.

لقد بدأت الحركة النّسويّة تتفعّل بشكل تموّجي استهلالا بفتح أفق الكتابة للأنثى، ومن تمّ ظهرت مقاومات نسائيّة للفكر الذّكوري الاستعماريّ، وجرى الانتقال من التّجارب الفرديّة إلى التّجارب القوميّة التي قادتها الحركات النّسائية التي شرعتْ بصدّ ممارسات الذّكورة المستعلية، وارتبطت أشكال النّضالات الرّامية إلى تحرير الأنثى في القرن 20 “ارتباطا عضويا بالهيجان القوميّ”[9]، وانتداب مواضيع متباينة من أجل فرض الحضور الأنثوي إلى جانب الذّكر بما أوقدته التّجربة النّسوية/ الأنوثيّة، والدّفع بإمكانات انْتفاءِ أنماط القهر والتّبخيس والتّهميش، وتمكينِ السّرد من مواضيع تلجُ فيها الكتابة الأطياف التي ترتبط بمجابهة البطريركيّة المنحازة للذّكر، ورؤية الأنثى لعالمها وهويّتها، مع تمجيد الجسد في ظلّ النّظرة الجنوسيّة الأيديولوجية التي يفرّغها الذّكر ثقافيّا في نظرته للأنثى، والتي تنطوي على المقاربة التنميطيّة؛ ويمكن ضبط هاته المحاور وفق الآتي:

  • النّظام الأبوي أو كما يُطلق عليها (البطريركيّة) الذي سعت النّساء إلى تمثيله باعتباره سببا رئيسيّا لقمع للإناث، وكونه نظاما اجتماعيّا غير عادلٍ وضارٍّ لكلا الجنسين، والذي تبلور في إطار ظهور الكتابات النّسوية إبّان المنتصف الثّاني من القرن العشرين، خصوصا بعد الموقف الاستعماري اتجاه المرأة، بحيث “إنّ الاستعمار ومن ورائه الاستشراق الكامن قد رسّخ أو عمل على ترسيخ الصّورة القديمة للمرأة، وذلك بربطها دائما بصورتها في العهود السّحيقة، ورفض إمكان التغيير والتّطور، فالمستشرقون ينطلقون، مهما اختلفت مذاهبهم، من الإيمان  بوجود صورة ثابتة جامدة لما أسموه الشّرق، وفيها تظلّ المرأة كما هي إلى الأبد، كائنا مسلوب الإرادة والفكر”[10] وقد رافق النظام الأبويّ جملة من المفاهيم ذات صبغةٍ إغنائيّة داعمة من أجل فضح الممارسات التّعسّفية من قبيل: السّيطرة، الهيمنة، الانحياز، التّسلط، والرّأسمالية، في حين أنّ مفهوم الأبويّة والذّكوريّة قد استوى بجلاء مع الدّراسات ما بعد الاستعماريّة.
  • رؤية الأُنثى للعَالم من خلال ما ينطوي عليه السّرد النّسويّ، بحيث تسعى الأنثى إثْرهُ إلى تفتيت الانحياز المجتمعيّ للذّكر، مع رفع الحظْر الممارس على كينونتها سواء في الكتابة النّسوية الذّاتية، أو في التّعبير عن الهويّة الأنثويّة، وقد نبّهت إليه (جوليا كريستيفا) المهتمّة  بمسألة الاختلاف بين الجنسين وكيفيّة تأثيره على تكوين الفرد وموقعه في المحيط الثّقافي ولا تقرن (كريستيفا) طبيعة “الهوية الأنثوية  بالمعنى البيولوجي  للأنوثة أو الهويّة الذّكوريّة بالمعنى البيولوجي للأنوثة أو الهوية الذّكورية بالمعنى البيولوجي للذّكورة”[11]، بل تربطها بسوء استعمال الرّؤية، وأنّ الخصوصية الأنثوية مرهونة بالسّحر الأنثوي، لكن ليس بالنّمط الذي تراه الذكوريّة المانحة للمعاني الممثلة في الإغراء والمتعة والشّبق، بل بما يلائم عالمها وتصوّراتها وموقعها في الحياة بعيدا عن الخطاب المؤدلج للذّكّر في التّصنيف النّوعيّ.
  • تمجيد الجسد من خلال الاهتمام بالجسد الأنثوي ما دام بؤرة أساسيّة للردّ على المركزّية الذكورية، لكن الإفراط في الاهتمام به يمكن أنْ ينتقل بها من خاصيّة تعيين الخصوصية الأنثوية ومساحة الاختلاف، إلى تسليعِ الجسد، ولعلّ الإيغال في الجسد داخل السُّرود من شأنه موقعة الأنثى في المنْطَقَةِ الخطأ، بما يجعل الجسد محطّة للرّغبة لا شكلا من أشكال التّحرّر الذي تنشُده الأنثى، وهذا الغلوّ في وصف الجسد بالسّرد يستهدف المحتوى ويقتل البناء الحكائي ممّا يجعل السّرد مُمَركزا كلّيا على الجسَد ويُشَتّت الغايات النّسوية في التّعبير عن ذواتهنّ الأنثويّة، ويجفّف القيم الجمالية والإبداعيّة للنّص.

تذييل لابدّ منه:

يمكن القول إنّ الكتابة النّسائيّة قد مهّدت المساق لظهور الكتابة النّسوية، بيد أنّه لا يمكن القول إنّ الكتابة الّنسائيّة يمكن أن تتلاءم مع الكتابة النّسويّة بشكل مطلق، لأنّ الكتابة النّسائيّة مختصّة في القضايا الكونيّة ويمكن لجزء منها أن ينتمي إلى النّسوية فَيُسقِطَ عليها الانتساب، ولعلّ الكتابة النّسائية تتفرّد بالإنتاج الأنثوي من جهة الذّات المؤلّفة للنّص، في حين أنّ الكتابة النّسوية/ الأنوثيّة ترمي إلى الدّفاع عن قضايا الأنثى الشّائكة من معتقدٍ معبّأٍ بالاضطهاد والقهر المُمارس على النّساء من طرف الهندسة الاجتماعيّة المنحازة إلى الذّكر، وكما تكتب النّساء من موقعهن فإنّ الرّجال أيضا بمقدورهم انتداب صوت النّساء من داخل النّص بغية تفكيك التّمثّلات الثّقافيّة التي تُنسجها الأنساق الاجتماعية المتخلّفة.

الهوامش:


[1]  عبدالله إبراهيم، موسوعة السّرد العربي، ج6 (الإمارات: قنديل للطباعة والنّشر والتوزيع، 2016)، ص22.

[2]  إدوارد سعيد، الثقافة والإمبرياليّة، (مترجم ) كمال أبو ديب، ط1 (بيروت: دار الآداب، 2014)، ص53.

[3]  عبدالله إبراهيم، المحاورات السرديّة، ط1 (الرباط: دار الأمان، 2011) ، ص60.

[4]  عماد الورداني وآخرون، السرد والموسوعة، ط1 (المغرب: منشورات مختبر تأويليات والدراسات النّصية واللسانيّة، 2021)، ص223.

[5]  سارة جامبل، النسوية وما بعد النسوية، (مترجم) أحمد الشامي، ط1 (مصر: المجلس الأعلى للترجمة، 2002)، ص 338.

[6] Ted Honderich, the oxford copanion to philosophy, second edition (New York: Oxford university press, 2005), p292.

[7]  جامبل، ص21.

[8]  ملاك إبراهيم الجهني، قضايا المرأة في الخطاب النسوي المعاصر، ط1 (لبنان: مركز نماء، 2015)، ص36.

[9]  سعيد، الثقافة والإمبريالية، ص276.

[10]  إدوارد سعيد، الاستشراق، (مترجم) محمد عناني، ط1 (مصر: رؤية للنشر والتّوزيع، 2006) ص29-30.

[11]  جامبل، النّسوية وما بعد النّسوية، ص 383-384 .

أدب العدد الأخير العدد التاسع والعشرون بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

سعيد أوعبو