جاك لاكان والواقع المُخيِّب

كتب بواسطة ياسين عاشور

«أن تكون محلّلًا نفسيًّا يعني ببساطة أن تفتح عينيك على البيّنة القائلة بانعدام وجود شيء يفوق الواقع الإنسانيّ اختلالًا […] يُبيّن لك التحليل النّفسي أنّه لا وجود لشيء أكثر غباءً من المصير الإنسانيّ» [1].

يُعدُّ جاك لاكان (1901-1981) أهمّ روّاد التّحليل النّفسي في فرنسا خلال القرن العشرين، حقّق شهرة بالغة طوال مسيرته الفكريّة وفرض الكثير من الاهتمام حتّى أنّه صار نجمًا من نجوم الثّقافة آنذاك. وُلد لعائلة ثريّة ومتديّنة، حيث كانت والدته كاثولوكيّة تقيّة وانضمّ شقيقه إلى سلك الرّهبة البينيديكتيّة، أمّا هو فقد قطع أواصر صلته بالإيمان الدّينيّ في سنّ مبكّرة، وأبدى شغفًا كبيرًا بمشكلات الفلسفة ومسائل الرّياضيات، ثمّ اختار دراسة الطّب وتخصّص لاحقًا في الطبّ النفسي، كان نشطًا غزير الإنتاج والحركيّة، لم ينقطع يومًا عن الكتابة والنشر والمحاضرة والمشاركة في الحلقات العلميّة والنّدوات التي كان يقيمها بشكل أسبوعيّ والمعروفة باسم “السّيمينار”. أحبّ لاكان صياغة أفكاره بطريقة يغلب عليها التّعقيد، فقد كان يعرضها في شكل معادلات رياضيّة ورسوم بيانيّة، لكن رغم عسر أسلوبه وتعقيده فقد قدّم أفكارًا بالغة الأهميّة جعلته حلقة مهمّة وشخصيّة مؤسّسة في تاريخ التّحليل النّفسي، حيث بنى نظرياته انطلاقًا من أعمال سلفه سيغموند فرويد (1856-1939)، وصار يمثّل مدرسةً تحمل اسمه، وهي «اللّاكانيّة» أو «التّحليل النفسي اللّاكاني».

الهويّة الشخصيّة ومشكلات التواصل

اهتمّ لاكان بشكل عميق بحدث مفتاحيّ يقع في حياة كلّ طفل، وهو حدث التقاء الطّفل بصورته من خلال المرآة. ومفهوم «مرحلة المرآة» (Mirroir Stage) إنّما يشكّل أوّل مساهمة نظريّة كبرى للاكان في مجال التّحليل النّفسي. يقول: «إنّ مرحلة المرآة ظاهرةٌ ذات قيمة مضاعفة: فهي أوّلا، ذات قيمة تاريخيّة لأنّها تشهد نقطة تحوّل حاسمة في النموّ العقليّ للطفل. وهي ثانيا، تجسّد علاقة ليبيديّة (Libidinal) جوهريّة بصورة الجسد» [2]. تتميّز لحظة المرآة بكونها تجربة غريبة وحاسمة، ذلك أنّها تمثّل أوّل تجارب الإنسان في التّعرّف على نفسه من خلال انعكاس صورته في المرآة، وهي لحظة موسومة بالقلق لأنّ صورتنا في المرآة لا تُطابق شعورنا الدّاخليّ، تُظهر مرحلة المرآة أنّ «الأنا» هي نتاج سوء الفهم، أيّ أنّ المرء يتعرّف على ذاته على نحو خاطئ، وتصير الذّات مغتربة عن ذاتها، بسبب اللّاتطابق الذي يسبغ علاقة الشّعور الدّاخليّ بالصورة الخارجيّة كما تتجلّى في المرآة [3].

إنّ ما نشعر به داخل أنفسنا يشاكل تيّارًا متدفّقًا للوعي يعجّ بالأفكار والرّغائب والصّور المتعدّدة والفوضويّة ودائمة التّغيّر، إنّ حياتنا الدّاخليّة قائمة على تناقضات وجدانيّة شتّى، على خلاف صورتنا الخارجيّة التي نبدو من خلالها كيانات تتّسم بالثّبات والتي لا تبوح بما يضطرم في سرائرنا. ليس لنا سوى اللّغة حتّى نحاول مجاوزة الفجوة الواقعة بين ما نكونه وما نقوله، من الصّعب أن نقول ما نحن عليه حقًّا، لذلك غالبا ما نفشل في التّعبير عن نوايانا الحقيقيّة. لا يُعدّ هذا الفشل كبوةً شخصيّة، بل إنه يرتقي إلى منزلة الحقيقة الوجوديّة. تؤدّي هذه الحقيقة إلى مشكلة ترافقنا طوال حياتنا، وهي مشكلة الاصطدام الحتمي بسوء الفهم والتقدير، ذلكّ أنّ صورنا لا تُطابق دواخلنا، ودواخلنا يصعب قولها وإبانتها دون شوائب ومعوقات. يدعونا لاكان إلى تقبّل حقيقة أنّ الآخرين غير قادرين على فهمنا أو الشعور بنا بما يُطابق دواخلنا، مثلما نحن غير قادرين على ذلك، فهو أمرٌ متعذّرٌ على كلينا.

الحبّ، ذلك المستحيل

بناءً على مقاربته القائلة بعسر التّواصل الإنساني، كانت رؤية جاك لاكان للحبّ سوداويّة، لم يكن متفائلًا إزاء العلاقات العاطفيّة، يقول «الحبّ هو أن تمنح شيئًا مّا لا تملكه لشخصٍ مّا لا يريدهُ»، «لا يعرف الرّجل شيئًا عن المرأة، ولا المرأة تعرف شيئًا عن الرّجل»، يرمي لاكان إلى أنّه ليس بمستطاع الحبيب أن يفهم حبيبه حقًّا، إنّ كلّ ما يفعله المرء هو استعادة خبراتنا وتجاربنا السّحيقة كي يعيد تخييلها ثمّ إسقاطها على الحبيب، وعليه فإنّ المرء لا يعشق شريكه الفعليّ بل يعشق صورةً يصنعها بناءً على خبراته التي حصّلها في طفولته. تحطّم هذه المقاربة النظرة المثاليّة للعلاقات العاطفيّة، وتمنحنا في الوقت نفسه عزاءً حتّى نتعافى من خيباتنا وإحباطاتنا وحتّى نصير أكثر تفهّمًا، لا يوجد شريك مثاليّ ولا توأم روح ولا آصرة أزليّة، ولا ينبغي أن نشغل أنفسنا بوهم وجود المحبوب النّموذجيّ. لا تفشل علاقاتنا بسبب حظٍّ سيّء أو حماقةٍ ترتكبها أو تصرّف خاطئ، بل إنّها تسير وفقًا لما تقتضيه طبيعة الحبّ المخاتلة، فنحن ننتشي بدايةً بفعل الأوهام والهرمونات، ثمّ يتلاشى السّحر بشكل تدريجيّ لننتهي إلى الوعي باستحالة الحبّ المثاليّ، وعلى هذا الأساس يمكننا أن نشيّد علاقات أشدّ نضجًا وأخفّ إحباطًا.

التشاؤم السّياسيّ

بلغ لاكان ذروة نشاطه الفكريّ في أواخر ستّينيّات القرن العشرين، وقد ضجّت تلك المرحلة بالتّقلّبات السّياسيّة والتّحوّلات الاجتماعيّة، اندلعت آنذاك الثورة الجنسيّة، واهتمّ النّاس بالشيوعيّة وناضلوا من أجل العدالة الاجتماعيّة ونشطوا ضدّ الحرب والعنصريّة، ويمكن أن نعدّ أحداث ماي  68 في فرنسا (الثورة الطلّابيّة) أهمّ شاهد على هذا السّياق، ورغم تعاطفه مع هذه التحرّكات فإنّ لاكان لم يكن على قدر كبير من الحماس ولم تُثمله الأحلام الثوريّة، خاطب يوم 3 ديسمبر 1969 طلبته قائلًا: «ليس للتّطلّع الثوريّ فرصةً للتّحقّق إلّا في خطاب الأسياد. هذا ما بيّنته التّجربة. إنّ ما تتطلّعون إليه بوصفكم ثوريين هو سيّدٌ، وستحصلون عليه»[4]. إنّ الثورة في نظره استبدالٌ لسيّد بسيّد آخر، ومعظم النّاس لا يتطلّعون في الواقع سوى لشكل آخر من عبادة السُّلطة ورموزها، ثمّة رغبة في توكيل المسؤوليّة لشخص آخر، لمخلّص يحمل أعباءنا ويصلح أحوالنا ويعفينا من الاضطلاع بحريّتنا، إنّها صورة الأب المثاليّ التي نبحث عنها في الزّعيم السّياسيّ. يجعل لاكان من المجال السّياسيّ حقلًا لنظريّته في التّحليل النّفسي، ويرى أنّ الإنسان المعاصر يخوض غمار السّياسة انطلاقًا من خيالاته النّفسيّة، لذلك يخاطب السّياسيّون حماس الجماهير ويوقدون أحلامهم الطّفوليّة ويوفّرون لهم خطابًا يستجيب إلى رغباتهم. يرفض لاكان هذا الضّرب من الخطاب، ويرى أنّ مهمّة السّياسيّ النّاجح لا تتمثّل في الوعد بالمستحيل، بل تكمن في إقناع النّاس ومواجهتهم بحقيقة أنّ الواقع مخيّب للآمال وأنّ بلوغ الكمال أمرٌ محالٌ وأنّ النّقصان سمة جوهريّة لا يمكن مداراتها بالوهم والآمال الكاذبة.

إنّ الواقع في نظر لاكان مخيّب للآمال ومحبط، ذلك أنّ الفرد يعيش اغترابًا أصليًّا، فهو سجين جسد أو صورة لا تعبّر عن سريرته، وهو حبيس لغةٍ لا يستطيع من خلالها تبليغ مقاصده، محكومٌ على التّواصل بسوء الفهم، ومقدّر للحبّ أن يفشل، لذلك يقترح لاكان ضرورة تقبّل هذا الواقع، لأنّه من العبث معاندة الطّبيعة البشريّة التي تتّسم بالقصور والهشاشة، على المرء أن يتقبّل هذه الطّبيعة من أجل أن تكون حياته أقلّ ألمًا وإحباطًا.


[1] J.Lacan, Le Séminaire, Livre III, Les psychoses, Paris, Seuil, 1981, p.134.

[2] J.Lacan, “Some reflections on the ego”, p14, in The International Journal of Psycho-Analysis : Volume 34(1) : p11-17 : 1953.

[3]  «إنّ الأنا هي دائمًا أحد آخر “سواي”؛ لأنها مؤسسة على التوحد بصورة بصرية خارجها هي وليست إياها في الوقت نفسه، وقد تكون انعكاسا في مرآة. ومرحلة المرآة تبين أن الذات تتمخض من سوء الفهم، فهي تصور مغلوط، فأنا لست الصورة التي في المرآة، وليس لي هذا الثبات الذي لها، إنما أنا لحظات متعاقبة، فأنا في حقيقة الأمر ذوات متغيرة، كل منها عارض، وكل منها وقتي، وكل منها وليد اللحظة التاريخية المنسوخة بلحظة أخرى تعقبها ذوات أخرى كذلك لا تثبت على حال. أما الصورة التي في المرآة فتورثني الشعور بالثبات وتمنحني الاطمئنان الذي أنشده، هذا كله أساس الخداع وسوء الفهم الذي لا يمكن الفكاك منه، وهو أساس كذلك ليكون ثمة ذات». جويل در، المنهج الإكلينيكي عند لاكان، ترجمة محمد أحمد خطاب ومروة فتحي سلامة، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، 2015. ص. ص 163و164.

[4] J. Lacan, Annexes au Séminaire, Livre XVII, L’envers de la psychanalyse, Paris, Le Seuil, 1991, p. 239.

أدب العدد الأخير العدد الرابع والعشرين بعد المائة ثقافة وفكر فلسفة

عن الكاتب

ياسين عاشور