بعيدا عن عدسات الكاميرات.. غزة تسطر بطولات أسطورية

كتب بواسطة خالد عبدالرحمن

من قلب الحدث، وأنا أسير في طرقات غزة المدمرة، وسط الركام والقصف والقنابل والصواريخ من جهة، وأرى الجوع والألم والحسرة ومرارة الفقد والخذلان من جهة أخرى، يا إلهي ما زال هناك حياة رغم حجم القسوة التي لا تعرف الرحمة والعنف المنفلت من عقاله كالثور الهائج والظلم والطغيان اللامحدود والذي لم يشهد التاريخ لمعاصر له مثيل فالبربرية ,الوحشية تم استحضارها لتصب نار حقدها وسمها اللعين وحقدها الدفين على شعب أعزل مسالم، كل ما طمح ويطمح إليه الحرية والانعتاق من القهر والحصار ورق العبودية المعاصرة ومتمسك بأرضه فهي عرضه الذي يأبى التفريط فيه ما دام الدم يمشي في عروقه وفي جسده قلب ينبض بالحرية.

للوهلة الأولى وكأي محلل يعلم حجم ما ألقي على غزة من آلة التدمير والعدوان وهي مقدرة بثلاث أضعاف قنبلة هيروشيما، يدرك المرء أن غزة انتهت وللأبد، لكن الواقع بل المعجزة الإلهية أبت ذلك وجعلت من هذه المدينة أيقونة للبقاء ورمزا لطائر الفينيق الجريح يخرج من تحت الأنقاض يلملم جراحه ويغرد للحرية من جديد، ما زالت ارادة الحياة باقية مستمرة، غزة الصغيرة بحجمها الكبيرة بأهلها ما زالت تداوي جراحها وتلملم شتاتها وتتشبث بالحياة والأمل والثبات في أبهى صور الصمود والتحدي.

هنا تتكلم الأرض عربي، لغة أهلها وأصحابها، تحضن أهلها وناسها وشعبها، هنا يتكاتف الكل ويبدع كي يتخطى الصعاب ويتغلب على الأزمات، أرى الأرض تعانق أولادها بحب، الأشجار والطرقات وما تبقى من المباني لها هي الأخرى نصيبها وكلمتها، لسان حالها يقول سنكتب فصلا جديدا للحرية معمدا بالدم والإباء والتضحية والفداء.

التقيت بعدد كبير من النازحين والمهجرين والناس من شتى الأصول والثقافات والانتماءات وحتى الأفكار والمعتقدات، الفلسفات، كلهم يجمع بأنه لا هجرة أخرى، وصمود ولو كلف شهادة، وصبر حتى يمل الصبر من صبرهم.

رغم ما سمعت ورأيت دار في رأسي حوار عميق كان لابد له من إجابة ولا بد له من تحليل عميق، فكيف يعيش الناس ويدبرون أمور حياتهم رغم المشاكل والأزمات المصطنعة جراء الحرب والقصف والحصار المطبق، كيف يمكن لهم أن يتغلبوا على انقطاع الكهرباء ونقص الماء بل لن أبالغ إن قلت أنه لا بنية تحتية للصرف الصحي ولا الاتصالات ولا حتى المشافي، مشاكل كبيرة وكثيرة وتعجز دول عظمى عن حلها أو تجاوزها في مرحلة يسيرة، زلازل متعاقبة من الدمار والتدمير والإمعان في ضرب مكتسبات الشعب وعلى النقيض كن ذلك شعب أعزل وصورمن التعاون والتكاتف والابداع قل نظيرها ليرفض هذا الشعب الموت جوعا وعطشا، فما هي تلك الصور وكيف أصبحت عنوانا لمرحلة الحرب وما بعدها، صور لم ترصدها عدسات الكاميرات، ولم تنقلها وكالات الأنباء، صمود ما فوق العادة وصبر فاق الصبر، ثبات عجيب، كان لزاما علي أن أشارككم بعضا يسيرا من تلك البطولات الأسطورية التي تسطرها غزة الشعب الذي يأبى العيش إلا حرا كريما، ولن أطيل عليكم عزيزي القارئ لأسرد بقلبي قبل عقلي بعضا يسيرا منها

خيام فوق الركام والبيوت المدمرة، أرضيات لا تصلح حتى للسير، غبار في كل مكان، كل شيء هنا يشي بأهوال تزداد شدة، ودمارا ينم عن حقد دفين، حجارة متناثرة، ركام فوق ركام، منازل آمنة قصفها الاحتلال بقنابل ارتجاجية مصممة للتحصينات والمنشآت العسكرية، طرقات وشوارع أصبحت أثرا بعد عين، حارات ومربعات سكنية بالكامل تهدم على رؤوس ساكنيها لا ينجو منها حتى الحيوان والشجر ومن كتبت له الحياة سرعان ما يعود إليها، يلملم ما تبقى من بيته ومسكنه،  ليشيد خيمة بسيطة  تلو خيمة ولسان حالهم “لن نرحل ولو قصفونا كل يوم ألف مرة، فالأرض أرضنا، هنا ذكرياتنا، هنا زرعنا وبنينا ونشأنا”، ليفشل الشعب كل الشعب محاولات التهجير ويعلنها مدوية ثبات وتشبث بالأرض لم أر له مثيل..!!

“لا تأكلوا، سنحرمكم  رغيف الخبز حتى تخنعوا صاغرين و تخضعوا مستسلمين”، استعلاء القوة وأقوال مجلس الحرب النازي، سياسة الهمجية وعالم يدعي التحضر، لا نفط ولا غاز ولا كهرباء أو حتى مخابز، فيبحث الناس عن البديل ويرفض أن يجوع ويأبى أن تنال منه يد العدوان والهمجية، يحيل بعضهم طنجرة الكهرباء لتعمل بالفحم أو الحطب، وآخرون يبنون أفران الطينة ليطهو طعامه ويتنفس حرية ويأبى الانكسار ويزرع الأمل ولو كلفه العودة مائة عام إلى الوراء، رغم ما يعانيه من تعب وارهاق وكمد في القرن الواحد والعشرين ناهيك عن دخان الحطب الضار بالصحة وبالجهاز التنفسي على وجه الخصوص، لكن بعد هذا اليوم الشاق والأعمال الخشنة تجد العائلة رجالها ونساؤها سعيدون ويحتضنون أطفالهم ليحتسوا كوبا من الشاي غير آبهين بحركة الطائرات وأزيزها وصوت المدفعية وشتى وسائل التدمير والهلاك، يحاولون أن يسردوا للأطفال قصة ما قبل النوم، يذكرونهم بالأرض وكروم العنب والزيتون، لعلهم يرجعون إليها يوما..

غزة التي لا تزيد مساحتها عن ٣٦٥ كيلومتر مربع، مساحة صغيرة وتعداد سكني كبير، لجأ أهلها إلى التوسع الرأسي وبناء الأبراج لتصبح أكثر المناطق ازدحاما بالسكان، فلا سبيل في ظل الزيادة السكنية الهائلة والحصار عليهم سوى التوسع العمودي في المباني والمشافي والأسواق والمدارس وكل البنايات الحكومية والخاصة والخدمية، فلن يصل الماء الأدوار العليا إلا بالمضخات والمواتير، ودون أدنى شعور بالإنسانية أو ما تعلمناه يوما عن حقوق قالوا لنا أنها حقوق الإنسان،  يقصف الاحتلال بكل عنجهية وازدراء حتى محطات ضخ وتحلية المياه ويمنع السولار والبنزين ليوقف عمل المضخات، ويضغط على السكان كي يرفعوا الراية البيضاء ويتنازلوا عن أدنى حقوقهم التي كفلتها الشرعية والمواثيق الدولية، فيتجه الأهالي للآبار القديمة والارتوازية وباستخدام وسائل بدائية يملأ الجالونات متعاونين حتى يوفروا ماء الشرب، ومنهم من استطاع ابتكار مضخات بسيطة تعمل على طاقة الشمس فيوفر ما استطاع من الماء فيشرب ويسقى الزرع والحيوان ويتعاون الأهالي في ذلك ولا تنكسر الإرادة أو تنحني الهامة، قابلت أحدهم وهو يستحم في ماء البحر وقد حل الشتاء القارس، سألته لما تفعل ذلك؟ فقال أحب أن ألقى الله نظيفا طاهرا!!، لك الله يا غزة، وأنتِ تسطرين أعظم آيات الصبر والتحدي.

يقصف الاحتلال محطة الكهرباء ويمعن في تخريب البنية التحتية من كوابل ومحولات مستخدما أعتى وسائل الحرب كالدبابات المصفحة والجرافات الضخمة، ليحرم الناس حتى من الإضاءة كي تغرق غزة في ظلام دامس، فيستخدم الناس بعض المرايا البسيط وما توفر من ألواح الطاقة وأجهزة تخزين الطاقة كالبطاريات الجافة أو السائلة ليحول ما توفر من طاقة شمسية أو ضوئية إلى كهرباء فيشحنون بطارياتهم وجوالاتهم ليقهروا الظلام ويوقدوا نورا يستمدون منه أملا كبيرا وفي هذا يتبارى الناس فمنهم من يقدم خدمات الشحن مجانا وآخرون يعكفون على إصلاح البطاريات واستثمار المرايا الشمسية في تعاون وتكاتف قل نظيره ولعله كلمة السر في تخطي هذه الأزمات والمشاكل المتعاقبة.

أما عن وسائل المواصلات فحدث ولا حرج أصبحت بلا سولار أو بنزين مشلولة متوقفة فما كان من الناس الا استخدام الوسائل البدائية كعربات تجرها الدواب، ثم ابتكروا بعض التغييرات في فلاتر السيارات والمواتير لتسير على زيت النبات أو ما يطلق عليه هنا السيرج ورغم كل هذه المعاناة في التنقل استطاع الغزيون تشغيل بعض سياراتهم وباصاتهم وتمكنوا من التواصل ومساعدة بعضهم والاطمئنان على البعض الآخر وتذليل هذه العقبة إلى حد مقبول في ظل الأزمة الخانقة وعدم توفر النفط.

وفي مظهر آخر ينم عن المسؤولية المجتمعية والتعاون، تجد حارة أو مربعا سكنيا يقدم ما لديه لإخوته في الخيام من كسوة الشتاء ويتقاسم معهم الملابس والجاكيتات الثقيلة وشتى أنواع الفراش والغطاء، وهم بذلك يسطرون نهجا فريدا من التعاون المتجدد وأقصد بالمتجدد أن الناس لا يملون أو يكلون من مساعدة بعضهم البعض ناهيك عن استضافة بعض النازحين اللذين تم تدمير بيوتهم في بيوت أقربائهم ومعارفهم وأحيانا كثيرة لا صلة قرابة غير الأجر والثواب مطبقين قولا وفعلا المثل الشعبي الفلسطيني ” الناس للناس”، هذه الحرب رغم كل مساوئها كشفت معدن الناس الحقيقي وتكاتفهم وتعاونهم رغم ما أصابهم من الخوف والجوع ونقص في الثمرات والأنفس.

والناظر بتمعن بل المتفحص والمتأمل لتلك الصور التي واجه بها الغزيون هذه العقبات المتراكمة وكيف استطاعوا أن يتعايشوا ويتكيفوا مع الواقع الجديد ليدرك بدون أدنى مواربة بعض النقاط التي ارتكزوا عليها وهي:

  1. إصرارهم على الصمود وإفشال المؤامرة لاسيما التهجير فلسان حالهم ومنطقهم في آن واحد لن نهجر مرتين وما زالت نكبة ال ٤٨ خالدة في عقولهم وذاكرتهم وقد نجحوا في توريثها للأجيال المتعاقبة فتجد في كل بيت رمزا من رموز عودتهم كمفتاح الدار وحتى ملكية الأراضي يتوارثونها جيلا بعد جيل، وأنقل عن عجوز فلسطيني شارف على الثمانين قوله” لا يوجد شيء في العالم كله يمكن أن يحل محل الحرية ولن نسمح للعقبات مهما كانت كبيرة أن تقف في طريق غايتنا وطلبنا، وإن كان ثمن الحرية والاستقلال كبير فثمن الذل والهوان أكبر بكثير.
  2. الوعي الشعبي والجماهيري الكبير وإدراك حجم ما يحاك لهذا الشعب في الغرف المظلمة من الاحتلال وأعوانه فأخذ على عاتقه افشال تلك المخططات حتى لو كانت فاتورة الدم كبيرة والتضحيات غالية ولعل أهل غزة اعتادوا أن يبثوا في قلبي الشموخ والأمل وفي عقلي التفكير والبصيرة من جديد حتى لو فقدته للحظات وسط هول المشاكل والتحديات.
  3. التعاون والتكاتف والصبر الذي قدمه الشعب أثناء العدوان وكأنه بنيان مرصوص فأصبح التعاضد والعطاء والعمل بروح الشعب المتفاني متجسدا في كل ملامح الحياة وسمة ميزت هذه المرحلة وأعطتها زخما عاطفيا ومعنويا عاليا لتجعل كل فرد في المجتمع يشعر بمسؤوليته الملقاة على عاتقه ويؤديها بكل حب وصبر وثبات، إنه وطن برائحة الشهداء فلكل حجر قصة ولكل زهرة حكاية ولكل زاوية ثورة.
  4. روح الإبداع والابتكار فالحاجة أم الاختراع ليتمكن هذا الشعب من تطوير بعض المقتنيات وتكييف بعض الأجهزة والمعدات لتعمل بأنواع أخرى من الطاقة كالسيرج مثلا ليصبح وقودا للمضخات والمواتير فضلا عن عشرات المواد التي تم تطويعها في بناء الخيام وإصلاح ما يمكن إصلاحه من المباني المهدمة ما عزز بدوره من وسائل الصمود والصبر وساهم في تخطي الكثير من الصعاب وتذليل عدد لا يستهان به من العقبات الكأداء.

وختاما، هذه ليست إلا مشاهد يسيرة وصور بسيطة صنعها الغزيون بأقل القليل، أبدعوا وبذلوا فيها الكثير من الجهد والتعب والعناء من جهة والتفكير والإبداع والابتكار من جهة أخرى، وتحملوا الصعاب وتجاوزا الشدائد ، ليدشنوا مرحلة جديدة من تاريخ الصراع ويستشرفوا المستقبل بعيون وقلوب تفيض أملا وعنفوانا وتستشرف الغد الأفضل والأجمل رغم ما قدمته من تضحيات على طريق الحرية والاستقلال،  وإن كان الشعب لا يتذكر أو يروي إلا ما هو أسطورة أو بطولة فكل ما يحدث الآن هو قمة في البطولة والتحدي، وإن نمت تلك الصور الرائعة والمشاهد الخالدة في تاريخ الأمة والشعب فإنما تنم عن رعاية وتوفيق ومعية الله آخذين بالأسباب ولن يهزم شعب توكل على الله رب العالمين.

ثقافة وفكر سياسة

عن الكاتب

خالد عبدالرحمن