النملة وقطرة الماء– قصة قصيرة

كتب بواسطة عادل الحامدي

1

الجزء الصغير من الشجرة الذي يظله الحرف المتقدم عن السطح من البناء كان جافا تماما ، وكذلك الأرض تحته . بينما الجزء الكبير منها ، العاري في وجه الرياح والأمطار ، كان ينتفض بقوة ومنه تتقاطر حبات الماء بغزارة ..  كانت الأرض في ذلك الجزء كلها مبتلة . وقطرات الماء تنهمر من أوراق الشجرة دون توقف ، رأيت حدا فاصلا يرتسم بوضوح بين الجزئين . الجزء الجاف المغطى حيث كان شق طويل وضيق، نصفه جاف ونصفه الآخر مبتل ،  يمتد من أصل الشجرة حتى يلامس النتوء الذي يفضي لأرض الشارع . نحو ذلك الجزء الجاف شاهدت نملة شديدة الصغر تسعى قادمة من الناحية المبتلة . ورغم غزارة تساقط القطرات من أوراق الشجرة فقد نجحت النملة في مراوغتها ببراعة حتى بلغت  طرف الشق واختفت  داخله . لاحقتها ببصري لأعرف أي اتجاه كانت تمضي نحوه. لكن شدة صغرها غيبتها عني تماما

لكنني كنت أعرف أنها كانت لا مفر لها من المضي داخل الشق .

2

لم يطل الأمر بالجزء الجاف من الشجرة حتى شرع الماء ينقط ببطء من إحدى ورقاته . كان خط رقيق من الماء يتسرب من الجهة المبتلة التي كانت تتعرض لصفعات المطر . ويمضي مع الأغصان حتى يبلغ ورقة معينة في طرف آخر غصن  من الجزء الجاف . فيتجمع في طرفها ثم يشرع بالاحتقان ، حتى يبلغ كمية لا يستطيع طرف الورقة  احتماله،   فينفصل جزء منه مشكلا قطرة  تهبط قريبا جدا من الشق الجاف،  فيتندى قليلا وتظل القطرة للحظات في حالة لزوجة ، ثم تغور في الأرض  فتلونها في الحال باللون البني الداكن .  

3

تابعت  وقوع القطرة من طرف الورقة  إلى الأرض ، بعد أن حددت ببصري موقع الورقة التي كان الماء ينقط منها . وانتظرت وقوع القطرة التالية . لأن الطرف كان محتقنا بالماء تماما . وفعلا لم يطل الأمر ووقعت القطرة الثانية فوق القطرة الأولى وفي نفس موضعها تماما . فاتسعت رقعة المساحة الملونة بالبني الداكن . عندها خطر لي أن أتكهن في الحال بالمكان الذي ستقع فيه القطرة الثالثة التي كنت أعرف أنها آتية لا محالة . كان من السهل جدا علي الافتراض أنها ستقع تماما فوق أختيها القطرتين الأوليين . لأن موقع الورقة التي يأتي منها الماء لم يتبدل . والرياح كانت تقريبا ساكنة  والورقة نديّة مثقلة ومن الصعب على الريح هزها .. وهكذا ركزت بصري على النقطة الموعودة من الأرض ونسيت الورقة . منتظرا وقوع القطرة الثالثة كما قلت فوق السابقتين . لكنها وقعت بعيدا .. بعيدا داخل الشق الذي غيب النملة .

4

عندها انتظرت القطرة الرابعة محولا اتجاه تخميني  بمكان وقوعها بعيدا عن النقاط الثلاث

.. قدرت أنها ستقع في الجهة الأخرى من الشجرة مثلا .. ووقعت القطرة الرابعة فعلا . لكن سقوطها كان فوق القطرتين الأوليين تماما . فصار عندي ثلاث قطرات متراكبة على بعضها وقطرة رابعة وقعت على مسافة منهم . هنا اتسعت رقعة المنطقة المندية من الجزء الجاف  ثم اتصل الابتلال فصار رقعة واحدة كبيرة  وصلت أثر القطرات الأربع ببعضها ، وانتظرت القطرة الخامسة .. متجنبا في تخميني بموقع سقوطها التأثر بحادثة الوقوع المتراكب لثلاثة قطرات منها .. فمنحت القطرة حرية الوقوع نصف شبر بعيدا عن البقية ، في النقطة الفاصلة بين طرف جذع الشجرة وبداية الشق الجاف ، حيث لا تزال النملة مختفية . ليكون موقع سقوط القطرة الخامسة .. ووقعت القطرة فعلا .. بعد احتقان طويل غمر طرف الورقة التي شرع الوهن يسري في صفحتها . لكن القطرة طارت في الهواء وأصابت الجذع ولم تنزل إلى الأرض . وهنا انتبهت فعلا لعودة الريح للهبوب  .

5

تتابع نزول القطرات . وواصلت النملة اختفاءها في الشق .. وقعت قطرة سادسة في الشق تماما . ثم قطرة سابعة أمامه وثامنة خلفه . وتاسعة فوق السادسة في الشق .. حيث أخذتني شفقة مفاجأة على النملة التي كنت أعرف أنه يستحيل عليها العودة القهقرى . فهي كانت تدب داخل الشق لتبلغ المنطقة الجافة . وأي عودة لها للمنطقة المبتلة ستعني غرقها المؤكد في الماء . إن تجاوزت التنوء المفضي للشارع ..  تحت الجزء العاري من الشجرة . حيث مطرا رقيقا لم ينفك يهطل من سحاب سخي مثقل منذ الصباح ..  يشبه بخاخات  لا تتوقف عن الرش . كان يلذ لي كثيرا تعريض جسدي لتلك البخاخات  ثم تمرير يدي مرات عديدة على شعري المبتل،  أشعر بالعجب من الناس وهو يمرون مسرعين  بالمظلات مفتوحة فوق رؤوسهم ولا يستمتعون بالتعرض لبلل المطر ، مثلي أنا .  صرخ فيّ أحدهم : اسرع في مشيك وإلا فان المطر سيدركك ،  كان ذلك هو ما فكرت فيه بالنسية لتلك النملة تماما .

6

أمام تتالي نزول القطرات من الورقة والوهن الذي أصاب الأخيرة  لكثرة ما جرى على صفحتها من ماء فكرت أن أقيم سدا صغيرا يبدل مصير القطرات ويحتجزها ويمنع ضياعها وغورانها في العدم . العدم الذي كان الأرض الإسمنتية الجافة تحت الحرف المتقدم عن السطح من البناء  التي تبتلع كل شيء  . فنزعت الورقة الواهنة .. متيحا لخط الماء الرقيق  الانسياب عبر الورقة المجاورة . وقوستها لأصنع منها سدا صغيرا يمسك قطرة الماء . ثم وضعتها على الأرض في المكان الذي اعتقدت أنني أجدت التخمين بأنه سيكون لا محالة موضع سقوط القطرة الجديدة من الماء . لكن القطرة وقعت خلف السد .  هنا ادخلت في حسابي شيئين كانا غائبين عني عند تقديري لموقع وقوع كل قطرة . الرياح التي ستحول وجهة القطرة وهي هابطة  . ومستوى انحراف الورقة في اللحظة الأخيرة ، عندما يبلغ تشبع طرفها بالماء حده الأقصى . قبل انفصال القطرة عنه . فقمت بتحويل مكان الورقة / السد الصغير الذي رمت منه احتجاز القطرة . مسافة شبر . لأضعه في نقطة متوسطة بين طرف الجذع وبداية الشق . ووقعت القطرة . لكن نصفها كان داخل حوض السد ونصفها الثاني كان خلفه . فشعرت بنصف انتصار . وبدا لي  احتجاز القطرة الموالية داخل حوض السد الصغير أمرا ممكنا جدا لو  فقط حركته بضعة سنتمترات قريبا من الجذع .

7

ولم أتردد في تنفيذ ذلك .. حركت السد قريبا من الجذع . وتطلعت ببصري نحو الورقة التي كان طرفها  يحتقن بالماء ببطء .. في الأعلى .. حيث  البعض من جذوع الشجرة تكاد تلامس سمت  السطح وتتجاوزه . كانت الأغصان تصطخب وتتصافع . ومنها يسيل الماء بغزارة ، شرعت قطرات كثيرة تنزل على المنطقة الجافة عشوائيا .. دون أن تتبع مسارا معينا بوسعي تعقبه ، كالذي اتبعته قطرتي التي انتويت طويلا احتجازها داخل حوض السد . لكن بصري ظل معلقا بالقطرة العالقة على طرف الورقة .. غير مبال ببقية القطرات التي كان دفقها لا يني يصفع وجهي ويخضب شعري ،. وانفصلت هذه أخيرا وسقطت  .  وفي نفس اللحظة برزت النملة مجددا من الشق . حيث كانت قد بلغت بر النجاة في المنطقة الجافة .

8

وقعت القطرة على ظهر النملة تماما .. بعيدا جدا عن السد الورقي . كان لقوة وقوعها وضآلة النملة ما كان يكفي ليعطيني اقتناعا أن ظهر النملة قد انقسم . غمرها الماء تماما . انتفضت وتوقفت للحظة عن الحركة . لكن ظهرها لم ينقسم . لأني رأيتها تعاود الدبيب ببطء ،  ثم لم تلبث أن عادت تدب القهقرى نحو المنطقة المبتلة . بعيدا عن الجذع وعن الشق

9

أي مسعى انتحاري كانت تسلكه النملة؟ . سيجرفها الماء دون ريب  إن تجاوزت النتوء المضي للشارع . بعد قليل دارت النملة حول نفسها ووقفت قليلا مترددة  . ثم لم تلبث أن عاودت ولوج الشق . دون أن تخاطر ببلوغ  طرف النتوء المميت

10

وعدت للانشغال بسدي وورقة الشجرة والماء الذي يحتقن في طرفها . كنت أريد أن يحالفني الحظ ولو لمرة واحدة .. فأنجح في التكهن بمصير قطرة الماء الهابطة من فوق ، واعد لها سدا واهن القوة لأحتجزه داخلها  . فلا تروح لمشيئة العدم . وإن كنت لا أعرف بعدها لأي أمد ستعيش القطرة .   لكنها كانت دائما و أبدا  تعاند .. خمنت مرة أولى .. اوثانية .. وثالثة .. ورابعة وخامسة وتاسعة وعاشرة وتاسعة عشر وعشرون .. تتابع وقوع القطرات حتى غدا سيلا .. ولم أنتبه لتحول التسرب البطيء من الجهة المبتلة إلى جدول  يجري فيه الماء على نحو مسترسل .. كثرت الخطوط وتعامدت وتشابكت ، صارت القطرات خطا  يسيل على نحو متصل وغاب الحد الفاصل بين الجهة الجافة والجهة المبتلة .. غمر الابتلال كل المنطقة ..وهنا تذكرت النملة .

11

أمسكت حفنة من التراب  الجاف ونثرتها على طول الشق . وفي نيتي تغطيته تماما ومنع الماء من ولوجه . وفي نفس الوقت أبغي أن تضطر النملة للخروج . وهكذا . فيما كنت أقدر وأحسب . اتيح للنملة الإفلات من غمر الماء .. لكن الماء كان قد شرع يتخلل الشق ويمضي داخله .. والنملة لا تزال غائبة .  لا أعرف أين هي . رغم حجمها الضئيل جدا كان بوسعي أن أراها  تدب .. لو فقط عاودت الخروج  مجددا إلى السطح . وعندها لو رأيتها .. قد أفكر في أن أمد لها جسرا صغيرا من أوراق الشجرة تعبر فوقه نحو الجذع وتكمن في أحد تجويفاته . لكن طال بي الانتظار ولم أرها تخرج .

12

ولم أهتم كثيرا  بغيابها . ولم تداخلني خشية كبيرة على مصيرها ، ولم اعتبره سوى مناورة منها لتخفي عني حقيقة وجهتها .. رغم أن تلك الوجهة  كانت بينة لا تخفى .. عليها أن تفر نحو الجذع .. فالبلل يزحف على الأرض في كل مكان .. والشق بدا يتشبع ويطفطف ، والحدود غابت بين الجاف والمبتل . وهكذا عشت على وقع عودة ظهورها في أي لحظة .. فتركت مشروع السد ونفذت ما عزمت عليه من أمر إنشاء الجسر .

13

مددت خمس ورقات لأصنع الجسر  .. بعد ان رأيت مسار الشق يستحيل جدولا ، مددت عشر ورقات .. مددت عشرين ورقة .. قطفتها كلها من الغصن المتدلي  قريبا من متناول يدي .. وشرعت بمدها كلها على طول  المسافة الفاصلة بين النقطة التي اعتقدت أن النملة تختفي فيها . والنقطة التي يبدأ فيها طرف الجذع .. وعندها .. بعد أن اكتمل مد الجسر ، ما على النملة .. بعد أن تجتاز المسافة المخطرة .. حيث الابتلال يتزايد ، سوى أن تستنهض ما تبقى في جسدها الصغير من قوة لتعبر آخر ورقة من الجسر وتشد كلابتها لطرف الجذع وتمضي صاعدة نحو الأعلى .. حيث التجويفات في الجذع  بلا عد ولا حصر . وحيث بوسعي عندها . وأنا أراها تنحشر هناك ظافرة  . أن اعتبر نفسي قمت بعملية إنقاذ مجدية .

14

لقد ندمت قليلا في البداية على نثري للتراب . لما خطر لي من أنه سيطمر النملة تحته . وتحوله سريعا إلى طين . وشرعت بإزالته معيدا فتح الشق . لأترك الماء يتخلله ،  ثم عندما بدأت بمد الجسر  لم أتبع بشكل خطي مسار الشق .. كانت هناك مسالك كثيرة تفضي لطرف الجذع بعيدا عنه .. بدءا من النقطة التي تختفي فيها النملة .  وهكذا أتيح لي رؤية جزء كبير من الشق لا يزال عاريا والماء يمضي خلله .. لكن من فوق .. حيث  تلك الورقة القديمة التي ينتهي عندها تسرب الماء القديم .. كانت تعاود الاحتقان . ومن جديد تنقط منها القطرات . بشكل  شبه منفصل  عن كافة المسارات الأخرى لبقية القطرات . عدت أفكر في أي مصير ستنتهي اليه القطرة ، وأي عدم سيبتلعها ،  وفكرت مجددا  في السد . منتظرا  في نفس الوقت نتيجة إقامة الجسر . وكم من قطرة سيقدر أن يستوعبها ، أي أنه صار في رأسي مشروعان معا ، رميت الورقة الأولى التي ابتلت وبليت ، وصنعت سدا من ورقة ثانية متينة وقدرت المسافة والمكان . وبناء على حساباتي تلك ، خمنت بموضع سقوط إحدى القطرات،  فكانت التخمين في مكانه الصحيح تماما . لقد وقعت القطرة داخل الحوض  بالضبط .. ولم تذهب غورا في الأرض الإسمنتية الميتة، شعرت بالزهو لنجاحي في احتجاز القطرة ،  لكن تحت السد شعرت بحركة . كانت النملة تتخبط . ثم هبت الريح فقلبت الورقة والنملة معا .

15

ذهبت النملة مع تيار الماء.. مع التراب الذي استحال طينا . و برأس خرطومها علقت قشة صغيرة .. هي حصاد يومها ،  تشبه راية يرفعها محارب جسور . معلنا نصره أو استسلامه .. لا أدري ،  وهي ماضية داخل الشق وتدوّم حول نفسها . لم أرها تكدح لتبلغ الجسر وتدب فوقه  .. كانت تجهل أن هناك يدا امتدت لمساعدتها . بل كانت تجهل فكرة المساعدة كليا . فلم تفكر في الصعود فوق الورقات ، جاءت للسد من الداخل .. غالبت الماء داخل الشق  حتى بلغت طرفه حيث ينتصب الجذع .. لكن تيارا قويا أعادها على أعقابها . وعندما تشبثت بطرف الورقة / السد ، أطارتهما معا الريح ، وتناثرت ورقات الجسر كيفما اتفق . وتكسر السد واندفعت المياه هادرة تغمر الشق كليا .

16

 لكن من فوق .. ومن طرف تلك الورقة بالذات .. ورقة العبور الأخير لخط الماء الصغير المتقطع ،  حيث لا يزال ذلك  الخط يوالي التسرب من أعلى مكان في الشجرة . وقطرات صغيرة توالي التشكل دون انقطاع ، ثم تنفصل وتقع على الأرض ، كان بصري وعقلي . بعد أن انقضت دوامة النملة وتابعت آخر طور من كفاحها ضد الغرق .  يعودان ليتابعا المآل العبثي لقطرة صغيرة من بين مئات القطرات النازلة عشوائيا .. هي تحديدا ما اعتقدت أن بوسعي تخمين أي مصير ستؤول إليه .. في المحيط البني الداكن الذي شكلته آلاف القطرات النازلة على غير هدي من غصون الشجرة .   

أدب

عن الكاتب

عادل الحامدي