بين عبدالله حبيب ومحمد الحارثي

كتب بواسطة مبارك المخيني

أمر عجيب حقًا هذا الوضع الوجودي الذي أمر به الآن، فكيف خطط هذا القدر الغريب أن يجعل شاب في الثانية والعشرين من عمره يقرأ عن أمور حدثت في السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم وما بعدها بين شخصيتين يحبهما كثيرًا، وكل هذا في هذا العام 2023! طبعًا هذا الشاب هو أنا وهاتين الشخصيتين هما عبدالله حبيب ومحمد الحارثي. حالة وجدانية أمر بها على حافة الطريق الرئيسي المضمخ بالآلام الوجودية، أشعر بارتباط من نوعٍ ما بيني وبينهما وقد يكون هذا من نسج خيالي فقط وأنا راضٍ بهذا. أتت كل هذه الهواجس على إثر انتهائي من شهادة عبدالله حبيب الذي أوردها في كتابه “قنديل بعيد عن الشمس” عن محمد الحارثي ولقاءاتهما في البلاد وخارجها، الشعور جاء مضاعفًا لأني قد قرأت قبل سنتين كتاب رحلات محمد الحارثي “عين وجناح: رحلات في الجُزر العذراء، زنجبار، تايلاند، فيتنام، الأندلس والرّبع الخالي” وفي إحدى اللحظات التي يسترجعها محمد الحارثي في رحلته بين الأمريكيتين خصوصًا، أتى بذكر عبدالله حبيب وحمد ناصر بأسماء مستعارة (ما يزال هذا لغز بالنسبة لي) حين لقاءهما بسركون بولص في سان دييغو، في قراءتي الأولى لم أعرف الشخصيتين بطبيعة الحال، وما اكتشفتُ الأمر إلا حين قرأت “رحيل” لعبدالله حبيب ووجدت أن المشاهد متشابهة والأحداث هي ذاتها! عبدالله حبيب لم يستعن بأسماء مستعارة هنا وإنما أورد محمد الحارثي وحمد ناصر بأسمائهما. كانت تلك اللحظة التي عرفت فيها هذه الحقيقة أشبه بلذة مصحوبة بنشوةٍ أدبية استمرت معي لفترة طويلة. إذن، هذا الترابط بين محمد الحارثي وعبدالله حبيب ربطني بهما بشكلٍ أو بآخر بحبلٍ تتدلى منه الأشعار والمصادفات والمشاعر.

والآن، وأنا على وشك الانتهاء من “قنديل بعيد عن الشمس” وبعد قراءة ما كتبه عبدالله حبيب عن محمد الحارثي، أراني أوشك على أن أذرف الدمع لسببٍ ما، ربما لأن محمد الحارثي رحل في مايو عام 2018 إلى المجهول من دون أن ألتقي به، وربما لخوفي على عبدالله حبيب من الرحيل المحتوم قبل أن نخوض في الكثير أو القليل معًا، وربما لذلك القدر من الصدق والحميمية التي تحويه كلماتهما. لكني أيضًا وبتدريب مضنٍ استمر لسنين “أهنّئ نفسي على قدرتي أن تظلَّ عيوني طوال النهار/بلا أثرٍ لصلاةِ الدُّموع”(من قصيدة فرق الحالات لمحمد الحارثي) الفرق الوحيد أنها تتجمع لتنهمر طوال الليل.

كان عبدالله حبيب يسترجع الماضي الذي جمعه بمحمد الحارثي، حدثنا عن زميلته نجاح وأختها وداد اللتان قامتا بدعوة الاثنين للعشاء، وتذكرت أن محمد الحارثي قد ذَكَر ذلك أيضًا مما أتاح لي استرجاع حالة اللذة تلك، فززت خفيفًا كالطير لأمسك كتاب “عين وجناح…” لأسترجع الأحداث والأسماء مرّة أخرى. كل تلك المواقف التي جمعتهما، لقاءهما الأول واستنفار عبدالله من محمد في بداية علاقتهما، والوقت الذي أقام فيه محمد برفقة عبدالله فترة دراسة هذا الأخير في أميركا، حضور ذاك الضابط الأميركي (اللعين) في المشرب في حالة تذمر واضحة من محمد على لحاق هؤلاء المتربصين بنا في كل مكان، ذكرى وفاة والد محمد الحارثي وتلك اللحظة الحميمة التي قد تلخّص بشكلٍ ما المشاعر البشرية الصادقة التي حدثت بينهما، وذكرى وفاة والدة عبدالله حبيب أيضًا، لقاءهما بسركون بولص في تلك اللقطة السوريالية التي حدثت في قاعة الاجتماعات الواسعة في سان دييغو…الخ. كل تلك الذكريات التي جمعت بين أثنين أحبُ ما يكتبون وأعشق حسّهم الأدبي وهم فوق كل ذلك عُمانيين! كل ذلك أثار حفيظة قلبي وجعل من نوستالجياهم جزءً من كياني الطفولي. لكم أحببت ما يكتبون وما أزال اقرأ لهم باستمرار بكل حبٍ وشغف ونيّة في التعلُّم منهم.

يقول عبدالله حبيب أن الضحك أكثر من كونه ردّة فعل على فعلٍ آخر وإنما هو أقرب إلى هدف أو غاية قائمة بذاتها، وكان ذلك في معرض مقارنته بين ضحكة محمد الحارثي والشاعر اليمني الكبيرعبدالله البردوني.  “يضحك محمد من كامل  كينونته التي تشهدها أمامك (لشدّ ما أتمنى ذلك) وهي ترتعش لفرط الانتشاء، وقشرة الأرض وهي تتشقّق لفرط الانتشاء كذلك، يضحك من كل أيامه ولياليه، من كل الحروب والأعراس”. هذا الجانب الخفيّ من إنسان محمد الحارثي ربما نحن كقرّاء لم نكن/لن نشهده بتاتًا، وإيراد عبدالله حبيب هذا الأمر بشكلٍ فكاهي وطريف ودقيق يشبع ما في دواخلنا ولو قليلًا من جوع ٍعن ذلك الشاعر الكبير، وهذا ينطبق على محمد الحارثي وعبدالله البردوني.

أراني أرسم في عقلي، أو بالأحرى أعيد رسم الحوادث تلك جميعها بشكلٍ أقرب إلى الدرامية المفرطة، بل كنت أفعل منذ المرّة الأولى التي عرفت أنهما التقيا بالعظيم سركون بولص معًا، هذا الشاعر الذي فتحت مجموعته الشعرية “الوصول إلى مدينة أين” قبل سنين ونهلت من قصائدها، أدعُ عقلي يسرح في تلك المشاهد التي أعيد تكرارها مرارًا وكأنها حدث تاريخي شديد الأهمية، وهو قد يكون كذلك بالنسبة لشخصٍ بسيط يعشق الأدب ويتطلع لهؤلاء جميعًا، ما يكتبونه، وهم يكتبون أنفسهم في نهاية الأمر. هناك حدث يرنّ في رأسي بشكلٍ خاص، وهي تلك الليلة التي ذهب فيها عبدالله حبيب ليستقبل سركون بولص من المطار، لم أكن أعلم أنهما يتعارفان بشكلٍ شخصي من قبل، فيلعب رأسي فورًا ويتخيل الحالة الرثة التي لربما كان عبدالله في المطار ينتظر فيها وصول سركون بظهره المنحني قليلًا وشعره الكث قاتم السواد، وأتخيلهما يتحاضنان بود ساعة اللقاء، وبعدها أنسج من رأسي المحادثة التي دارت بينهما في السيارة وعبدالله يقودها، ربما تكلما عن قصائد جديدة أو مجموعة شعرية أخرى لسركون، أو ربما ساقهما الحديث نحو بيير باولو بازوليني السينمائي والشاعر الإيطالي الشهير علمًا بأن عبدالله حبيب (وهو سعيد برواية محمد الحارثي) كان يعيد قراءته في فترة عطلته، بل ربما تكلما عن وجهتهما، الأمر الذي ينقلني لحدثٍ آخر تخيلته، وهي لحظة دخول سركون بولص لتلك القاعة الفسيحة التي أجَّرها لهم الفندق لعدم وجود شواغر، وحمد صالح (وهو سلمان برواية محمد) يقرأ متخيّلًا جمهور عظيم أمامه قصائد لسركون من تلك المجموعة ذاتها “الوصول إلى مدينة أين” ومحمد الحارثي نفسه يمثّل ذاك الجمهور بسيجارته تتدلى من شفتيه الغضة كفردٍ هاربٍ من المكسيك ربما.. يااه وددت لو كنت منحشرًا بين كرسيين حينها وأشاهدهم من بعيد متخفيًا ومنتشيًا بالتقاء أربعة كبار في عالم الأدب العربي.

لا أرغب بخسارة عبدالله حبيب كما حدث مع محمد الحارثي، كنت حينها في الـ18 ولم أكن حاضرًا في أي مكان يجمع الثلة الثقافية في عُمان لذلك رحل –أي محمد الحارثي- دون أن أودعه بكلمة من كلماته، بقصيدة خطّها ربما، لا أريد أن يتسلل عبدالله حبيب من أيادينا ويسرقه الحتف منّا، أريد كالكثيرين أن نتلذذ بقلمه وبحضوره الإنساني المدهش أكثر وأكثر، لذلك لا أستغرب أن ينهروه محبوه بصيغةٍ آمرة مفارِقة بـ”لا تمت!”.

 أريد طمأنتهما معًا، محمد في اللحد الذي يضم ويعانق كيانه الحسّاس، وعبدالله أينما كان هو وقلبه الآن، أريد قول أن جزء من رسالتهما في هذه الحياة والشيء الذي يمثلانه لابد وأن تحقق بالفعل إذا كان شاب مثلي في هذا العمر الهزيل وفي عام 2023 الثقيل هذا يقرأ لهما بانشداه واندهاش كبيرين، وسوف يفعل دومًا..

أدب

عن الكاتب

مبارك المخيني