عام 2011 .. عام الثورات العربية

لقد كانت المشكلة الكبرى أن ثروات الأوطان العربية ظلت تدور بين فئة صغيرة جدا في كل وطن لا تتعدى أصابع اليدين فيما بقي السواد الأعظم من الشعوب تحت خط الفقر، وتوجهت بعض الحكومات إلى خصخصة القطاع العام ومؤسسات الدولة دون دراسة وافية، مما أدى إلى إضعاف هذه الحكومات وبقائها مرهونة في يد الجشعين من التجار أعضاء العصابات المالية وأصبح كل شيء قابلا للبيع من الضمائر إلى الأوطان، ولعل التحقيقات التي جرت في كل من تونس ومصر وليبيا فيها الدليل على الفساد الذي رافق المؤسسات الرسمية في هذه الدول.

 

لقد مر عام منذ أن فعلها التونسي محمد البوعزيزي عندما أشعل الثورات العربية التي قضت حتى الآن على أربعة أنظمة عربية ومنها ما ينتظر ، ولقد كانت البداية من تونس حيث استطاع الشعب التونسي – وبإلهام من شاعرهم الكبير أبي القاسم الشابي – أن يترجم قصيدة “إرادة الحياة” إلى واقع عملي حيث أطاح بالرئيس زين العابدين بن علي في ثورة داخلية مئة في المئة لم تشارك فيها قوات الناتو ولم يتم سرقة الثورة من قبل أناس آخرين يرددون دائما صباح مساء أن الخروج على الحكام حتى وإن كانوا جائرين هو خروج عن الإسلام وأن الوقوف ضد الحاكم حتى وإن كان ديكتاتورا هو مبدأ الخوارج، وقد أتت الثورة التونسية بالمنصف المرزوقي وهو من الشعب ومن المدافعين عن حقوق الإنسان التونسي إلى الرئاسة التونسية وهو الذي توقع في برنامج “الاتجاه المعاكس” قبل أكثر من عام أن الثورات قادمة في الوطن العربي وأنها ستطيح بالأنظمة العربية مما جعل د. فيصل القاسم يهزأ من موقف كهذا مرددا أن كلاما مثل هذا سمعناه كثيرا وعلى مدى سنوات طويلة ولم نر شيئا على الواقع

لقد انتقلت شرارة البوعزيزي من تونس إلى الوطن العربي كله ، وإذا بها تلغي مبدأ الخوف عند الشعوب العربية التي اتُهمت لسنوات طويلة بالخضوع والذل والاستكانة للأنظمة المستبدة وبالتالي طرحت انتفاضات الشعوب العربية أسئلة كثيرة للنقاش معظمها تركز حول ماهية الأسباب الحقيقية وراء هذه الانتفاضات، وانبرى الكثيرون يقدمون تحليلاتهم حول ما عُرف بالربيع العربي أو الفوضى الخلاقة حسب مخطط كونداليزا رايس لبناء الشرق الأوسط الجديد الذي نادى وبشر به شيمون بيريز رئيس الكيان الإسرائيلي، وسواء كانت هذه الانتفاضات بتخطيط من الخارج أم لا، إلا أنه لا يمكن لأي أحد أن يتجاهل الأسباب الداخلية وهي الأساس في كل الحركات التي انطلقت في الوطن العربي بدءا من تونس، وتكاد تكون هذه الأسباب مشتركة، ويأتي في مقدمتها على الإطلاق الحالة الاقتصادية الصعبة التي يعانيها المواطنون العرب رغم الثروات الهائلة التي تملكها هذه الأوطان، وهذا بدوره أدى إلى الظلم السياسي الذي تمثل في سوء رعاية مصالح الناس في جميع نواحي الحياة حتى صارت الأمة العربية في مؤخرة الركب مما أدى إلى نشوء حالة “المقاومة السلبية” أولا وهي عدم تفاعل الشعوب العربية مع قرارات الحكومات إذ أن القرارات تكون في صوب ويكون المواطنون في صوب آخر، ثم انتقل إلى”المقاومة الإيجابية”، وهو ما حذر منه من سنوات طويلة الأستاذ الراحل أحمد بهاء الدين عندما كتب عدة مقالات في مجلة العربي الكويتية عن شرعية السلطة في الوطن العربي

ورغم أن العالم تغير الآن مع انفتاح العالم ولم تعد وسائل الإعلام المحلية هي التي توجه الناس وصار بإمكان أي مواطن عربي أن يتابع ما يحدث في العالم من غرفة نومه أولا بأول ويتفاعل مع ما يحدث خارج وطنه عن طريق التواصل من الآخرين، إلا أن الحكومات العربية ظلت على ضلالها القديم وتعاملت مع المواطنين كأنهم لا يعقلون شيئا، وبدلا من أن تساير العالم وتبحث عن الحلول الحقيقية لمشاكل الناس سارعت إلى التضييق على الحريات حتى انفجرت الأوضاع في كل مكان، ويبقى خير دليل على مدى تأثر المواطنين العرب بما يجري حواليهم هو الشرارة الأولى التي أطلقها محمد البوعزيزي في تونس – كما أشرنا – والتي انطلقت بعدها إلى مصر وليبيا واليمن وسوريا وهي مرشحة لأن تستمر في كل مكان في الوطن العربي لتشابه الظروف مع اختلافات بسيطة فقط بين قُطر وآخر، طالما أن القائمين على هذه الأوطان لا يريدون أن يعترفوا أن العالم تغير وأن الشعوب العربية كسّرت ما كان يعرف بحاجز الخوف وأن الشباب يقتدي بما يفعله الشباب مثله خارج وطنه

ومن الصعب إجراء مقارنة بين الدول العربية التي قامت فيها الثورات والانتفاضات الشعبية وبين الدول الأخرى الغنية الساكنة حتى الآن ظاهريا لأنّ من يقرأ التقارير الغربية عن حجم الأرصدة العربية في البنوك العالمية وفي الصناديق السيادية ويقارن بين أحوال المواطنين في هذه الدول سيصاب بدهشة، وإذا قرأ عن حجم ثروات المسؤولين العرب الذين اغتنوا من قوت الشعوب سيصاب بسكتة دماغية أو قلبية أيهما أكبر!

لقد كانت المشكلة الكبرى أن ثروات الأوطان العربية ظلت تدور بين فئة صغيرة جدا في كل وطن لا تتعدى أصابع اليدين فيما بقي السواد الأعظم من الشعوب تحت خط الفقر، وتوجهت بعض الحكومات إلى خصخصة القطاع العام ومؤسسات الدولة دون دراسة وافية، مما أدى إلى إضعاف هذه الحكومات وبقائها مرهونة في يد الجشعين من التجار أعضاء العصابات المالية وأصبح كل شيء قابلا للبيع من الضمائر إلى الأوطان، ولعل التحقيقات التي جرت في كل من تونس ومصر وليبيا فيها الدليل على الفساد الذي رافق المؤسسات الرسمية في هذه الدول.

وإذا كانت الظروف الاقتصادية هي السبب الرئيسي والمحرك الأول لكل الثورات في كل مكان في العالم فإن الوطن العربي ليس استثناء عن هذه القاعدة فالأوضاع الاقتصادية الصعبة للمواطنين العرب كانت السبب الأساسي لهذه الثورات، وكل ما قيل عن أسباب الثورات من بحث عن كرامة وحرية وديمقراطية فإن كل تلك الأسباب كانت نتيجة للأوضاع الاقتصادية السيئة للناس مقابل سرقة مقدرات الشعوب علنا دون حسيب ولا رقيب، ولو فرضنا أن الشباب يجد التعليم الجيد ثم يجد العمل وأن الشعوب تجد قوت يومها بسهولة وتجد أسباب الحياة الكريمة من دراسة وعلاج ووظائف ومسكن وملبس هل كان يمكن أن تفكر فيمن يحكم أو لا يحكم وهل سيستمر في الحكم أو لا؟

لقد نشأ عن الأوضاع الاقتصادية السيئة كبتٌ للحريات وصارت الحكومات تتعامل مع المواطنين بأن تلغيهم كبشر لهم حقوق واهتمت فقط في الواجبات المطلوبة منهم وغالبا هو تقديم الولاء فقط، أما من كان له رأي أو يحاول أن يسلط الضوء على الفساد ويكشف المستور فإن مصيره إلى الجحيم، والتهمة دائما جاهزة هي خيانة الوطن والتعامل مع جهات خارجية، ثم المصيبة العظمى أن القضاء ليس إلا ألعوبة في يد الأجهزة الأمنية ولا أساس لمقولة ( استقلالية القضاء )!

لقد وصل المواطنون العرب إلى “الحالة الثورية” نتيجة للمعاناة اليومية ونتيجة للقهر عن طريق الاستبداد السياسي والتعذيب والتنكيل وعدم إعطاء الشعوب حرية الرأي والتعبير وحرية اختيار الحياة الكريمة التي بها يحلمون ، ونتيجة لتفشي الفساد في كل المرافق وانتشار الرشوة وضياع الضمائر والأمانة واختفاء روح الجماعة بأن أصبح الكل يبحث عن مصلحة شخصية فقط لأن الوضع العام كله هكذا، في وقت نجد فيه أن الإعلام العربي يتغنى بالمنجزات فقط من الصباح إلى الليل ولا يستمع إليه أحد ولا يصدقه، لأن الإنسان – مهما يكن- لن تستطيع أن تقول له أنت إنسان محظوظ لأنك شبعان، في وقت يتضور بطنه جوعا، وكل هذا لأن المواطن العربي لم يجد من يستمع له

وإذا كانت هذه بعض أسباب الثورات العربية، فإنه يمكن لنا أن نسأل هل حققت هذه الثورات النجاح؟ وهل تحقق للمواطنين ما كانوا يصبون إليه ويحلمون به أم أن هذه الثورات جاءت عكس ما كانوا يريدون؟ ثم ما هي التكلفة التي تحملها المواطن العربي من قوته اليومي في سبيل تحقيق حريته ؟ وهل من تدخلات خارجية بهدف زعزعة الأمن والاستقرار في الدول العربية ؟ ويمكن أن نسأل أو نتساءل من المستفيد من هذه الثورات ؟

أما التقييم النهائي لهذه الثورات فلا يزال الوقت مبكراً عليه جدا، لأننا مهما وقفنا مع حق الشعوب في الحرية والحياة الكريمة إلا أنه لا يوجد عاقل واحد يمكن أن يقف مع التدخل الأجنبي ضد الداخل لأن التبعات السيئة لذلك التدخل ستكون أضعاف تبعات بقاء الأنظمة الديكتاتورية في الوطن العربي، لأنها مع مرور الأيام لن تنتج إلا ديكتاتوريات أخرى مستنسخة، وسوف يجعل هذا التدخل الأوطان واقتصادياتها مرهونة للغرب، ثم لا يمكن لأحد يحمل في رأسه ذرة عقل أن يؤيد قتل القذافي بتلك الطريقة الشنيعة التي شوهت سمعة الثوار الليبيين، في وقت كان الثوار في أمسّ الحاجة إلى معرفة كل صغيرة وكبيرة عن تصرفات القذافي خلال فترة حكمه إلا أنه ذهب وذهبت معه الملفات الكثيرة التي بحاجة إلى الإيضاح …!

كاتب وإعلامي عماني

العدد الحادي والعشرون سياسة

عن الكاتب

زاهر بن حارث المحروقي

كاتب وإعلامي عماني
Zahir679@gmail.com