حوار حصري مع الشاعرة الإيطالية الكبيرة “إيدا تاسي”

من مدرسة راهبات السالزيان إلى إمارة الشعر الإيطالي !!

 

حاورها : رشيد فيلالي/ الجزائر

 

يتميز الحوار الذي أجريناه مع الشاعرة الإيطالية المتألقة إيدا تاسي EddaTassi بأهمية استثنائية على اعتبار أن هذه ” المرأة غريبة الأطوار” مثلما كانت تنعت من طرف أساتذتها،  تملك تجربة إبداعية غير عادية وذلك على أكثر من صعيد ،فهي الابنة الوحيدة لعائلة مزارعة شهيرة انتشرت في العديد من المدن الأوروبية على غرار فرنسا سويسرا بلجيكا وإيطاليا طبعا، وقد استطاعت أن تجذب إليها الأنظار منذ الصغر لكونها تكتب نصوصا تتجاوز في وعيها ونضجها وذكائها سنها الطبيعي.. تلقت الشاعرة تعليمها الابتدائي في مدرسة السالزيان الدينية الإيطالية إلى غاية حصولها على شهادة التخرج، حيث واصلت دراستها فيما بعد بجامعة روما ضمن اختصاصات متعددة وهي  علم النفس السريري ،تاريخ الفن ،الآداب والفلسفة فضلا عن هوايتها ” الوجودية ” وهي الكتابة لاسيما في مجال الشعر الذي تبوأت من خلاله إمارة الشعر الإيطالي باقتدار كبير، فلقد صدر لها حتى الآن إحدى عشرة مجموعة شعرية وروايتان  وحاليا يحظى شعرها في أكبر الجامعات الأمريكية باهتمام خاص ومتابعة نقدية مستديمة ..لنتابع نص الحوار.

***********

 

 

*تعد اللغة الإيطالية من أجمل لغات العالم ،كما أنها من اللغات الشعرية بامتياز،هل هذا هو السبب في اختيارك لكتابة الشعر عوض الرواية مثلا؟

-أتصور أن اللغة الإيطالية لها روعتها الخاصة سواء في مجال الشعر أو النثر على كف سواء،وهذا ما نعرفه أصلا مثلما يردده الجميع أيضا،لقد كنت قريبة من الكتابة بالفرنسية أو الألمانية وذلك نظرا للتنقلات الكثيرة التي كانت تطبع مسيرة عائلتي خلال السنوات الأولى من عمري ! غير أن ذلك لم يحصل،لقد ولدت هكذا وقبل كل شيء شاعرة، وأنا لا أدري كيف حدث ذلك ولا زلت أتساءل عن علة هذا الأمر..

كان عمري ثماني سنوات عندما كنت في حديقة المنزل الذي شيد فقط قصد الاستقرار في إيطاليا ، وكان الليل قد أسدل ستائره  والجميع يغط في نوم عميق حينما شرعت في كتابة أولى قصائدي وأنا لا أعي أصلا ما الذي أفعل..غير أنني أحببت ذلك من كل قلبي، أتذكر جيدا عبير الأشياء المحيطة بي وفي الصباح الباكر رحت أتأمل  طويلا ما خطته يداي من شعر ونثر!  وفي المدرسة اطلع الأساتذة على ما كتبت وقد سألوا عائلتي عن مصدر هذه النصوص وأنني نسختها من مطبوعة ما! كانت مضامين نصوصي ” مميزة “..وسواء في الشعر النثري أوفي الشعر والنثر لم تتغير نوتتي الموسيقية.أتذكر أيضا أنه في أشعاري الأولى كنت أريد أن أصبح مثل كارلو لورينزيني لكن   Carlo Lorenziniلكن  طبعا ،فيما بعد شعرت بأنني في كتاباتي شبيهة أو على الأحرى قريبة من أعمال كتاب آخرين،لا سيما من الأجانب…وأذكر أن أول كتاب قرأته في بداياتي و بصعوبة بالغة هو.. ” بونوكيو ” وكم كان رائعا!

*هل كان عالم ” التحليل النفسي ” بمصطلحاته ومفاهيمه المعقدة عونا لك على فهم أناك الجريحة؟

-لقد خضت امتحان الباكالوريا بعد حصولي على أعلى النقاط ،فضلا عن حصولي على  10 على 10 في مادة تاريخ الفن،غير أني في بعض المواد حصلت على علامات متدنية ك” عقوبة ” لكوني اخترت الكتابة عن “سيغموند فرويد”  أكثر مما كتبت عن”إيطالو سفيفو Italo Svevo“(الروائي الإيطالي الشهير) لكن ما ذا أفعل أمام شغفي الكبير بفرويد ضمن نص ” اعترافات زينون”(أمبراطور بيزنطي) ؟ لقد بدا لي النص ضعيفا مقارنة بكل “الأجوبة” التي يمكن أن يقدمها التحليل النفسي ..هذا الأخير الذي قدم لي أكثر مما قدم لي تقييم الثانوية..

إن فضولي بخصوص الطبيعة البشرية  تغذى بشكل واف من خلال التحليل النفسي،ولا  سيما أنه يسمح لي بمعرفة ” الباثولوجيا “(علم الأمراض) والذي عرى جانبه الملغز والغامض، ونزع تكرارية الممل والمكرس..إن ” الدكتور ” هو جزء مهم من إيدا الفنانة ،أنا مهتمة أيضا بعلم الإجرام وما يحيط به من أسرار، ولشدة تعلقي بالفيلسوف ميشال فوكو ، تخليت عن أطروحتي للدكتوراه بعد اجتيازي لكل الامتحانات بنجاح كبير لأن الأساتذة طلبوا مني اختيار الكتابة عن ” الرب” بدلا عن هذا الفيلسوف ،وقد كنت في استطاعتي تقديم شكوى للشرطة بهذا الصدد لأن القانون في صفي لكنني أحجمت عن ذلك لأنني على قناعة بأن الفيلسوف ميشال فوكو كان سيقدر موقفي لو كان على قيد الحياة، حيث توفي وقتها نتيجة إصابته بالسيدا ..

* طيب ..في قصائدك نجد ثمة حنين إلى الطفولة وبحث ممض عن الأنا  الذي يكاد يفتقد ضمن هذا العالم المليء بقوى غامضة ..هل تعتقدين أن الشعر في مقدوره أن ينقذنا من هذا الشر الذي يطوقنا من كل جانب ؟

-بالفعل أنا أستعرض في أشعاري احتفاليات الطفولة، وأجواء اللعب مع أترابي.. ثمة شخصيات حقيقية ضمن هذه الأشعار، وأخرى من نسج الخيال، ومن هؤلاء “لوتان”  أشهر شخوصي المسرحية ، أذكر أيضا دميتي المصنوعة من القش الملون والتي كنت أملكها في مدينة نيس الفرنسية، لقد كانت تتميز بسيقان طويلة ، و كانت تقريبا أطول مني وربما هناك المزيد من هذه الأشياء الحميمية موجود في مخزن منزلنا بمنطقة أوبريا. أذكر أيضا صديق الطفولة الفرنسي الذي كنا نمرح معا حين يذهب والدانا إلى المروج لقطف القرنفل، وكان هذا الصديق المسكين كثير البكاء ، كما كنا نضحك كثيرا أيضا.

أنا أحب تأمل الحيوانات والنباتات.وكذا الطبيعة الساحرة، والإنسان عادة يفقد نعمة الحياة  وجبروته على الطرقات لكن الطبيعة تظل قائمة، والفن يحيط بنا من كل جانب.. نعم الشعر أقوى من كل ” شر ” يهدد الإنسان.

*الشاعرة إيدا ..هل طبيعة الموضوع هي التي تفرض عليك اختيار شكل الكتابة.. شعرا أم نثرا ؟

_ المهم أنا دائما هي التي ” تغني ” مرة شعرا ومرة نثرا ،والمواضيع تمثل بالنسبة لي مخطط ضبط الإيقاع الذي يشبه شريط موسيقي مناسب لفيلم يعجبني، إن الموسيقى هي التي تأسرني وفيما بعد تأتي الكلمات. وحين أكتفي سأرحل.. أنا أكتب الشعر والنثر ،لكن حينما أشرع في كتابة رواية (لدي اثنتان طويلتان لم أنشرهما بعد) عندها يقفز الشعر إلى ذهني قائلا: ” وأنا ؟” وفي هذه الحالة أضطر لكتابة قصيدة وأنا  مرغمة ! علي أن أتقبل بأن الشعر بطبيعته يفرض نفسه بإلحاح وإصرار دائمين.

* الفن هو روح الجمال.. هل صحيح أن الفنان في مقدوره أن يحول القبح إلى جمال؟

-الفن وحده هو الذي يملك القدرة على فعل هذا،و هو يحتفظ سرا بهذه القوة الصغيرة الشبيهة بحجر الماس. أتصور أن هذه هي مؤهلات كبار الكتاب والشعراء، وأن كبار الفنانين التشكيليين ليسوا سوى موسيقيين عظماء..لكن أشير بأنني أتحدث عن ” العظماء ” إذ حين يكون الجسد عاطلا فمن الخطأ ممارسة التجريب مع القبح ! حيث في الإمكان السقوط فيه وعدم الخروج منه… أي نعم،الفن في مقدوره فعل ذلك بعد الطبيعة طبعا، وأنا ضمن هذا السياق أفكر في بعض الحيوانات..

*حسب ظنك ما هو سر تطور الفن وعظمته في إيطاليا على وجه الخصوص؟

-كم من فنان هنا !نحن نفتقدهم كثيرا وهم منتشرون في العالم، الفنانون؟ إنه سر كبير في السلالة البشرية وعليه أن يظل كذلك..

  تصور أنك ولدت في بلد الحكايات السحرية لدانتي وفرجيل ، لا ينبغي عليك أن تشغل بالك طويلا بهذا السؤال،إن حالة فقر الفنان تعد شرطا وجوديا ثقيلا ورهيبا في البداية ثم يصبح ذلك أخف وطأة مع مرور الأيام،إذ يغدو لا يفكر عدا في عمله لحسن الحظ ، إنها ” هدية ” لا يمكنك منحها أو رفضها ،أنا أعرف بأن الكثيرين حاولوا ذلك ،إنها وسيلة لحماية الفن من أعدائه في أوربا جمعاء وهنا في إيطاليا (مهدنا الحبيب) ..إن القوى الأخرى لا تحب قوى الفن الرهيبة(البعض نعم.. لحسن الحظ ) والبعض الآخر راح يدرس كل الألوان على أمل السيطرة على الفن لكن دون جدوى و عبثا يحاولون ذلك..إن هذا ظل وسيظل مستحيلا.

 

 

العدد الحادي والعشرون ثقافة وفكر

عن الكاتب

رشيد فيلالي

كاتب صحفي ومترجم من الجزائر