حلم يغادر

كتب بواسطة عزة دياب

تعب من الوقوف في انتظار سيارة أجرة تقله خارج المدينة، افترش الرصيف، تفقد حقائبه، نسمات حريرية تداعب وجهه الذي يبدو عليه أمارات الملل، حين ظهرت سيارة تذكر أن له أشياء عليه إعادتها قبل المغادرة.
يطرق بابها كما طرقه من قبل، وجدها تحتضن بكفيها فنجان شاي، اقترب منها التفتت إليه بوجل، قالت: أجلس وسأعدُّ لك فنجانا.
قال: لا داعي أنني على سفر، جئت لأخذ هديتي.
أغمضت عينيها: كان من المفترض أن أصرَّ على رفض هديتك من البداية.
ضحك بضجيج ثم توقف عن الضحك فجأة: تغمضين جفونك على هديتي، وتقولين كان يجب رفضها.
قالت: انظر إلى الفنجان في يدي، الوردة المرسومة عليه، انظر جيدا أنها محبوسة في الخزف، جميلة، لكن بلا أشواك، وبلا رائحة.
من وصفها للوردة تعاطف معها، أكملت: تصور أنت جعلتني مثلها يعجب الناس بعينيّ الملونتين ولا يدرون أني لا أبصر.
يركز نظره على الفنجان في يدها: ليست قضيتي طلبتي العدسات الملونة ومنحتها لك، لكني لا أستطيع المغادرة وترك أشيائي، على العموم سأترك لك العدسات إن أخذت الوردة المطبوعة على فنجانك.
ابتسمت ومدت يدها بالفنجان: خذه فهو لك.
اقترب من الباب، التفت إليها: ما سر تمسكك بالعدسات الملونة؟!
وقفت من جلستها تحركت بخطوات مترددة ويداها تتحسسان الفراغ: أريد لعيني أن تجذب الناظرين، ألسنا جميعا نرى الدنيا جميلة مع أنها لا ترانا.
مضى حلم والفنجان في يده مستغرقا في التفكير لتحقيق حلم الوردة في إعادتها إلى البستان قبل أن يغادر.
تفاجأ به يمسك في نزاع، أزاح يده بعيدًا عن قميصه المكويّ
: تكلم بهدوء.
: تريد أن تغادر بورقتي الرابحة.
نظر إليه بتمعن، ندت منه ابتسامة: أما زلت تقامر يا رجل!!
نظر إلى الحقيبة التي امتدت إليها يد حلم، فتحها وأفرغ محتوياتها، عثر على خاتم، قدمه إليه قائلا: ورقتك الرابحة هي البنت أن وجدتها، قدم لها الخاتم.
وقعت في يده مرآة العجوز جارته، طلت عليه من المرآة كادت تكسر إطارها الخشبي المزخرف، نظرت إليه بعتاب: تمضي دون أن تواريني التراب وتزرع صبارة على قبري.
تذكر وردة الفنجان: سأزرع تلك الوردة على قبرك.
تنهدت العجوز: أنها وردة جميلة اكاد أسمع طنين النحلات حولها، أنها تليق بمزرعة، بمنحل، ببستان، لا بقبر عجوز شبعت من الدنيا.
تعرق قميصه، شعر بضيق وملل، طلت العجوز مبتسمة بشفتين رفيعتين كأنها خيطين: أعد لي المرآة أريد أن أتزيّن، تشتهي عيناي الكحل، أريد النظر إليها قبل أن أغلقهما إلى الأبد.
ترك حقائبه وأخذ المرآة إلى العجوز، أخذتها متفهمة أن لا وقت لديه للمناكفة، لحق بأشيائه المبعثرة على الرصيف، سمع حفيف ثياب يقترب منه، أمسك بيدها وأجلسها على حافة الرصيف، قالت: جئت أعيد إليك العدسات، ما عدت بحاجة لها.
مدت يدها أمامه بالخاتم في إصبعها، الهواء يداعب خصلات شعرها وينشر عطرها، قال: سأفتقدك، يبدو أني وقعت في حبك.
جاء المقامر يعتب على الخطيبة التي تركته يوم الخطوبة وتشاغلت بحلم، نظر في عينيها وجد نفسه يجري في الغابة لا يعرف نهاية للأخضر وصوت الورق يزداد حدة، يأخذه خضار موائد اللعب، يلملم خسارته السابقة، يفتح جيوبه، يملأ حجرها وحقيبتها بأرباح جديدة تلملمها وتضعها في سلة المهملات، ينادي بأعلى صوته: لا ليس هنا، ألا ترين؟
تنتبه على صوته: نعم لا أرى.
سمعت طنين نحل، اتجهت إلى أصيص الوردة التي زرعها حلم قبل مغادرته، تمتم المقامر أنها ترى.

أدب العدد الأخير العدد الثامن والعشرون بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

عزة دياب