رؤية ماركس لعدم المساواة

الكاتب: برانكو ميلانوفيتش Branko Milanovic
ترجمة: علي بن سليمان الرواحي

غالباً ما يُفترض أن ماركس كان مفكراً مساواتياً. أعتقد أن هذا لا يتم من خلال قراءة ماركس (قلة من الناس يفعلون ذلك) ولكن من خلال تطبيق استقراء بسيط. ووفقاً لهذه النظرة الشائعة والساذجة إلى حد ما للعالم، فإن اليمين يفضل عدم المساواة، والدولة الصغيرة، وعدم إعادة التوزيع تقريباً، بينما يفضل اليسار العكس. وكلما تحركت نحو أقصى اليسار، تم ترسيخ ذلك، كلما كان الموقف الأخير صحيحاً. وبما أن الماركسيين يعتبرون من اليسار المتطرف، فيجب أن يكونوا مؤيدين للمساواة أكثر من اليساريين الآخرين.

لكن هذا الرأي يتجاهل الهدف الرئيسي لماركس: إلغاء الطبقات، وإنهاء الملكية الخاصة لرأس المال، وبالتالي تجاوز الرأسمالية. لقد كان ماركس وإنجلز بالفعل ناشطين، ومؤسسي الأممية الأولى، ومنظمين لا يكلون لمختلف جمعيات العمال، وكاتبي البيان الشيوعي، ومؤلفي محاضرات يسهل الوصول إليها والتي ألقيت على جمعيات العمال (خاصة كتاب ماركس البسيط للغاية والرائع العمل المأجور ورأس المال). في مثل هذه الأنشطة، دافعوا بالضرورة عن الأسباب النموذجية المؤيدة للعمال أو النقابات العمالية، مثل: تقليل عدد ساعات العمل، وحظر عمل الأطفال، وارتفاع الأجور، والتعليم المجاني.

إذًا، كيف لم يكن مفكرًا مؤيدًا للمساواة؟ لفهم ذلك، علينا العودة إلى الهدف الرئيسي لماركس وإنجلز: نهاية المجتمع الطبقي .ومن أجل تحقيق هذا الهدف النهائي، كان النشاط العمالي الذي شارك فيه ماركس والذي دعمه، ضرورياً.لقد كان مفيداً أيضاً لأنه جلب بعض المكاسب الحقيقية للعمال. لكن مثل هذا النشاط، من وجهة نظر ماركس، يجب ألا يُغيّب عن بالنا الهدف النهائي. إن الحد من عدم المساواة الذي يمكن تحقيقه من خلال النضالات النقابية لا يمكن أن يكون في حد ذاته الهدف النهائي. فهو مجرد هدف وسيط على الطريق إلى المجتمع اللاطبقي.

لقد كان ماركس وإنجلز واضحين للغاية بشأن هذه النقطة في نقدهما لبرنامج جوتاKritik des Gothaer Programms، وهو البرنامج الجديد للحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني الذي تمت صياغته في عام 1875م. وكانت هذه المناسبة الوحيدة الأكثر أهمية التي عبروا فيها بقوة عن التناقض بين الهدفين: الحد من عدم المساواة في الدخل داخل المجتمع الرأسمالي، وإلغاء الطبقات. وكما كتب إنجلز: “إن القضاء على جميع أشكال عدم المساواة الاجتماعية والسياسية [كما ورد في برنامج جوتا] بدلاً من “إلغاء الفروق الطبقية” هو بالمثل تعبير أكثر إثارة للريبة، كما هو الحال بين بلد واحد، وإقليم واحد، وحتى مكان وآخر، سوف تظهر الظروف المعيشية دائمًا تفاوتاً معيناً يمكن تقليله إلى الحد الأدنى ولكن لا يمكن القضاء عليه بالكامل أبداً”.

ويمكن ملاحظة أن قلقهم لم يكن بلا أساس من حقيقة أن البرنامج، على الرغم من اعتراضات ماركس وإنجلز، تم تبنيه بكل سماته الإصلاحية والتحسينية. ثم ذهب الحزب إلى أبعد من ذلك في الاتجاه الإصلاحي عندما قال إدوارد برنشتاينEduard Bernstein، الذي أصبح في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى منظّره الرئيسي، والذي قال، إن “الحركة هي كل شيء، والهدف لا شيء”، مما يعني أن النضال المستمر من أجل تحسين الحياة اليومية للعمال هو ما يهم، وليس الهدف المجرد، أو ربما الطوباوي، المتمثل في تجاوز الرأسمالية.

بالنسبة لماركس، كما يجادل شلومو أفينيريShlomo Avineri، وليزك كولاكوفسكيLeszek Kolakowski  بشكل مستقل، فإن هذا التحول من حزب ديمقراطي اجتماعي إلى الذراع السياسي للحركة النقابية لم يكن كافياً. علاوة على ذلك، يعتقد أفينيري أن القيمة الأساسية للنشاط النقابي، بالنسبة لماركس، لم يكن في نضالها، أو في بعض الأحيان، النجاحات في تحسين ظروف العمال، ولكن في الأخوّة بين الأعضاء التي خلقتها في النضال من أجل قضية مشتركة، وفي الجهد البنّاء الحقيقي لخلق النسيج الاجتماعي للعلاقات الإنسانية المستقبلية”.إن الاستعداد للتضحية، والتفاني من أجل الهدف المشترك، وروح الدعابة الطيبة التي رآها ماركس بين البروليتاريا الباريسية في عامي 1848م و1871م، والتي سجلها بمثل هذا الشغف، كانت بالنسبة له لمحات عن المجتمع اللاطبقي المستقبلي حيث سيسود التضامن بدلاً من ذلك، أو إذابة “الماء المجمد” من المصلحة الذاتية.

بالنسبة لماركس، فإن الأهمية الثانوية أو الفرعية للمساواة كهدف تأتي أيضاً من استحالة تحقيق المساواة الحقيقية في ظل الرأسمالية. لن تصبح المساواة الحقيقية ممكنة إلا عندما تتوقف الأقلية عن احتكار الوصول إلى رأس المال من أجل استئجار العمالة، والاستيلاء على فائض القيمة. كتب ماركس: “إن المطالبة بأجور متساوية أو حتى عادلة على أساس نظام الأجور هو نفس المطالبة بالحرية على أساس نظام العبودية”.

متى سيصبح الاهتمام بالمساواة أكثر أهمية؟ فقط عندما يتم إنشاء المؤسسات ذات الخلفية الصحيحة (غياب الملكية الخاصة). وهنا، كما هو معروف، يميز ماركس بين مرحلتين: الاشتراكية حيث لا تزال الندرة موجودة، وحيث سيتم تطبيق قواعد متساوية على الأشخاص غير المتساويين (أولئك الذين يعملون بجد، والأكثر ذكاءً أو الأكثر حظاً سيكسبون أكثر)، وأعلى مرحلة من مراحل التنمية، ففي ظل الشيوعية، كما تقول الصيغة الشهيرة، “سيساهم كل فرد وفقا لقدراته ويتلقى وفقا لاحتياجاته”.

ففي ظل الاشتراكية فقط يجب أن نبدأ في الاهتمام بشكل أساسي بعدم المساواة المادية – أي في الوقت الذي تم فيه القضاء على الاستغلال الطبقي ولكن قبل الوصول لمجتمع الوفرة. وطالما أن المؤسسات الخلفية “خاطئة”، وطالما أن رأس المال الخاص موجود، فإن الاعتقاد بأن الحد من عدم المساواة هو الهدف الأساسي لليسار هو اعتقاد خاطئ، وفقاً لماركس، لأنه يقبل ضمنياً الحفاظ على المؤسسات غير العادلة التي تولد عدم المساواة .

وبما أن كتابات ماركس صريحة في هذا الشأن، فلماذا نميل إلى تجاهل آرائه حول المساواة؟ أعتقد أن الإجابة هي أنه بعد الإخفاقات الكارثية للاشتراكية والصعود الأيديولوجي للأيديولوجية النيوليبرالية، قبلنا ضمنياً ديمومة الرأسمالية. إذا كان لدى المرء وجهة نظر كهذه، فمن المنطقي إعادة تشكيل ماركس كمفكر مؤيد للمساواة ويهتم بالنشاط النقابي، وتكافؤ الفرص، وارتفاع أجور العمال وما شابه. بمعنى آخر، إذا تخلينا عن فكرة إنهاء الرأسمالية، فيمكننا أن نحاول إعادة توظيف ماركس ليصبح رسول المساواة في ظل الرأسمالية.

فلسفة

عن الكاتب

علي بن سليمان الرواحي

كاتب وباحث عماني