سيرة المسلمين: تقاليد الحكم والسياسة في عُمان ( من الشراة إلى الجيش الحديث (1-2))

وأحد أكبر الأخطاء في سيرة المسلمين عدم ثبات فكرة بناء جيش محترف بعقيدة قتالية محددة، وتعرضت هذه الفكرة للإهمال تارة وعدم التطوير تارة أخرى، وهو ما عرض البلاد لهزات عنيفة، وما تبعه من تقسيم البلاد إلى كانتونات صغيرة تحكمها المشيخات القبلية في فترات عديدة من التاريخ.

النظام الأساسي لسلطنة عُمان
المادة (10) : المبادئ السياسية…
ج. إرساء أسس صـالحة لترسيخ دعائم شـورى صحيحة نـابعة من تـراث الوطن وقيمه وشريعتـه الإسلامية، معتـزة بتاريخه، آخذة بالمفيد من أساليب العصر وأدواته.

نظام الجيش والأمن من أهم مقومات الدولة الحديثة، فهما درع الوطن عند الأزمات، وفي الدول التي تبنى على أسس سليمة إذا انهارت كل مؤسسات الدولة يبقى الجيش والأمن خطوط الدفاع الأخيرة من الانزلاق إلى الفوضى والاضطراب، وهذا لا يتحقق إلا بوجود قيم اجتماعية تحفظ للجيش والأمن تماسكهما عند الأزمات والكوارث.
وأحد أكبر الأخطاء في سيرة المسلمين عدم ثبات فكرة بناء جيش محترف بعقيدة قتالية محددة، وتعرضت هذه الفكرة للإهمال تارة وعدم التطوير تارة أخرى، وهو ما عرض البلاد لهزات عنيفة، وما تبعه من تقسيم البلاد إلى كانتونات صغيرة تحكمها المشيخات القبلية في فترات عديدة من التاريخ.

قوات الشراة
في تاريخ سيرة المسلمين عرف الجيش والأمن باسم “الشراة”، وهو مصطلح نحت من تاريخ الجماعة الأول القائم على التضحية والفداء في سبيل الله أخذا من قول الله تعالى: (إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة:11، والشراة في السيرة هم المبايعون الإمام لله أنفسهم على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر( 1).
والشراة في سيرة المسلمين يقومون بأدوار:
– الجيش الذي يحمي البلد
– والأمن الذي يحفظ السلم الأهلي
– الحسبة وتطبيق الأحكام.
ومن أقدم نصوص السيرة في طبيعة نظام الشراة هي سيرة منير بن النير الجعلاني إلى الإمام غسان بن عبد الله (192-207ه)، من خلال وصف الشراة في عهد الإمام الجلندى بن مسعود أول إمام في عُمان، ومن هذه السيرة تتبين خصائص نظام الشراة في نشأته الأولى جيشاً وقوة حفظ للأمن.
1. نظام الشراة عقائدي؛ يتربى المنتسبون إليه تربية صارمة على فضائل الأخلاق والقيم على أيدي مربين فقهاء، وهذه التربية ارتبطت بنظام الإمامة، وبالتالي صار هناك ارتباط وثيق بين الشراة والإمامة، كونهم حماتها ودرعها؛ فهم (أنوار في الأرض وعود في الناس، يعرفون بسيماهم، وكيف لا يكون كذلك من باع لذة نفسه ينتظر حتفها صباحاً ومساء؟ ليس لهم في شيء من الأمور ولا لأحد من الناس دنت رحمته أو بعدت أو عظم خطره أو صغر أو ارتفع شأنه أو تواضع، هو إلا ما وافق الحق مع ما لا يحصى من أخلاقهم الحسنة الجميلة)( 2)، فهو نظام جندية لا ينتمي إليه إلا من أخلص له، وانسجم مع نظامه وتوافق مع متطلباته.
2. يقوم الشراة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفقاً للرؤية الفقهية السائدة، (فجزاهم الله خيراً مع ما أظهروا من السنة وإدناء الجلابيب على النساء ورفع الخُمر فوق الأذقان وستر النواصي وسائر الزينة إلا الوجه والبنان، فما وراء ذلك فهو حرام على من أبداه من النساء أو نظر إليه من الرجال)( 3).
3. الدفاع عن البلد في مواجهة العدوان الخارجي؛ (ومصنعة السواحل من عساكر المسلمين مرغد حماء الله أن يذاد عنه…وذلك أن الرجل والنفر من الشراة يبعثون إلى بلد من غروب عمان أو شروقها فيكرون أو يزاد لهم في الرزق)(4 ).
وجاء في عهد الإمام الصلت بن مالك في بعثه الجيش لنجدة سقطرى عندما هاجمها نصارى الحبشة، (واعلموا أني وليت عليكم يا معشر الشراة والمدافعة على جميع سقطرى، أهل السلم منها وأهل الحرب، وعلى الصلاة وقبض الزكاة والجزية والمصالحة والمسالمة والمحاربة لأهل النكث من النصارى، أو من حاربكم من المشركين في سفركم أو في مستقركم، على الأمر والنهي وإعطاء الحق ومنع الباطل وإنصاف المظلوم من الظالم، ووضع الأمور في مواضعها وإعطاء كل ذي حق نصيبه من العدل، من قريب الناس وبعيدهم)( 5).
فالجيش الذي أرسل لتحرير سقطرى كان خالصاً من الشراة في عهد الإمام الصلت، وهو من أزهى عصور الإمامة الأولى، وتكون من حوالي مائة سفينة(6 ).
4. الشراة جيش نظامي وقوات أمن نظامية؛ بدليل أساس الفكرة من بيع النفس لله ابتغاء ما عنده والانقطاع عن الدنيا، وهذا ما تردد كثيراً في هذه السيرة، بل وصل الأمر إلى حد الانقطاع عن الزواج! (غير أن رجالاً منهم تاقت أنفسهم إلى النساء، فلما ذكروا ذلك استوحش منهم أئمتهم وقادتهم)( 7)، فاستشاروا أئمة الدعوة في العراق، (فلما وصل ذلك إليهم فزعوا منه وساءهم ذكر الشراة الذين باعوا الله أنفسهم للنساء وطلب الشهوات)(8 ).
ورغم تحفظي على إعداد الشراة عن طريق الرهبنة المجانبة للطبيعة البشرية، لكن الشاهد في الأمر انقطاعهم للحفاظ على الأمن والسلم الأهلي والدفاع عن حوزة الوطن، وكان الشراة يأخذون أجراً على هذا الانقطاع للدفاع عن الوطن، فقد (كان المرء يرزق منهم في الشهر سبعة دراهم في غلاء من السعر، فيصبر على القوت اليسير رغبة في الآخرة والثواب من عند الله، وقد بلغنا أنه ربما فضل مع الرجل منهم الدرهم والدرهمان فيتطوع بذلك الفضل فيرده في فيء المسلمين)( 9).
وهذه كلها سمات الجيش النظامي المحترف، لكن مع مرور الزمن تراجعت فكرة الجيش النظامي إلى القوات شبه النظامية وما دون ذلك؛ كالاعتماد على العناصر المسلحة للقبائل، التي يستدعى مقاتلوها وقت الأزمات والحروب، وهذا رجوع إلى تقاليد مرحلة ما قبل الدولة.

نظريات في نظامية قوات الشراة
الوضع منذ الإمامة الأولى كان قائماً على تبني نظام الشراة العسكري النظامي، لكن تراجعت هذه الفكرة لصالح تشكيلات أقل نظاماً وانضباطاً، وأطرح هنا ثلاث نظريات لتفسير هذه الظاهرة:
1. النظرية الأولى: أن أعلام المسلمين من الفقهاء توجسوا خيفة من نظام الشراة؛ من خلال بعض الممارسات التي صدرت من الشراة في فترات الإمامة الأولى؛ ظهر فيها توغل الشراة في الحياة السياسية وفرضهم سياسة الأمر الواقع، بل ومخالفة أوامر السلطة التنفيذية والقضائية، لأنهم عدوا أنفسهم حماة النظام وراعيه الأول، ولم يتمكن الفقهاء من ردعهم عن التدخل في الشأن السياسي، فبدأ الفقهاء في تفكيك هذه المؤسسة وإضعافها شيئاً فشيئاً من خلال تراكم الشروح الفقهية لسيرة المسلمين.
ومن أشهر الأمثلة على تغول مؤسسة الشراة في أعمال السلطتين التنفيذية والقضائية قتلهم عيسى بن جعفر قائد العباسيين؛ بعد أسره وحكم الإمام وارث بن كعب عليه بالسجن، وكان عيسى بن جعفر ابن عم هارون الرشيد، قد بعثه هارون إلى عُمان عاملاً عليها في ستة آلاف مقاتل، فيهم ألف فارس وخمسة آلاف راجل، وبعث الإمام إليه مقارش بن محمد في ثلاثة آلاف؛ والتقوا بحتَّى(10 ) فانهزم عيسى بن جعفر وسار إلى مراكبه بالبحر، فسار إليه أبو حميد بن فلج الحداني السلوتي ومعه عمرو بن عمر في ثلاث مراكب، فدخل عليهم أبو حميد مركبه، فأسر عيسى وانطلق به إلى صحار فحبس بها.
قال أبو الحواري: قال فبلغنا أن الإمام وارث قام في الناس خطيباً فقال: يا أيها الناس إني قاتل عيسى بن جعفر فمن كان معه قول فليقل، قال: فبلغنا أن علي بن عزرة وكان من فقهاء المسلمين قام فتكلم فقال: إن قتلته فواسع لك، وإن تركته فواسع لك. فأمسك الإمام عن قتله وتركه في السجن.
قال: فلما كان بعد ذلك بلغنا أن قوماً من المسلمين، وفيهم رجل يقال له يحيي بن عبد العزيز، انطلقوا من حيث لا يعلم الإمام حتى أتوا إلى صحار فتسوروا السجن على عيسى بن جعفر فقتلوه في السجن من حيث لا يعلم الإمام ولا الوالي وانصرفوا من ليلتهم( 11).
وهذا التصرف الذي لم يبال قط بسلطة الإمام وإلزام حكمه على كافة رعيته؛ أوقع السلطة في مأزق، فهي إما أن تحاسب المتورطين في هذا الفعل فتهز من تماسك المؤسسة العسكرية، التي يبدو أنها كانت راغبة بشدة في قتل القائد العباسي، أو أن تغض الطرف عنه، وتسلم بالأمر الواقع، وهذا ما حصل بالفعل.
بل إن الفقهاء الذين نقلوا الواقعة لم يغفلوا المدح والثناء على مرتكب مخالفة عصيان حكم الإمام، فهو بحسب رواية أبي الحواري رجل يقال له يحيي بن عبد العزيز رحمه الله وكان من أفاضل المسلمين، ولعله لم يكن يقدم عليه أحد في الفضل في زمانه بعمان، وأيضاً نقل عنهم تبرئة ساحة من قام بهذا الفعل، فعن أبي الحواري أنه بلغنا عن بشير بن المنذر أنه كان يقول: قاتل عيسى بن جعفر لم يشم النار.
ونقل أبو الحواري من قول بعض الفقهاء أنه إذا قتل أحد من المسلمين على دينه أو قتل والي المسلمين في ولايته أو قتل قائد المسلمين في مسيره أو قتلت سرية المسلمين؛ أن دماءهم للمسلمين دون أوليائهم، وللمسلمين أن يقتلوا من قتلهم كيفما قدروا عليه في غيلة أو غير غيلة(12 ).
والتبرير الأخير للفعل الطائش لتلك المجموعة؛ نسف لكل قواعد الدولة والنظام القضائي، ورجوع إلى مرحلة ما قبل الدولة، حيث يأخذ الناس حقهم بأيديهم دون نظام يفصل في الخصومات، وهو محاولة لتبرير صنيعة أولئك دون الاصطدام مع الشراة، الذين كانت لهم شوكة وبأس.
وهذه الحادثة ليست الوحيدة التي تعكس تخوف الفقهاء من تغول سلطة الشراة، ففي عهد الإمام غسان بن عبدالله خرج على المسلمين رجل من أهل الشرق من بني هناة ومعه بنو هناة وغيرهم، وألقى إلى المسلمين أن أخا صقر بن محمد الجلنداني مع البغاة، فلما ذكر ذلك لصقر قال: من يقول ذلك، وإن أخي مريض عندي في الدار، وكان صقر يومئذ بسمائل.
فلما هزم البغاة وظفر المسلمون بهم، تحقق أن أخا صقر بن محمد كان مع البغاة، فعند ذلك اتهموا صقراً بالمداهنة لما ستر عنهم أمر أخيه، وكان الإمام يومئذ في نزوى، وكان الوالي على سمائل رجل يقال له أبو الوضاح، فرفع أبو الوضاح صقراً إلى الإمام مع سرية بعثها الإمام لحمله، وخرج أبو الوضاح معه خوفاً عليه من الشراة أن يقتلوه، وبعث الإمام إليه أيضا سرية أخرى، وبعث معهم موسى بن علي فالتقوا بنجد السحامات( 13)، فبينما هم في مسيرتهم إذ اعترض بعض الشراة صقراً فقتلوه، فلم يكن للوالي أبي الوضاح ولا لموسى بن علي قدرة على منعهم من قتله.
قال أبو الحواري: وبلغنا أن موسى بن علي خاف على نفسه ؛ فلو قال شيئا لقتلوه(14 ).
من هذه الواقعة يتبين مدى التغول الذي وصل إليه الشراة، بحيث إن الإمام غسان كان يخشاهم، فيرسل فرقاً خاصة لحماية المتهمين من بطشهم، وموسى بن علي أحد كبار أعلام المسلمين كان يخشاهم على حياته!.
السالمي برر هذه المواقف بقوله: (قيل ولم يكن من الإمام غسان إنكار على من قتله، وكانت تلك الأيام صدر الدولة وقرتها وجمة العلماء، فيحتمل سكوت الإمام أحد وجهين:
– إما أن يكون قد صح معه أن صقرا بايع عليه واستوجب بذلك القتل؛ فأسر إلى بعض الشراة أن يقتله؛ ولم يتشهر هو بقتله كي لا تكون عصبية.
– وإما أن يكون قد احتمل للقاتل أن يكون قد قتله بحق عمله،كما احتملوا ذلك في قتل عيسى بن جعفر، وأما خوف موسى على نفسه لو أنكر فلم يتحقق ذلك، وإنما هو نفس خوف وظن لما رأي من الشدة في الشراة)(15 ).
وهذه التبريرات في غاية الضعف، والدافع لها الإصرار على إضفاء الشرعية على فعل الشراة، وهو فعل خاطئ وغير مبرر أبداً، وكلام موسى بن علي يعكس حالة الاستياء الشديد منه، وهذا الاستياء من موسى بن علي هو الأساس الذي يمكن أن تفسر به محاولات الفقهاء في المراحل التالية لتفكيك وإضعاف هذه المؤسسة العقائدية العسكرية.
فالآثار الفقهية العديدة في الجزء 69 من كتاب “بيان الشرع” تحمل في طياتها نقاشات حول جبر الناس على القتال، وهل يختلف الأمر إذا كانوا شراة أو غير شراة؟ فنقلت آراء متعددة في الموضوع:
– فمنهم من لم يفرق بين الشراة وغيرهم، ورفض فكرة جبر الناس على القتال، ورأى أن من رغب في المسير بماله ونفسه إلى إقامة العدل والجهاد في سبيل الله فقد أدرك الفضل، ومن ترك ذلك لم يجبر عليه ولا يستكره، وكلام أبي المؤثر يدل عليه.
– ومنهم من فرق بين الشراة وغيرهم، فالشراة يجبرون على القتال، أما غيرهم فلا جبر(16 ).
ووجد في الآثار الفقهية التي تشرح سيرة المسلمين أنه (إذا ثبتت الإمامة للإمام ما يجب على الرعية له؟ قال: إذا قام بالحق فعليهم إجابته إذا دعاهم، ونصرته إذا استنصرهم، ومعونته إذا استعان بهم، والدينونة بطاعته)(17 ).
ومثل هذه الآثار التي تحض على الاعتماد على المتطوعين في المجهود العسكري إضعاف لنظامية وقوة جيش الشراة، وكذلك فإن عنصر عدم الإلزام في الخروج للقتال يفقد الشراة أهم ميزة لهم وهي الانضباط في تنظيم عسكري، وبالتالي تنزل رتبتهم إلى القوات شبه النظامية التي قد تستدعى في أوقات ولا تستدعى في أخرى، وبالتالي يحل محلهم قوات من المتطوعين الذين يزخر بهم المجتمع، فيقل الاعتماد عليهم وتضعف قوتهم.
2. النظرية الثانية؛ دور البنية الاجتماعية في عدم وجود جيش نظامي محترف، وهذه البنية التي يقوم جزء كبير منها على القبلية والمناطقية التي تتنافر بطبيعتها مع النظام العسكري النظامي، وبالتالي يكون هذا الجيش أول الضحايا عند حدوث نزاع سياسي، فيتفتت بحسب هذه الانتماءات الضيقة، وتدخل البلاد بأسرها فترات طويلة من الفوضى والاضطراب لعدم وجود قوة قادرة على ضبط إيقاع البلاد، وعند الرجوع إلى النظام من جديد يصعب العودة إلى سابق العهد، وتغلب طبيعة الأعراف والتقاليد القبلية المناطقية على النظام العسكري.
والمثال التطبيقي الأول على هذه النظرية؛ الأحداث المؤسفة التي أعقبت عزل أو اعتزال الإمام الصلت بن مالك، وتصدر المشهد القاضي موسى بن موسى؛ عندها بدأت العصبيات القبلية المناطقية تصعد على السطح بعنوان واضح وصريح هو (اليمانية/النزارية) ببعدها المناطقي في عُمان في تلك الحقبة، وهو ما أشعل حرباً أهلية واسعة النطاق، سجل التاريخ منها معركة “القاع” بوادي عاهن بصحار سنة 278ه، (ولم تزل الفتن تتراكم بأهل عمان وتزيد بينهم الإحن، وصار أمر الإمامة معهم لعباً ولهواً وبغياً، ولم يقتفوا كتاب الله ولا السلف الصالح من آبائهم وأجدادهم، حتى أنهم عقدوا في عام واحد ست عشرة بيعة، ولم يفوا بواحدة حتى بلغ الكتاب أجله)(18 ).
السؤال المطروح: أين قوات الشراة النظامية التي كانت حاضرة بقوة في عهد الإمام الصلت بن مالك وحررت سقطرى من النصارى؟ الجواب: أنها لم يعد أحد يتحدث عنها، لأنها ببساطة تفتتت بتفتت قوى المجتمع بين السلطة والمعارضة، وكلاهما في تلك اللحظة الزمنية يعبران عن حالة قبلية مناطقية.
وزاد الطين بلة تدخل الدولة العباسية في الشأن العماني، بإرسال واليها على البحرين محمد بن نور مسانداً لأحد طرفي النزاع وهو الطرف النزاري الذي طلب العون والنصرة من العباسيين، مما ساهم في مزيد تدمير للبلاد وإنجازاتها السابقة، فاستولى محمد بن نور على كافة عمان وفرق أهلها، وعاث في البلاد وأهلك ببغيه الحرث والأولاد، وجعل أعزة أهلها أذلة، وقطع الأيدي والأرجل والآذان وسمل الأعين، وجعل أهلها النكال والهوان، ودفن الأنهار وأحرق الكتب(19 ).
ومع طول العهد بالفوضى والتدخل الأجنبي انهارت مؤسسات الدولة، وقوات الشراة (=الجيش) كانت أول المؤسسات المنهارة بفعل البنية الاجتماعية الهشة التي يصعب معها الاحتفاظ بالمؤسسات.
المثال التطبيقي الثاني؛ ما جرى في الحرب الأهلية العمانية في أواخر عهد اليعاربة في القرن الثامن عشر الميلادي، فمنذ الخلاف على مبايعة سيف بن سلطان الثاني والبلاد في حالة غليان وقلق واضطراب، من وصاية يعرب بن بلعرب على سيف بن سلطان الثاني، أعقبها تولي يعرب بن بلعرب الإمامة شخصياً، ودارت الأحداث بعدها بخروج بلعرب بن ناصر عليه مطالباً بالإمامة لسيف بن سلطان الثاني، ثم وصايته عليه بعد انتصاره، وتحالف بني هناءة معه.
وفي نهاية المطاف دخل المعادلة المعقدة محمد بن ناصر الغافري، الذي لم يرض عن استبداد بعض القوى القبلية بمستقبل البلاد، فجمع حوله قبائل الظفرة وهم بنو ياس والمناصير والعوامر وانضم إليهم بنو نعيم وبنو قتب وغيرهم(20 )، هنا انفجرت الأوضاع في عمان بشكل غير مسبوق، وأخذت الحرب طابعاً قبلياً مناطقياً صرفياً (هناوي/غافري) نسبة إلى زعيمي الحرب خلف بن مبارك الهنائي ومحمد بن ناصر الغافري، واستمرت سنوات طويلة(21 ).
نتساءل أين الجيش القوي (=قوات الشراة) الذي كان موجوداً حتى عهد سيف بن سلطان الأول (1692-1711م) الذي قويت عمان بعهده ؟!( 22).
الجواب إن الجيش النظامي القوي فككه أفراد البيت اليعربي الحاكم والزعماء القبليون والفقهاء في صراعهم على السلطة، والجيش بحكم البنية الاجتماعية ليست له عقيدة وطنية يقاتل من أجلها، فمن السهل أن تمزقه الانتماءات الضيقة.
3. النظرية الثالثة؛ وهي تفترض عدم وجود جيش نظامي في تاريخ سيرة المسلمين توجساً من استعمال الجيش لفرض سياسة استبدادية، وهذه نظرية حسين غباش، الذي رأى أن نظام الإمامة رفض وجود جيش محترف خشية أن تتجاوز الإمامة مهمتها، ويتحول الإمام المنتخب إلى حاكم مستبد، والبديل عن الجيش النظامي وفقاً لهذا التصور هو أن يستنهض الإمام القبائل للقتال، فيكون الجيش عبارة عن مجموعة من المتطوعين والمجندين من أبناء القبائل(23 ).
وهذه النظرية تسجيل لواقع ساد في بعض الفترات، وخاصة فترة ما بعد اليعاربة، التي علا فيها صوت القبيلة على الدولة، لكن نظام الشراة الذي نشأ في الفترة المتقدمة كان نظاماً عسكرياً نظامياً، وظل حاضراً في دولة اليعاربة في أوج قوتها العسكرية الداخلية والخارجية، مما ينفي ما تصوره غباش.

1- سالم بن خميس المحيلوي، فواكة البستان الهادي إلى طاعة الرحمن، ج1 ص191.
2- السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان، ج1 ص241.
3- المرجع السابق، ج1 ص240.
4- المرجع السابق، ج1 ص246.
5- عبد الله بن حميد السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، ج1 ص171.
6- المرجع السابق، ج1 ص168.
7- السير والجوابات لعلماء وأئمة عمان، ج1 ص239.
8- المرجع السابق، ج1 ص239.
9- المرجع السابق، ج1 ص241.
10- قرية عمانية قديمة، تتبع حالياً دولة الإمارات العربية المتحدة.
11- محمد بن إبراهيم الكندي، بيان الشرع، ج70 ص280-283. محمد بن عامر المعولي، قصص وأخبار جرت في عمان، ص104-106. عبد الله بن حميد السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، ج1 ص118-119.
12- محمد بن إبراهيم الكندي، بيان الشرع، ج70 ص281.
13- موقع بين بركة الموز ونزوى.
14- أحمد بن عبد الله الكندي، المصنف، ج12 ص46-47. محمد بن عامر المعولي، قصص وأخبار جرت في عمان، ص108-109.
15- عبد الله بن حميد السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، ج1 ص124.
16- محمد بن إبراهيم الكندي، بيان الشرع، ج69 ص100-108.
17- المرجع السابق، ج68 ص290.
18- محمد بن عامر المعولي، قصص وأخبار جرت في عمان، ص125.
19- المرجع السابق، ص130.
20- المرجع السابق، ص250-260.
21- المرجع السابق، ص259-298.
22- المرجع السابق، ص246.
23- حسين غباش، عمان الديمقراطية الإسلامية، ص82-83.

الثامن والخمسون سياسة

عن الكاتب

خالد بن مبارك الوهيبي