صادق جواد سليمان مفكراً وإنساناً نبيلاً

كتب بواسطة ناصر صالح

إن الذي يشتغل بمهنة الصيد نسميه صياداً، وذلك الذي يشتغل بمهنة الزراعة نسميه مزارعاً، وعلى هذا المنوال، فإن الذي يشتغل بالفكر وبلورة الأفكار والمفاهيم نسميه مفكراً. بهذا المعنى فإن صادق جواد سليمان مفكر، لأنه اتخذ الفكر سبيلاً، وأصالة الفهم غايةً، وكانت حياته رحلة بحث صادق عن الحقيقة. وخلال رحلة حياته لم يكن معنياً بإثبات صحة رأي أو معتقد بل أن يقيّم المبدأ الذي يستند إليه هذا الرأي وذلك الاعتقاد. لهذا عندما نتساءل لمَ كان صادق جواد سليمان إنساناً فريداً ومتميزاً عن أبناء جيله سنجد الجواب في مسعاه الصادق للمعرفة، وتوقه الدائم للوصول إلى الحقيقة. هذا البحث عن الحقيقة لم يكن من أجل المعرفة فقط، بل لأنه أراد أن يحيا وفقاً لأفكار ومفاهيم واضحة، وأن يؤسس حياته على مبادئ راسخة، وهذا لم يكن ليتأتى إلّا بالتعمق في الفكر، واستيضاح المفاهيم، واستجلاء المعاني.

ومثلما يطور الصيّاد صناراته، وشباكه، وينمي معارفه وخبراته بأماكن الصيد وطبائع الأسماك، وكما أن المزارع يحسّن معرفته بالنباتات، والأشجار، والتربة، والبذور ليحصل على الثمار المرجوة، طوَّر صادق جواد أدواته ومهاراته الفكرية واللغوية، فالأفكار والمفاهيم هي عالم صادق جواد، وفي سبيل استيضاحها، واستجلائها كان مستعداً لأن يبذل حياته، فالحياة لا معنى لها بالنسبة إليه إن لم تتأسس على مبدأ، وإن لم ترتكز على قيمة، وإن لم يكن لها غاية.

هذا الباعث الأصيل الناشد للحقيقة هو الذي جعل صادق جواد سليمان يشق لنفسه طريقاً مختلفاً عن رفاقه الذين درس معهم في كتاتيب مطرح وحضراتها الدينية التقليدية في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي، فهو لم يكتفِ كغيره بما نص عليه التلقين والحفظ من علوم شرعية، ومعارف تراثية، فعقله لم يكن يكف عن التساؤل والبحث عن السبب والعلة، وعن آفاق أوسع للفهم والمعرفة. كثيرون من رفاق طفولته رأوا سفناً حديدية ترسو في ميناء مطرح في خمسينيات القرن الماضي، لكن هذه البواخر التي تنفث بخاراً كالحيتان كانت أعجوبة بالنسبة لصادق، ودليلًا على أن في الدنيا علماً غير علم الشيوخ والفقهاء الذين درس على أيديهم، ولهذا دفعه فضوله كفتىً في مقتبل العمر للصعود على ظهر إحدى البواخر متعجباً متفكراً من صنعتها، ونزل إلى بطن السفينة متفقداً آلاتها ومحركاتها، باحثاً عن مصادر طاقتها العجيبة التي تدفع بجلاميد الحديد في عرض البحر بسرعة هائلة لا تضاهيها السفن الشراعية! تلك الحادثة شكلت منعطفاً فكرياً لصادق جواد، وكانت ربما أحد دوافعه للسفر إلى الكويت، حيث حرص هناك على تعليم نفسه، وإكسابها المعارف الحديثة، وأهمها إتقان اللغة الإنجليزية وإجادتها إلى حد عمله في الكويت صحفياً ومترجماً في ستينيات القرن الماضي في إحدى الصحف الناطقة بالإنجليزية.

كان صادق جواد يتنقل ظاهرياً من بلدٍ إلى بلد، ومن مهنةٍ إلى مهنةٍ أخرى، لكن مهنته الخفية والمستترة في ذلك الحين كانت الفكر. فمن مرحلة إلى أخرى كان يصوغ أفكاره ومفاهيمه بدقة وعناية كما يصوغ الجواهري ذهبه ومجوهراته، لكن الجواهري يصوغها لزبائنه، أما صادق فكان يصوغها لنفسه لتكون دليلاً لفهمه، ومرشداً لسلوكه، ومصباحاً يستنير به في رحلة بحثه عن الحقيقة، وبهذا المعنى كان صادق جواد سليمان مفكراً أصيلاً.

في سبعينيات القرن الماضي، وبالمهارات اللغوية والمعارف الفكرية التي اكتسبها، كانت دروب المهنة والترقي الوظيفي مفتوحةً أمامه، ولهذا لا عجب أن يكون في سنوات قليلة سفيراً لعُمان في إيران الشاه، لكنه حتى وهو في هذا المنصب السياسي الرفيع ظل محتفظاً بجوهره الأصلي كمفكر، فأفكاره تسبق أفعاله، وأفعاله ترتكز على قيم ومفاهيم واضحة. في إحدى المرات عاتبه زملاؤه في السفارة العمانية بإيران لأنه لم يسرّع خطواته للسلام على شاه إيران الذي ينتظره، وكان رده حاضراً أن خُطاه الهادئة لا تمثل شخصه بل شعبه باعتباره سفيراً لبلاده. وحين انتقل كسفير لعُمان في الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول أمريكا الجنوبية كانت البساطة عنوانه، والضمير هو المؤشر الذي يهتدي به في غابات السياسة، وحينما تعارض اتجاه المؤشر مع تيارات السياسة اعتزل العمل الدبلوماسي في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، وانتقل إلى عالمه الذي ينتمي إليه؛ عالم الفكر والمعرفة، ليكون كما شاء أن يكون زاهداً في المطالب الدنيوية، وباحثاً عن المعرفة والحقيقة.

كان الفكر سمة صادق وديدنه اليومي، فلا رأي، أو موقف، أو توجه إلّا وقد سبقه بحثٌ فكري مضنٍ لتأصيل المبدأ الذي يحتكم إليه في تحديد صحته وصوابه، ولا مفهوم يطرحه للنقاش إلّا وقد سبقه تفكير عميق ومتواصل حتى يتبين الحدود بين المفاهيم المتشاكلة، ويتتبع منعرجاتها، ونقاط اتصالها، وافتراقها عن بعضها البعض، وكلما وصل إلى فهم أوضح اتسعت الرؤية وتحددت وجهة السلوك، فالمعرفة والأخلاق كانتا الميدان الواسع الذي جال فيه صادق جواد وبنى فيه واحته الفكرية التي أصبحت محل إقامته، ومكان وجوده في العالم.

هذا التوق الفكري للفهم والمعرفة هو السبب في اتساع حركة صادق جواد في الواقع والفكر، فحين نتتبع سيرة حياته نجد نشاطاً فكرياً وثقافياً ملفتاً في أمريكا بمشاركته في تأسيس “مركز الحوار العربي” بواشنطن في ثمانينات القرن الماضي، وحضوره الفاعل فيه خلال تسعينيات القرن نفسه، وطوال حياته ظل صادق مرتحلاً ومتنقلاً بين قارات العالم وثقافاته، وخلال هذه الجولات كان حريصاً على محاورة الجميع، وكانت فصاحته، وبلاغته باللغة العربية والإنجليزية، وقدرته الفذة على تأصيل الأفكار، وتحديد المفاهيم تجذب الأنظار إليه، فهو ليس أكاديمياً لكنه ملتزم بمنهجهم العلمي في أوراقه ومداخلاته، وبحضوره الشخصي والفكري كان أقرب للحكماء والفلاسفة، حيث كان واضحاً أنه لا يبحث عن تأكيد حقيقة علمية، وإنما ينشد الحكمة التي هي ضالة المؤمن.

أما اتساع حركة صادق جواد في الفكر فهي واضحة من استشهاداته، وإحالاته في أحاديثه وكتاباته، فبعد أن يبدأها بتأصيلاته اللغوية المعبرة عن عمق ورسوخ ثقافته التراثية تتعدد الشواهد والاقتباسات من الفلاسفة اليونانيين، والحكماء الهندوس والبوذيين، والتعريجات الدائمة على الفلاسفة الغربيين، وعبر هذا التطواف الفكري العميق الذي يبث فيه لمحات ألمعية تفتق عنها فكره يعود إلى شواهد من القرآن الكريم وكأنه يريد أن يؤكد دائماً أن الحق واحد، ولكن طرق الوصول إليه تتعدد بتعدد السالكين، وصادق جواد جواب آفاق، وهو مثل جلجامش عبر غابات ومفازات العالم بحثاً عن نبتة المعرفة.

لقد كان الفكر هو العالم الذي أقام فيه صادق جواد سليمان، وكأنه كان صوفياً معتكفاً في محرابه يفكر ويتأمل، وقناديل منارته المضيئة تتغذى من زيت أفكاره. كان الدخول الأول لمحرابه في عام 2006 مصحوباً بالدهشة والأسئلة: من أين أتى هذا الإنسان؟ في أي عصر يعيش؟ أي طريق سلك ليصل إلى ما وصل إليه؟ وكيف لم يتح لنا أن نسمع عنه أو نعرف عنه شيئا؟! كانت الدهشة تتوالد عنها دهشات ونحن ننتقل معه بسرعة البرق من الحديث عن اليومي إلى مجرات الأفكار، وأقمار المفاهيم البعيدة، ونجوب بصحبته الأزمنة، والأمكنة، والبلدان والثقافات، والمدارس الفكرية قديمها وحديثها، وكان واضحاً أننا في صحبة إنسان حكيم متبحر في العلوم والمعارف قديمها وحديثها، لهذا كان الحوار معه تطوافًا من عالم الفلسفة إلى عالم الرواية، ومن الحكايات العفوية التي يسردها من ذاكرته إلى العلوم الطبيعية، لكن في هذا التطواف تترابط العوالم، وتتصل الحكايات وتتوالد منها الشواهد، والحجج، والأدلة الفكرية. كانت تلك المحاورات مع صادق جواد دروساً في اللغة، وضبط العبارات والمصطلحات، وتحديد المفاهيم، وهي لم تكن دروساً لعقولنا فقط بل مُثُلاً للتربية يريد منها ترسيخ القيم والمبادئ الفكرية؛ فالاستقامة الفكرية، كما يؤكد صادق دائماً، تلزمها استقامة خلقية، والقيمة المعرفية لا بد أن تسبقها القيمة الإنسانية. كان الحوار معه يتسع دون قيود وحدود الأيديولوجيا الضيقة، فقد كان صادق جواد سليمان نقياً مبرّءًا من عاهات الأيديولوجيا التي عانى منها الكثير من المفكرين العرب.

إن الأحداث والمواقف هي اختبار الأفكار وامتحان الجوهر الإنساني، وقد كانت اعتصامات 2011 حدثاً كبيراً وانعطافة هامة في مسيرة صادق جواد الإنسان والمفكر، ففي حين نأى الكثير من المثقفين العمانيين بأنفسهم بعيداً عن ساحات الاعتصامات، والبعض منهم خوفاً أو طمعاً، كان صادق جواد سليمان، وهو على مشارف الثمانين من عمره، متواجداً في مسرح الاعتصام بمسقط منذ الأيام الأولى، فقد كان ذلك الحدث بالنسبة له كصاحب رسالة فكرية وخلقية فرصة للتواصل مع الشباب والأجيال الجديدة من أجل تعميق المعرفة، وتنوير الوعي. كانت حواراته البسيطة والعميقة في تلك المنتديات العفوية مع المعتصمين مصدر إثراء معرفي وتنويري، ومن يومها عرفه وأحبه الكثيرون وتأثروا به، كما أنه تأثر بالعاطفة والمحبة والتقدير التي لمسها عن قرب، وكانت هذه التجربة أشبه بطاقة تجديد نفسي وروحي دفعته لانعطافة كبرى في مسيرته الحياتية نحو الناس والمجتمع. ومن يومها لم يكف صادق عن فتح أبوابه ونوافذه للجميع، وكان مقبلاً على المشاركة في أي دعوات للحضور على شاشات التلفزيون أو الإذاعة أو اليوتيوب أو أي وسيلة تواصل، بل أخذ يتنقل بين المدن والقرى العمانية، وخلال رحلاته كان حريصاً في أي لقاء يجمعه بالناس على إثارة الحوارات والنقاشات التي تفتح آفاق التفكير، وتنير الفهم والبصيرة،  وكان في مسلكه هذا أشبه بمزارع عماني كريم ونبيل ينثر البذور في كل الأراضي التي يمر بها، ويسقيها بمعين فكره وإرادته، راجياً أن هذه البذرة أو تلك ستزهر وتثمر، وأنها ستؤتي أكلها يوماً ما.

لقد رحل صادق جواد سليمان عن الحياة، وإننا إذ نفتقده إنساناً، ومعلماً، ومربياً، وصديقاً، ونفتقد ابتسامته الطيبة، ونفسه الرضيّة، وفكره العميق، وسكينته الهادئة المطمئنة التي كانت ملاذاً لنا في الأوقات المضطربة والصعبة، نعزي أنفسنا بأن صادق لم يكن معنياً بالحياة كمأكل، ومشرب، وتزجية أوقات، بل كان معنياً بالوجود، والمعنى، والحقيقة، ولهذا سيظل موجوداً بامتداد فكره، وبسيرة حياته التي كانت مثالاً يحتذى للمفكر الأصيل، والإنسان النبيل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

مصدر الصورة: https://2u.pw/WOr4t

العدد الأخير العدد الواحد والعشرون بعد المئة ثقافة وفكر

عن الكاتب

ناصر صالح

كاتب عماني