تفصيل ثانوي: عن تفاصيل الفلسطيني الثانوية

كتب بواسطة فدوى سالم

غالبًا ما تبدو الحياة وكأنها سلسلة متتالية من الأحداث الكبيرة، والتي تأتي وتمر، تاركة قدرًا كبيرًا من التفاصيل يمر من بينها بدون أن يُرى أو يُسمع أو حتى يُتحدث عنه. هذه الأحداث الكبيرة تزدحم بالتفاصيل، وتبدو هذه التفاصيل أكثر دقة عندما نقترب منها تفصيلًا بعد آخر، وكل ما اقتربنا أكبر استوعبنا الصورة الكبيرة للحدث وزرعناها في ذاكرتنا.

هذا ما تفعله رواية تفصيل ثانوي للكاتبة الفلسطينية عدنية شلبي، تقتنص التفاصيل، وتكنزها في نص يبدو للوهلة الأولى مملًا ومزدحمًا جدًا بها، فهذه القصة التي تحدث باستمرار، وتم توثيقها وتصديقها في كافة حروب الأرض، تصبح ذات قيمة كبيرة، ليس لأنها فقط تمثل حالة غير فريدة، وتعكس جريمة غير إنسانية فحسب، بل لأنها صوت خافت يذكرنا بأن الاحتلال أكبر من كونه استعمارً استيطانيًا، هو أكبر بكثير من ذلك، فتمثل هذه الرواية صورة حقة للعالم الذي نعيش فيه، حيث يخفت صوت العالم عندما يريد ذلك، ويرتفع عندما يريد ذلك أيضًا.

ما الذي يمثله اغتصاب بدّوية وقتلها من قِبل مجموعة من العساكر الإسرائيليين في النقب للعالم؟ ما الذي يمكن أن يحركه هذا؟ إنه حدث بعيد كل البعد عن الأحداث الكبيرة، فكم هو هامشي أن يقوم أوروبيون مستوطنون مسلحون باغتصاب فتاة عربية في الصحراء بعيدًا عن الأنظار في عام ١٩٤٩م بعد أن قاموا بتهجير قرىً وتطهيرها عرقيًا ودفن أهلها في مقابر جماعية على مرأى من أنظار العالم، لا يمكن أن يكون هنالك قيمة لحدثٍ جانبي وهامشي كهذا، ولا يمكن أن يؤثر كثيرًا في صورة هذا الاحتلال سيئ السمعة، أليس كذلك؟

تتحدث شلبي في هذه الرواية ليس فقط عن بدوية اغتصبت وقتلت دون أن يعلم أحد في صحراء النقب، بل تتحدث عن فتاة أخرى حاولت البحث في هذا التفصيل الثانوي الصغير عن حادثة الاغتصاب، فتمر بقدر من التفاصيل الثانوية التي تكثف سوء الاحتلال وما يقوم به من تطهير عرقي مستمر، وما يمارسه من فصل عنصري في فلسطين المحتلة، وهو يفعل ذلك بقدرة عجيبة، يجعل غير العادي عاديًا، ويراكم الأحداث حتى تصبح تفاصيلًا ثانوية كثيرة في خضم وجوده. تستطيع شلبي في هذا النص جعل ما تسميه تفصيلًا ثانويًا حدثًا كبيرًا، أو ربما تستطيع أن تجعل من هذا الحدث الكبير تفصيلًا ثانويًا، مليئًا بالتفاصيل الثانوية الأخرى.

يستعد الفلسطيني منذ بداية النكبة للالتفات للتفاصيل الصغيرة والثانوية بعد انتهاء الاحتلال، فكل ما يمكن أن يحدث وكل ما يحدث قابل للتأجيل بكل تأكيد إلى أن ينتهي الاحتلال، فتنتظر الأم الثكلى انتهاء الاحتلال لتحزن على استشهاد ابنها، أما في الوقت الحالي فهي ملزمة بالزغرطة وزف ابنها شهيدًا، ويعرض إبراهيم نصر الله في روايته أعراس آمنة عن هذا الحدث الضخم الذي يجب اكتنازه في الذاكرة حتى يحين الوقت لأن يأخذ حجمه الذي يستحقه قائلًا:” الذي يجبرنا أن نزغرد في جنازات شهدائنا هو ذلك الذي قتلهم، نزغرد حتى لا نجعله يحس لحظة أنه هَزَمنا، وإن عشنا، سأذكرك أننا سنبكي كثيراً بعد أن نتحرر! سنبكي كل أولئك الذين كنا مضطرين أن نزغرد في جنازتهم، سنبكي كما نشاء، ونفرح كما نشاء.. فنحن لسنا أبطالاً، لا، لقد فكرت طويلاً في هذا، وقلت لنفسي نحن لسنا أبطالاً، ولكننا مضطرون أن نكون كذلك.” ويضطر الفلسطيني لتجاهل تفاصيل الحياة الثانوية، ويجعل من كل حدثٍ كبير حدثًا ثانويًا بذاته، حتى يحين الوقت لأن يلتفت إلى هذه التفاصيل، كما يقول محمود درويش في حالة حصار:

“نخزن أحزاننا في الجرار

لئلا يراها الجنود فيحتفلوا بالحصار

نخزنها لمواسم أخرى

لذكرى

لشيء يفاجئنا في الطريق

فحين تصير الحياة طبيعية

سوف نحزن كالآخرين لأشياء شخصية

خبأتها عناوين كبرى

فلم ننتبه لنزيف الجروح الصغيرة فينا.”

هذا ما يفعله الاحتلال، الذي يصبح كل شيء في ظله هامشيًا، وثانويًا جدًا، يصبح كل شيء عداه وتحته تفصيلًا ثانويًا حادًا، فالاحتلال يحمل هامشًا كبيرًا من التفاصيل، فالقتل والتهجير والإبادة الجماعية، والاغتصاب، والاستيطان مجرد تفاصيل تشكل صورته الحادة، التي لا تمتلك شيئًا سوى أن تكون حادة ومزعجة ومستفزة، فهو لا يحمل أي تفصيل إيجابي، إن كل ما يحمله هو تفاصيل لن تفتأ حتى تصبح يومًا أحداث كبيرة، كبيرة بالقدر الذي يحاول الفلسطينيين إيضاحه. أما اليوم فتترك التفاصيل كونها تفاصيلًا، ففي ظل الحرب على غزة، أصبحت التفاصيل أحداثًا ضخمة، لا يمكن الاستهانة بحجمها، ففي حين قُتلت تلك البدوية المجهولة لمجرد كونها عربية في صحراء النقب وأصبحت تفصيلًا من تفاصيل النكبة، وفي حين قُتل وهجر آلاف الفلسطينيين المجهولين في النكبة، أصبح كل شهيد في غزة حدثًا بحد ذاته، فهو يُذكر اليوم في سياقه الشخصي وحده، وتبقى صورته في السياق العام سياقًا شخصيًا، فعاد محمد الدرة صورًا كثيفة، وأصواتًا عديدة، لا يُمكن أن يُخرسها العقل ولا الذاكرة الجمعية، ولا يمكن أن ينساها العالم، وإن كان بإمكانه تجاهلها، فهي موجودة، ولا يمكنها سوى القيام بعملية تكاثف إيجابية، وهذا النوع من التكاثف يجعل منها أكبر من كونها تفاصيلًا تُذكر في الأخبار، أو أرقامًا تُنسى خلف أرقام، فلسطين أصبحت قلب العالم، وكل شهيد في غزة هو نبي، وكل مُهجّر هو مسيح جديد يخلده التاريخ كما يقول محمود درويش في يوميات الحزن العادي: ”لقد صارت فلسطين أجساد تتحرك.. تنتقل في شوارع العالم، وتغني أغنية الموت، لأن المسيح الجديد ترجل عن الصليب. امتشق عصا، وخرج من فلسطين.”، وتأرشف الذاكرة كل شهيد، لا يمكن أن يُنسى في خضم تكاثف الأحداث، فبعد أن تتحرر فلسطين، ويصبح من حق الفلسطيني الحزن والانتباه للتفاصيل الصغيرة الكبيرة، ستكتب أسماء الشهداء على بنايات فلسطين، وشوارعها، ومدارسها ومتاحفها، وسيصبح كل شهيد بطلًا قوميًا يذكره التاريخ، وسيكف العالم عن جعله مجرد رقم سيستطيع أن ينتزع حقه في الخلود والبقاء، فيبقى حيًا بين الأحياء، وحيًا بين الأموات.   

أدب

عن الكاتب

فدوى سالم