رفع الدعم عن الوقود: سجال مستمر

كتب بواسطة سالم آل الشيخ

رفع الدعم عن الوقود: سجال مستمر بين الشارع والحكومة 

على الرغم من مرور عام كامل على إقرار الحكومة العمانية رفع الدعم عن الوقود (15 يناير 2016) لا يزال الجدل قائم ومستمر بشأن الأضرار والعوائد المتوقعة من هذا القرار، فهذا القرار شأنه شان بعض القرارات المهمة التي قد تحمل تداعيات إيجابية وأُخرى سلبية، تتحدد الآثار النهائية له نتيجة لتفاعل الحكومة والمجتمع مع تداعيات القرار.

أوصى صندوق النقد الدولي أكثر من مرة الحكومة العمانية برفع الدعم عن المحروقات، فقرارٌ مثل هذا من شأنه أن يخفض الإنفاق الحكومي، إذ تجاوز مقدار الدعم الحكومي مليار دولار عندما كانت أسعار النفط في أعلى مستوياتها في الأعوام من 2010 إلى النصف الاول من 2014 (ما بعد الأزمة العالمية 2008-2009)، إضافة إلى أنه يمكّن الحكومة من توظيف ما ستوفره من عوائد مالية -نتيجة رفع الدعم عن الوقود– في أوجه إنفاق مفيدة على المدى البعيد، كالمشاريع التنموية الرافدة للاقتصاد والمشغلة للأيدي العاملة، أو تدريب وتأهيل القوى العاملة الوطنية، أو استهداف شرائح المجتمع المحتاجة بصورة أكثر مباشرة، خصوصاً إذا علمنا أن الأكثر استفادة من دعم الوقود هم الأكثر ثراءً في المجتمع، ممن يملك أسطول المركبات، والمعدات، والمصانع، كما أن حصة كبيرة من الدعم تذهب للقوى العاملة الوافدة.

علاوة على ذلك، فإن القرار يمكنه من رفع كفاءة استخدام الوقود محلياً وذلك على الصعيد الفردي والمؤسسي، إذ أنه سيقلل من تزايد استهلاك الأفراد للوقود، عبر دفعهم نحو تغيير سلوكهم الاستهلاكي، كما سيدفع القطاع الخاص الصناعي والخدمي إلى محاولة رفع كفاءة الإنتاج، وإدخال التقنيات المتطورة التي تقلل من استهلاك الوقود.

إن تدني سعر السلعة من شأنه أن يضاعف من استهلاكها، كما أن رفع الدعم عن المنتجات النفطية كان ضرورة لحل مشكلة تهريب الوقود الرخيص لدول الجوار التي تبيع وقودها بسعر أعلى، وازدحام محطات الوقود الحدودية المستمر بمركبات تحمل أرقام دول مجاورة مستغلين فارق الأسعار.

غير أنه وعلى الرغم من الأسباب المبررة لمثل هذا القرار، لا يمكن الجزم بأن رفع الدعم عن المحروقات في الوقت الراهن سيوفر كثيراً على الحكومة – وهو الهدف الرئيس لقرار كهذا – وذلك نتيجة لانخفاض أسعار النفط مقارنة على ما كانت عليه قبل النصف الثاني من 2014، ولما سوف تواجهه الحكومة من ارتفاع تكلفة مشاريعها التنموية، كما ستحتاج من جهة أخرى لدعم المواطنين المستحقين بطرق مباشرة.

أيضا فإن هذا القرار قد لا ينسجم مع عدد من الخطط الاستراتيجية الاقتصادية والاجتماعية والتي ترد في الخطط الخمسية المتوالية دون تحقيقها على ما هي عليه من أهمية قصوى. إن قراراً  كهذا قد لا يتوافق مع ما تنادي به الدولة في خططها الخمسية، وأخيرا في البرنامج الوطني لتعزيز التنويع الاقتصادي “تنفيذ” وذلك من حيث رغبتها في تعزيز القطاع الصناعي في الدولة، وتنويع مصادر الدخل بدل الاعتماد على مصدر وحيد متمثل في المواد الكربوهيدراتية، إذ أنه من شأنه أن يرفع من تكلفة الإنتاج، وبالتالي سوف يقلل من القدرة التنافسية للمنتجات العمانية في السوق المحلي والأسواق العالمية.

إضافة إلى ذلك، فإن ارتفاع أسعار الوقود يمكنه أن يضعف من قدرة أصحاب المبادرات التجارية من تأسيس مشاريعهم التجارية؛ وذلك لارتفاع كلفة التأسيس، كما من شأنه أن يضعف المؤسسات الصغيرة والمتوسطة القائمة – والتي تسعى الحكومة إلى تعزيزها – على إيجاد منافذ تسويقية لها في السوق المحلية والإقليمية، إذ أنها سوف تواجه – مجردة – الشركات العالمية الكبيرة الموجودة في الأسواق والتي تعمل بكفاءة أعلى، وهذا الفشل للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمبادرات التجارية التي لم يُقدر لها أن ترى النور سوف يُبقي الاقتصاد العماني ذو قاعدة إنتاجية ضعيفة، كما سوف يفشل مساعي الحكومة في دفع هذا القطاع الاقتصادي في امتصاص العمالة العمانية، وخفض نسبة الباحثين عن عمل التي تتزايد يوماً بعد يوم.

إن الحكومة تبذل جهوداً متواصلة نحو تذليل العقبات أمام المستثمر الخارجي للعمل في السلطنة من خلال الاستثمار المباشر المتمثل في فتح فروع في السلطنة، وإقامة المصانع، وتأسيس الشركات. وهناك من يرى من المستثمرين الأجانب أن عمان جهة استثمارية جيدة لمجموعة من العوامل التي ما فتئت الدولة على تأكيدها ودعمها ومنها البيئة الاستثمارية الأقل كلفة. لكن هذا قد لن يكون صحيحاً بعد رفع الدعم عن الوقود.

من جهة أخرى فإن رفع الدعم عن المحروقات سيسهم بشكل كبير في ارتفاع أسعار جميع السلع، فهو يدخل في تكلفة الإنتاج المحلي كما أنه يدخل في تكلفة النقل التي تؤثر بدورها على أسعار المنتجات المحلية والمستوردة، وكل ذلك سوف يضر بصورة مباشرة بالمستهلك النهائي داخل السلطنة، والملاحظ أن هناك ارتفاعاً متواصلاً في مؤشر التضخم خلال العام الفائت (2016) مقارنة بالعام الذي سبقه (2015) رغم النمو البطيء للاقتصاد نتيجة لتدني عائدات النفط، وانخفاض الإنفاق الحكومي.

إن هذا القرار كان بحاجة لعمل ممنهج للتمهيد له قد يمتد لعدة سنوات، عمل يهدف أولاً إلى الوصول بالقطاعات الإنتاجية في الدولة إلى مستوى من القوة لتحمل المنافسة العالمية، وهذا ما تقوم به كثير من دول العالم، فهناك من يدعم المحروقات كما تفعل الدول المنتجة للنفط، وحتى بعض الدول غير المنتجة، كما أن هناك من يدعم بعض القطاعات الإنتاجية الحيوية كقطاع الزراعة وقطاع التعدين كما تفعل أمريكا وبعض دول أوروبا الغربية، إضافة إلى ذلك فإن قراراً كهذا كان يجب أن يأتي بعد أن تكون القاعدة الإنتاجية في الاقتصاد قد وصلت إلى التنوع والمتانة مما يغنينا ولو جزئياً عن الريع النفطي.

علاوة على ذلك فإن كثيراً من الدول قد استعاضت بالخطط الاقتصادية البحتة بخطط اقتصادية اجتماعية لضمان حياة كريمة لمواطنيها مع تحقيق نمواً اقتصادياً متزناً، عليه فإن مثل هذا القرار يجب أن يأتي والبنى الأساسية في الدولة كالنقل العام قد تشكّل بالحد الذي يغني الأفراد في الوطن من استخدام وسائل المواصلات الخاصة بهم، كما وقد تحددت جميع فئات المجتمع المتضررة من رفع الدعم والتي قد تحتاج للدعم الحكومي المباشر.

لكن بما أنّ القرار قد اتخذ، وأن القطار قد انطلق بلا عودة على حد تعبير أحد المسؤولين، فإن التحدي الرئيس والأكبر الذي تواجهه البلاد اليوم يكمن في كيفية التفاعل مع تداعيات هذا القرار، خصوصا بعد أن عايشنا منذ أيام ( الأيام الأولى من شهر فبراير 2017) احتقاناً مجتمعياً نتيجة لارتفاع تسعيرة الوقود، وقد انعكس بوضوح تام في وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة، مما دعا مجلس الشورى أن يوصي بتثبيت أسعار الوقود.

إن دعم فئات المجتمع ذوات الدخول المحدودة والمتضررة من رفع الدعم ضرورة لاستقرار المجتمع ككل، وقد كانت استجابة مجلس الوزراء لهذا المطلب الشعبي بالتوجيه نحو استكمال الآليات والإجراءات التنفيذية لدعم الفئات المستحقّة من المواطنين استجابة إيجابية لهذه الضرورة، وهذا من شأنه أن يرفع العمل الحكومي من التصريحات المضطربة التي تزيد من الاحتقان الشعبي – كما رأينا مع تصريحات سعادة وكيل النفط والغاز – إلى مشاريع منفذة يلمسها المواطن، غير أنه يبقى التحدي في تحديد هذه الفئات، وكيفية دعمها. أيضا فإن تعزيز قطاع المواصلات يخلق بديلاً معقولا يستعيض به المواطن لتخفيف وطأة ارتفاع أسعار الوقود، كما يمكن لهذا القطاع توفير فرص عمل نحن اليوم بحاجة ملحة لها مع ارتفاع نسبة البحاثين عن عمل ( يبلغ عدد الباحثين عن عمل – النشطين منهم فقط – 42 ألف باحث). وأخيرا فإن القطاعات الإنتاجية في السلطنة تحتاج إلى استعاضة ما خسرته بسبب ارتفاع اسعار الوقود في تعزيز إنتاجيتها ورفع مستوى التنافسية لديها من خلال تحديث التكنولوجيا المستخدمة، ورفع كفاءة عمل مدخلات الإنتاج.

بعد مرور عام من تطبيق القرار فإنه من المؤكد أنه لم يتضح بعد كل ما يمكن أن يحدثه من تداعيات اقتصادية واجتماعية، كما أنه لم يتوفر بعد – على حد علمي – دراسات رصينة في هذا المجال تدرس ما نجم عن هذا القرار من أثار ولو بصورة مرحلية، غير أن وعي الحكومة في تتبع تأثيرات القرار وتلافي سلبياته في غاية الأهمية، على أن لا يكون هذا القرار أيضا هو المعول عليه الوحيد في خفض الإنفاق الحكومي. إن المبالغ المالية التي وفرتها الحكومة من خلال رفع الدعم يمكن أن يتوفر أضعافها في حال شُددت الرقابة على المشاريع الحكومية، وتم رفع مستوى الشفافية، واعتُمدت المشاريع ونُفذت وفق رؤية وطنية شاملة.

 

 

العدد الحادي والثمانون سياسة

عن الكاتب

سالم آل الشيخ