تشذير الكتابة بين الذات والمحكي الشعبي(رواية عازف القنبوس نموذجا)

كتب بواسطة محمد الذهبي

يمكن التأصيل للكتابة الشذرية بالرجوع إلى بعض فلاسفة اليونان؛ أمثال: هيرقليدس، برمنيدس، وديمقريطس…(1)كما عَرفت كتابة الشذرة تطورا مع “خواطر باسكال”، ومن بعدها “اعترافات” جان جاك روسو، ولقيت هذه الكتابة شهرة كبيرة مع بعض الكُتّاب كالكاتب الألماني: فريدريك نيتشه، وبعض الكُتّاب الفرنسيين من أمثال: موريس بلانشو، جورج بيريس، وباسكال كينيار…(2) ويمكن أن نقف على تعريف الشذرة مع فريدريك نيتشه الذي: يرى أنها تلك الكتابة التي تكون فيها “للكلمات أنفاس وشهقات مكتوبة وإيماءات خجولة أحيانا متسترة غاية التستر، متمنعة متغنجة”(3). أما موريس بلانشو فيرى: أن كتابة الشذرة هي تلك “الحميمية في صراع بين لزوم القراءة ولزوم الكتابة”(4)؛ وعلى هذا، فالكتابة الشذرية كتابة غير نسقية، تعتمد على درجة عالية من التكثيف.
وإذا ما انتقلنا إلى الرواية الغربية، يمكن الوقوف على مجموعة من الأسماء الروائية التي طُبعت تجربتها بهذه الاستراتيجية الكتابية مثل: جيمس جويس، فيرجينيا وولف، ميشيل بوتور، ناتالي ساروت…
وعند المرور إلى الثقافة العربية، نجد أن النفسَ الكِتابي الشذري حاضر في كتابات الصوفية- مع النفري مثلا(5) – وفي بعض المصنفات التي عُنونت بتسميات مشتقة من الجذر اللغوي للشذرة(6). وقد عَرفت الرواية العربية من خلال الخلفية التجريبية بُروز تجارب تَحفل بهذه الكتابة – مع التفاوت في نسبة التوظيف – ومن بين الروائيين الذين نجد التشذير حاضرا لديهم: صنع الله إبراهيم (رواية تلك الرائحة: 1966)، وكذلك غادة السمان (رواية كوابيس بيروت: 1977)، وبنسالم حميش (رواية مجنون الحكم: 1990)، كما وَسَمَتْ هذه الكتابة التجربة الروائية لمؤنس الرزاز (رواية الشظايا والفسيفساء: 1994/مذكرات ديناصور: 1994/عصابة الوردة الدامية: 1997)، وأيضا فوزية شويش سالم (رواية النواخذة: 1997)، ومنذر بدر حلوم (رواية كأن شيئا لا يحدث: 2011) ، ثم خولة السويدي (رواية عش وسقف وقمر: 2014) (7)، و عبد الكريم الجويطي (رواية المغاربة: 2017)…

وإذا كانت الرواية العربية قد شهدت تطورا عبر سيرورتها التاريخية، من مرحلة التأسيس إلى مرحلة النضج - وفق خصوصية  كل قطر - فالرواية السعودية بموازاة ذلك قد مرت بتحولات، قُسمت إلى ثلاث مراحل : مرحلة النشأة و التأسيس/ مرحلة التجديد/ مرحلة التحديث(8)، وأدْركت الروائية السعودية في نهاية القرن العشرين وبداية الواحد والعشرين، تراكما كميا ملحوظا على مستوى المتون الروائية النسائية التي كانت غائبة سابقا. 
تُعد الكاتبة صباح فارسي من الأصوات الإبداعية السعودية التي بدأت مغامرة الكتابة بديوان شعري عُنْوِنَ بـ: "شغف قلبي"، ثم صدر لها ديوان ثانٍ أطْلقت عليه: "توسد روحي"، أما منجزها الثالث فجاء تحت اسم: "وشوشة". وانتقلت في كتابها الرابع إلى الاهتمام بتوثيق التراث في: "حكاوي ستي رحمة" (تراث شعبي حجازي)؛ لكي تكون رواية "عازف القنبوس"* هي باكورة روايات صباح فارسي، ويجد المتصفح للرواية أنها قُسمت إلى ثمان وعشرين شذرة، تحكي قصة الطفلة صَبرة والشاب مار(عازف القنبوس)، اللذان سَيَسْطَلِيَان بنار الظلم الاجتماعي في قرية الهَجير.
  • تشظي الذات
    بَنت الرواية أحداثها عبر شخصيتين محوريتين: صَبرة ومار، ومن خلال التداخل بينهما تنامت أحداث الرواية بشكل متشظٍ. فأول ما يتنبه إليه القارئ شخصية صَبرة التي عاشت رَجَّاتٍ نفسية عميقة، بسبب تعرضها للتّحرش وهي طفلة – من طرف رجل خمسيني – حين كانت مع أبيها في السوق؛ فـ “في غفلة عن الجميع اقترب منها، تحسس شعرها بيديه المتسختين، امتدت يده إلى رقبتها وفجأة كالمسعور راحَ يقبل رقبتها ويلصق جسده بها واضعا يده الأخرى على فمها”(9)؛ وبما أن الرواية اليوم تَتَعَيَّنُ كجنس أدبي ينخرط في معالجة القضايا الاجتماعية، فرواية “عارف القنبوس” ها هنا تعيد كتابة هذه القناعات الشعبية، فتُرجع أسباب التحرش الجنسي بالأطفال، إلى الأُسَر الذين يتركون الجُناة بدون عقاب، درءا للفضيحة وصونا لعَرض الفتاة.
    تتوالى الصدمات النفسية على صبرة، حين صارت عجِيّة منذ نعومة أظافرها(10)، وأَلْفَتْ حياتها مع عمة تكره الفتيات لدرجة أنها كانت تريد موت البطلة(11)؛ وقد تعمق إحساس الغربة الداخلية لدى صبرة من طرف قريتها الهجير، التي تنظر للنساء كأنهن عَار يمشي على الأرض. أما أبوها فسرعان ما زوجها في سن الزهور لرجل خمسيني سكير(12)، كابدت معه التعذيب والاغتصاب(13)؛ مما جعل شخصيتها “مفعمة بروح الخصام”(14).
    تَبْرز بوادر الفرحة على شخصية صبرة في الشذرة العاشرة من الرواية حين تطلّقت(15)، وأُكْرِمَت بعدها بعطية من البحر، حيث حملت لها أمواجه المتلاطمة مار، الشاب الصياد الغَربي من أصول مغربية، الذي غرقت سفينته في فالنسيا، ولفظته الأمواج على رمال قرية الهجير هدية لقلب صبرة(16)؛ فنُسجت بين البطلين علاقة حب جارف، تُوّجت بزواج رغما عن إرادة سكان القرية(17).
    يرى موريس بلانشو أن كتابة الشذرة في الأساس هي كتابة “فاجعة”(18)، وتظهر هذه الفاجعة كتِيمة أساسية في رواية “عازف القنبوس”، فرغم أن صبرة ومار تزوجا زواجا شرعيا، لكن سكان القرية رفضوا هذه العلاقة بشكل قاطع؛ فمن خلال هذا نلاحظ ارتداد السرد ليَستعمل شخصيتي البطلين كعلامات ترميزية للتّدليل على تشظي الذاتين وتمزقهما، فحين يقرر مار الهجرة رفقة زوجته من القرية، لن تتمكن صبرة من الثورة على ذاتها، بل ستفضل البقاء في القرية ورثاءَ حظها العاثر.
    إن عدم قدرة صبرة على الهجرة مع زوجها الأجنبي، هي استعارة كبيرة قامت بها الرواية عن الذوات اللائي لا تستطعن تجاوز بعض القيود المبجلة في المِخيال الشعبي.
  • تشذير الثقافة الشعبية
    الثقافة الشعبية هي تلك المنظومة الثقافية، المنْتَجَة من طرف “العامة”، والتي لها وسائلها وآلياتها التي تتضمن عدم القبول بأي منتج ثقافي إلا بعد عرضه على المِخيال الشعبي العامي(19)؛ بمعنى أن لهذه الثقافة وسائلها الدفاعية التي تُبعد بها كل جسم غريب عنها.
    جرت جلّ أحداث الرواية، في قرية الهجير، التي” لها وجه متفرد صامت للحزن يكتنف الغد لساكنيها الذين لا تتجاوز أحلامهم حدود شِباك الهجير”(20)؛ نلاحظ من خلال هذا المقطع أن أحداث الرواية جرت في فضاء شعبي منعزل عن العالم، فماهي أساب هذا الانطواء؟ وماهي خصائص البنيات الفكرية الشعبية حسب الرواية؟
    تؤمن كتابة الشذرة أن “كل فضح تصحبه نشوة، وكل نفي لهو مغامرة”(21)؛ لهذا اسْتَجْلَبَت رواية “عازف القنبوس” بعض القناعات الشعبية لكي تُقَوِضَهَا وتعيد النظر إليها من المنطلق التخييلي، تقول الساردة عن العادات الشعبية التي تُغلل المرأة: “صار حتما عليها أن تكفن جسدها داخل تمثال محنط من عادات وتقاليد صنعتها قبائل بمعتقدات وأعراف، وطالبت النسوة بالركوع لها دون اعتراض”(22)؛ وتأسيسا على هذا يمكن التبيّن من أن الرواية حين تناصت مع الثقافة الشعبية، وجدت أن هذه الأخيرة تخلقُ قوالب وحدودا لنفسها تتخندق داخلها.
    تُسلط الرواية كذلك أضواءها على موضوع له حضور في الثقافة الشعبية، ألا وهو “ذكورية المجتمع”، ولأن الكتابة الشذرية تأخذ جدارتها باعتبارها تخريبا للعالم لإعادة بنائه نقيا(23) وتقوم على استراتيجية “هدم المعْبَدِ قبل بنائه”(24)؛ فقد قامت الرواية بتفكيك العلاقات القائمة بين الرجل والمرأة و إعادة عرضها من منظورها السردي؛ لتستنتج أن سبب التسلط على بعض النساء، ليس بسبب تحكم الرجال فقط، بل إن النساء أنفسهن كنّ سببا في قهر بعضهن البعض(25).
    بناء على ذلك نستخلص أن الرواية اهتمت بالثقافة الشعبية عن طريق انتقادها لبعض الممارسات والمعتقدات، لكي يتم تجاوزها. كما وضعت الساردة الأصبع على البنيات الفكرية الشعبية المتجذرة التي تأبى منطق المغايرة والخرق نحو الإيجابي؛ مما يؤدي بالثقافة الشعبية إلى هدم نفسها بنفسها.
  • على سبيل التركيب
    “إذا كان التجريب(…)يقترن بفكرة الابتكار الخلاق غير المسبوق، وعدم الرُكون إلى المألوف والمعتاد، والمغامرة الدائمة في اكتشاف المجهول وقبوله”(26)؛ فرواية “عازف القنبوس” هي رواية تجريبية بكل ما يحمله المصطلح من معنى، كُتبت بلغة تشذيرية سلسة شفافة، وإلى جانب ذلك أخذت على عاتقها بمغامرة سبر أغوار الذوات المتشظية، عن طريق إعادة قراءة الثقافة الشعبية من الداخل. كما أزالت الستار عن العلل المخفية داخل البنيات الفكرية الشعبية؛ وهذا ما جعل رواية “عازف القنبوس” إضافة نوعية في تاريخ الرواية السعودية.
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  • هوامش الدراسة:
    (1) – الحجري محمد ، ظاهرة كتابة الشذرات من نيتشه إلى كانيتي، مجلة نزوى، العدد: 77، 1 يناير 2014 م، ص: 287.
    (2)- المرجع نفسه، ص: 287.
    (3)- نيتشه فريديريش ، هكذا تكلم زاراديتش كتاب للجميع ولغير أحد، ترجمه عن الألمانية: علي مصباح، منشورات الجمل، 2007 م، ص:8.
    (4)- بلانشو موريس، أسئلة الكتابة، ترجمة: نعيمة بنعبد العالي وعبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال، الطبعة الأولى 2004م، ص: 51.
    ( 5)- يمكن النظر في هذا الصدد إلى كتاب النفري: المواقف والمخاطبات، وكتب صوفية أخرى…
    (6)- هناك عدة أمثلة، نذكر منها على سبيل المثال: شذرات الذهب في أخبار من ذهب…
    (7)- سليمان نبيل، التشذير كاستراتيجية سردية، مجلة الشارقة الثقافية، العدد 13، 1 نوفمبر 2017م، ص: 76/77.
    (8)- الجباري نجيب محمد، سمات التجديد في الرواية السعودية المعاصرة- رواية مقامات النساء لعبد العزيز الصقعبي أنموذجا، مجلة الراوي، العدد 32، 1 أكتوبر 2017 م، ص: 90.
    (*)فارسي صباح حمزة ، رواية عازف القنبوس، منشورات تكوين، الطبعة الأولى 2019 م.
    (9)- عازف القنبوس. ص: 45.
    (10) – نفسه. ص: 17.
    (11)- نفسه. ص: 25.
    (12)- نفسه. ص: 68.
    (13)- نفسه. ص: 70.
    (14)- باختين ميخائيل، شعرية دوستويفسكي، ترجمة: جميل نصيف التكريتي، مراجعة: حياة شرارة ، نشر مشترك بين: دار توبقال للنشر(الطبعة الأولى:1986م)، ودار الشؤون الثقافية العامة، تم نشر الكتاب ضمن سلسة المعرفة الأدبية، ص: 47.
    (15)- عازف القنبوس. ص: 88.
    (16)- نفسه. ص: 37/ 68.
    (17)- نفسه. ص: 134.
    (18)- بلانشو موريس، كتابة الفاجعة، ترجمة: عز الدين الشنتوف، دار توبقال للنشر، الطبعة الأولى 2018 م، ص: 151.
    (19)- حواس عبد الحميد ، أوراق في الثقافة الشعبية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، مكتبة الدراسات الشعبية، 2005م. ص: 120.
    (20)- عازف القنبوس. ص: 5.
    (21) – حميش بنسالم، معهم حيث هم، لقاءات فكرية، دار الفرابي -بيروت 1988م، ص: 148.
    (22)- عازف القنبوس. ص: 46.
    (23) – بلانشو موريس، أسئلة الكتابة، مرجع سابق، ص: 41.
    (24)- عازف القنبوس. ص: 40.
    (25)- نفسه. ص: 69.
    (26)- عبد السلام مصطفى بيومي، التجريب في المتخيل السردي، مجلة عالم الفكر العدد: 171(يناير-مارس2017م)، ص: 31.
أدب العاشر بعد المئة

عن الكاتب

محمد الذهبي