رسائل الحياة من عاصمة الكتاب: بانغ كوك 2013 ( بانكوك: كتاب الجسد وفيه شارع العرب في نانّا )

لكَ أن تجوب المدينة، ولك أن تغوص في محطات المترو التي ستبتلعك من تقاطع في المدينة تحت الأرض لتعود وتلفظك في تقاطع أو على رصيف آخر. وفي محطة مترو المركز الثقافي التايلندي الذي عجزت عن العثور عليه، ستطالعك على الضفة الأخرى، خلف الساحة المستغلة كسوق، بنايات متوسطة ومراكز متخصصة للحياة الليلية بحاناتها ومراقصها ومقاصفها وملاهيها.

لكن ليس لك أن تجوب دون أن يعترضك معترضٌ يذكرك على الدوام بشارع العرب في نانا ويعيد لذهنك مباشرة تلك الرائحة الكريهة المنبعثة من ذلك الشارع العربي، ربما تذكرت لحظتها ما روته النساء من قصص تحذيرية لزوجتك عن الرجال الذين يعودون من بانكوك محملين بفيروس الHIV؛ هكذا سيختطفك من شرودك البسيط في شوارع بانكوك قوّاد متخفٍ في مهنة سائق تاكسي لمح ملامحك العربية فيناديك وسط الشارع محاولاً ما يفترض أنهُ إغراءك وجذبك عبر أسوأ ما في قاموس الإشارة والصوت من انحطاط يترفع عنه حتى الفحش! فقط لأنك تنتمي لتلك البؤرة المثيرة سمعتها لسخرية واشمئزاز التايلنديين في بانكوك (شارع العرب في نانا)، هكذا سيترفع التايلنديون عن أخلاق شارع العرب ويصمونها بالوضاعة والانحطاط.

بدل أن يكون شارع العرب في بانكوك مثار فخر للعرب، إذا به وصمة انحطاط ذكورية عربية، ووصمة عيب للأنوثة العربية، التي يبدو أنها تحاول لحاق السوق الرائج في بانكوك عبر تصدير العاهرات العربيات، لكنما رائحة عهر غريبة تنبعث من الشارع وتتوزع على المناطق المحيطة من شارع سكوم فيت الذي يشق بانكوك موازياً النهر حتى تخوم المدينة القديمة. تحاول تجنب تلك الرائحة طوال اقامتك، لم تقترب من الشارع إلا مرتين عرضاً، لكن في المحاولتين لم تتمكن من تصالحك مع الشارع الذي يفترض بك أن تنتمي إليه بأريحية.

Somboon elephantافتراض الانتماء يجعل شعر جلدك يقف، وما حدث لك: شعورٌ ملازم بالتقزز، رائحة فنادق الدعارة الرخيصة، نظرات العداء المتبادلة بين العرب أنفسهم، فراغات السلام الذي لا يتبادله أحد، موجات العداء التي تنبعث من أجساد العرب ضد بعضهم البعض. والعيون المتهربة من بعضها البعض، والاستنفار الجسدي الواضح لدى كل عربي تقترب منه لتسألهُ عن شيء ما، هكذا تبدو صورة العربي في لحظة الانحطاط المزمنة والسقوط صورة الهارب، المتخفي، والمعادي لشبيهه، والمتشكك فيه، بل وأحياناً المتعمد لقلة الأدب والذوق والتهذيب والأخلاق مع شبيهه بالذات.

مثّل لي شارع العرب في نانّا كل ما نفّرني في بانكوك.. كنت قد لمحت من قبل في شارع سايلوم الليلي الفن الإيروتيكي وقد انحطّ إلى الاستعراض الأمريكي الرخيص للجسد (الستربتيز الميكانيكي)، في تلطيخ وضيع وشائن لكل ما يعنيه الإغواء الراقص، عبر مسخ الهدف الفني الخلّاق والحيوي لمهنة شمخات (العاهرة البابلية التي أنقذت أنكيدو من وحشيته في أسطورة جلجامش) إلى هدفٍ مالي وضيع ومتسخ وينضح بالرذيلة، بدل الفن والحياة، في العالم الذي يغتصب الحب بالنقود، ويدفع الفقر لممارسة العهر كأمرٍ طبيعي، فترى المراهقات يرقصن عرايا في الملاهي، أو تقدم النساء أنفسهن لمن يدفع المعلوم، أو من تحرر منهن من قبضة العبودية الرأسمالية يصطدن الزبائن على الأرصفة الليلية قرب الحانات لحسابهن الخاص، في العالم الذي يظن أن بإمكانه اغتصاب الحب وتحويله لبضاعة رائجة، وخنزير مليء بالنقود، أما أنا فكنت أرى أسفل تلك الرموز الممسوخة في ذلك العالم الفارغ: شارع العرب في نانّا متموضعاً بكل وقاحة ومستقراً دون أن يرفّ لهُ جفن.

هكذا مثل لي ذلك الشارع كل ما يقف على الضد من بحثي وشغفي بإيقاعات المدن النهرية، عائقاً لمحاولتي الاقتراب من روح المدينة النهري، وكان ملازماً طوال الوقت لنفوري العارم، المتأجج بكل تعليقات وضحكات السخرية التي اسمعها تتعالى من الركاب كلما نطقت إذاعة القطار السريع الداخلية إسم المحطة بطريقة استعراضية غريبة (نانّااا) والتي كنت أفسرها سخرية من ذلك الشارع بالذات، وأيضاً بتلك السمعة المبتذلة التي شعرت بوجودها بوضوح، وبكل ذلك القاموس المنحط الذي ظل القوّادون المنفّرون بوجوههم المطفأة وهندامهم المتسخ يستعرضونه أمامي بوصفي ذكراً عربياً كلما لمحوا سحنتي العربية في الزوايا القريبة من المدينة. حتى كدت أتقيأ.

وبينما لا تعاني الثقافة التايلندية من عقدة جنسية، ولا من سوء هضمٍ جنسي، ولا من التحريم الإرهابي للجنس، بل تنتشر حتى في المعابد تماثيل للأعضاء الجنسية الذكرية، وبانكوك بالذات مدينة التذويب والقبول بالمختلف حتى أن المتحولين جنسياً يجدون فيها مكاناً طبيعياً يمارسون فيه حياتهم وسط تفهم المجتمع، ناهيك بالجنس الثالث، لكن مع ذلك اكتسب الشارع العربي مسحة من النظرة الى صورة العربي في نانّا نظرة الامتعاض والسخرية المبطنة.

أكتب هذا، رغم أن الشارع فعلاً يقدم معظم الخدمات التسهيلية للسائح العربي من ترجمة وشحن ومطاعم عربية شهيرة كمطعم اليمني أبو دبّة، وفنادق وعطور وبضائع متنوعة، ورغم تحسسي بالمقابل من النظرة الطهرانية المتطرفة، لكنه كل ذلك لم يستطع أن يزحزح في ذهني تلك الحالة السلبية للحضور الذكوري العربي في بانكوك، على الرغم من أن بانكوك كعادتها على استعداد لإتاحة المساحة لكل طارئ وغريب، وتتيح في أنساغها وقنواتها تدفق أزمنة الحياة لكل شيء.

بانكوك شهيرة بخدماتها الجنسية، وهكذا ستختلط على الدوام فكرة المساج التايلندي، أو ستتلوث، بتلبية تلك الرغبة الفطرية المعروضة للبيع، وبينما من المفترض أن يأخذ الجنس موضعه وحجمه الطبيعي أساساً بين الطعام والشراب كحاجة فطرية، يتحول بفعل سحر المال الأسود إلى وحش يحطم حياة البشر ويذلهم ويلوثهم ويحطهم، هكذا على المرء أن يحترس من تجربة المساج في أي من المحلات الصغيرة المنتشرة، وأن يحتاط لذلك بالمراكز الطبية المحترمة، أو الفنادق الغالية، أو المعابد، وهي التي تقدم بالفعل مساجاً حقيقياً.

تجربة المساج التايلندي تجربة تستحق الزمن الذي ينفقه المرء فيها، اذ تمتد بعضها لأكثر من ساعة وساعتين. لكن بعد تجربة المساج يشعر المرء أن جسده فُكك ورُكب من جديد. واستعاد حيويته ونشاطه. وتأهب للإبحار من جديد في نهر الزمن. تلك كانت الهدية التايلندية الحقيقية للجسد البشري: تلك المهارة المستمدة من الحكمة والفهم لقيمة الجسد وأهمية إنعاشه ومسحه عبر تتابع الضغط على الأعصاب والأربطة العضلية وإرخائها، التي لربما تطورت أساساً من أبسط الطرق لعلاج التواء الغضروف والكاحل، والتي ما تزال شائعة بطريقة شعبية في أماكن عديدة من الشرق كما هي معنا في عمان(مسح العصب)، لكنها تطورت لتتحول من مجرد مسح للعصب النافر من موضعه المؤلم لإعادته لموضعه الطبيعي إلى فن شهير ومفيد، وتقنية طبية شائعة للعلاج الطبيعي. والمساج أحد الرموز التايلندية الشهيرة التي يتم تسويقها سياحياً وتلقى القبول والشهرة بين السياح بمختلف أنواعهم. وكم كان ذلك واضحاً في الازدحام الذي وجدته في معبد الوات با حيث كان علي انتظار الدور لما يزيد عن ربع الساعة قبل أن أجرب المساج لأول مرة، رغم كثرة المسّاحين والخبراء وكثرة الأقسام لكن كان الطلب كبيراً، وكم شعرت بالبهجة الجسدية لتلك العناية التي بدت شبه مؤلمة في لحظتها، لكن جميلة الوقع والنفع، مثيرة للحبور النفسي. وكأن تلك الضغطات التايلندية كانت تحاول أن توقع بصمتها الثقافية على ذاكرة الجسد..

العدد التاسع والثلاثون ثقافة وفكر

عن الكاتب

إبراهيم بن سعيد