عبد السلام بنعبد العالي.. الفلسفة بدون أبراج

إلى أي مدى تتفق مع العنوان الذي اخترناه لاختزال فلسفة الدكتور عبد السلام بنعبد العالي؛ “الفلسفة بدون أبراج”؟

إذا أخذنا استعارة البرج في معنى الابتعاد عن مجريات اليومي، فإن عنوانك الذي ينظر إلى الفلسفة كاهتمام بدلالات “الحياة اليومية”، يبدو وفيا بالغرض. شريطة أن نفهم هذا الاهتمام، لا على أنه انغماس في اليومي وغرق فيه، مادام الفكر يقتضي دوما ابتعادا ومسافة. إذ لا ينبغي أن ننسى أن اللفظ الذي يحيل إلى التفكير، في اللغة الفرنسية على سبيل المثال، وهو réflexion، يشير إلى تراجع الشعاع الضوئي عندما يغير وسطه ويصطدم بآخر، كأن يخرج من الهواء ليقع على سطح ماء، أو قطعة زجاج فيرتد على أعقابه. هذا التراجع، هو الذي يهمّ في عمل الفكر الذي لا ينقاد ولا يغرق في موضوعه، وإنما يتخذ مسافة إزاءه.

أخذ المسافة وعدم الانصياع يحوّل المألوف إلى غرابة، ويقحم شيئا من الفراغ فيما يبدو ممتلئا. هذا هو معنى إنتاج السؤال. فالسؤال يفصح عن فراغ وعوز. إنه إعادة إنتاج لما يقال، وتحويل له ووضعه في أزمة. السؤال لا وجود له “طريح الساحة”. إنه ليس، ولا يمكن أن يكون من باب ما سبق أن قيل. وهو دوما لم يُسبق إليه. لكن الأهمّ من ذلك أنه ليس مقصورا على طرف بعينه من أطراف الحوار. في حوار فلسفي لا يكون هناك جانب مختص في طرح الأسئلة وجانب موكول إليه الرد عليها… إن أطراف الحوار جميعها معنية بالسؤال. وليس هناك طرف متسائل وأطراف مجيبة، ضفة أسئلة وضفة أجوبة.

بل لعل الحوار الفلسفي نفسه ليس ردا على سؤال بمقدار ما هو استمرار في السؤال. الحوار الفلسفي هو توليد أسئلة وتوالدها. لا ينبغي أن ننسى أن سقراط ابن مولدة. الحوار تأزيم لا ينقطع.  والتقدم في الحوار الفلسفي ليس هو السباحة في بحر اليقينيات وغزو الحقائق، ومراكمة معارف، وإنما هو أساسا استبعاد أخطاء، ورفع التباس، وخلق مفارقات، وفتح آفاق. ليس في الحوار الفلسفي كلمة أخيرة وقول فصل، إنه درب لا يؤدي إلى غاية، مثل دروب غابة هايدغر التي لا تؤدي إلا إلى الغابة. كما أن هدف الحوار الفلسفي ليس توحيد الرأي وتحقيق الإجماع، وإنما توليد الاختلاف، لا بين المحاور ومن معه، بل بين المحاور وبين نفسه.

 

الفلسفة مقابلة بجملة توقّعات من الواقع. بمعنى أن المجتمع والجمهور دائما ينتظرون شيئا من الفيلسوف. هذه التوقّعات يُفترض أن تصنع التزامات (ولو أدبية) لدى الفيلسوف. هل وظيفته تستدعي التحرر من هذه الالتزام لكيلا يقع في الأيديولوجية؟

لدى الفيلسوف التزام، إزاء الآخرين، ولكن أساسا إزاء نفسه. إنه ما يفتأ يتهم اعتقاداته، ما يفتأ يولد الأسئلة. إنه يعيش بصحبة الشك. شعاره هو قول الغزالي: “ولو لم يكن في مجاري هذه الكلمات إلا ما يشكك في اعتقادك الموروث، لتنتدب للطلب، فناهيك به نفعا، إذ الشكوك هي الموصلة إلى الحق. فمن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر، بقي في العمى والضلال”.

ليس الشك بالضرورة انهزاما معرفيا، ولا هو عطالة عن الفعل، ولا تحررا من كل التزام. ليس الشك اعترافا بجهل لا سبيل إلى مقاومته. ذلك أن الشك ليس جهلا. فأن تشك هو نوع من الحصول على معرفة، أو هو، على الأقل، بداية كل معرفة. لذا، فعوض التصنيفات التقليدية بين من «يمتلكون» الحقيقة ومن لا يمتلكونها، يبدو أن الفصل الذي أصبح يفرض نفسه اليوم ليس هو التقابل بين الشك والاعتقاد، أو التقابل بين الفلسفة والأيديولوجيا، وإنما التمييز بين تفكير يميل نحو تبسيط الأمور وردّها إلى عامل وحيد بعينه والنظر إليها من جانب واحد، وبين مسلك يجرؤ على التفكير المركّب Penser dans la complexité.

لنقل إذاً إننا اليوم أمام مسلكين: من جهة هناك المتطرفون يسارا أو يمينا، ومن جهة أخرى من لا ينفكون يسعون إلى الابتعاد عن كل أشكال التطرف، شريطة ألا نحدّد التطرّف هنا على أنه اعتناق لحقائق بعينها، وإنما من حيث هو طريقة في التفكير تنجرّ إلى أحادية النظر، وتهاب التفكير المعقّد. أنا لا أحدّد التطرّف هنا بمضمون الاعتقاد ومحتواه، بقدر ما أحدّده بشكله وأسلوبه. يتبين إذاً أن الثنائية التي تتبقى لنا هي تلك التي تجعل أطراف المجتمع ينقسمون لا إلى من يضعون أنفسهم جهة الحقيقة ويموقعون الآخرين جهة الخطأ، بل إلى من يتشككون دوما في اقترابهم من الحقيقة، وأولئك الذين يلازمهم الشعور الدائم أنهم “في الحقيقة منغمسون فيها Dans le vrai”.

 

هل تجد مفيدا أن يشتغل المفكر والفيلسوف باليومي في السياق العربي؟ اليومي هنا سيكون الكتابة عن السينما والرياضة والأيقونات في الكمبيوتر والملابس والطعام والعادات اليومية عموما. إلى أي مدى تظن أن ذلك يعمّق أو يجدد رؤى وفلسفات كل مفكّر أو فيلسوف؟ على اعتبار أننا لم ننته بعد من حسم المسائل الكبرى، فهل هذا الاهتمام بالمسائل الصغرى والهامشية ستحدث فرقا في الوعي الجمعي بالأشياء والعالم؟

يثيرني في هذا السؤال تمييزه بين “المسائل الكبرى”، وما يدعوه “المسائل الصغرى والهامشية”. فهو ينطلق من مفهوم أنعته بالميتافيزيقي عن الهامش. بمقتضاه يغدو الهامش مقابلا لمركز أساس. أعتقد أن الهامش ليس موقعا جغرافيا أو هندسيا. الهامش والمركز لا يتحددان تحديدا مكانيا. فالهامش ليس هو ما يوجد “تحت”، ولا هو ما يمكث في “الاطراف”. ليست علاقة الهامش بالمركز علاقة داخل بخارج. الهامش لا يوجد في منأى عن المركز مستقلا عنه، بل هو دائما مشدود إليه إلى حدّ أننا يمكن أن نقول إنه المركز ذاته في تصدّعه وابتعاده عن نفسه. الهامش هو ما يشكل فضيحة المركز، وما يكشف عن خلل ما يدّعيه من مركزية. الهامش هو الحركة التي تشهد أن كل داخل ينطوي على خارجه، وأن المنظومة تنطوي على ما يفضحها. إنه القوى المتنافرة والتوترات التي تصدّع المركز وتزحزحه عن ثباته.

الاهتمام بـ”ومضات الحياة اليومية” والحالة هذه، هو تصيد مظاهر تخفي الواقع وتقنّعه. فعندما تنصبّ الفلسفة على اليوميّ، وعندما تهتم بالصحافة واللباس والرياضة والمأكل والمشرب والإشاعة والإشهار والكليب و..، عندما تتحول إلى “سيميولوجيا للحياة اليومية”، فذلك سعيا وراء الفصل بين “الطبيعة والتاريخ” كما كتب بارث، والبحث عن الجديد في المستجدات، وعن الغريب في الألفة، وعن التاريخيّ في الأسطورة، انفصالا عن الدوكسا وبادئ الرأي.

 

أريد أن أسألك هنا عن رؤيتك وتقييمك للتداخل بين الفلسفة والفن عربيا. ألا تظن أنه يغيب عربيا ما يمكن تسميته الفيلسوف الفنّان؟ أنا أعرف أنك كتبت كثيرا في مسائل تتصل بالفنّ، ولكن مرّة أخرى؛ بمنطق المتفلسف لا بريشة الفنان. وربما لست أنت وحدك، فأغلب المشاريع التنويرية العربية لم تلاحظ ما يمكن أن يفعله الفن والأدب في الدخول في مشروع التنوير. هل تعتقد أن لدينا مشكلة فعلا في علاقتنا مع الفن بحيث لا تكاد تجد ما يمكن تسميته مدرسة فنية واحدة على الأقل طوال قرنين من النهضة العربية؟

أمر أساس تنبغي الإشارة إليه فيما يتعلق بدور الفنون في الحركة التنويرية العربية. وهو أن من الفنانين من استبق الفكر النظري في خلخلة بعض المعتقدات الراسخة، وهذا ما نلاحظه، في بعض الميادين كالتشكيل والمسرح، بهذا المعنى فإن الوعي النظري بالتجديد لا يأتي هنا إلا متأخرا.

فيما يتعلق بالأدب والفلسفة، لعل من المناسب أن نتذكر هنا ملاحظة كان الأستاذ عبد الله العروي أبداها فيما يخص الأدب المصري الحديث وقد عبر عنها في المقدمة الجديدة التي كان قد وضعها للترجمة التي قام بها هو نفسه لكتابه “الإيديولوجيا العربية المعاصرة” يقول فيها: “إن ثلثي، بل قل ثلاثة أرباع، النقد الأيدلوجي يظهر عندنا في شكل نقد أدبي، أي يتخذ الرواية والقصة والمسرحية كوسيلة لترويج الأفكار السياسية والاجتماعية… لا ننسى أن كلا من محمد عبده وسلامة موسى وطه حسين روجوا لأفكارهم التجديدية بواسطة دراستهم الأدب العربي، قديمة وحديثه”.

 

 

هل سيكون عيبا ألا يعود الباحث الأصيل إلى النصوص الأم للمصادر المترجمة التي يستعملها في أبحاثه؟ يعني نجد ذلك كثيرا عند الكتّاب والباحثين الذي يحتكون بالمصادر الغربية في ترجماتها العربية، ولا يعودون للأصل. هل هذه العودة ضرورية؟ ألم يُساء فهم هايدغر بسبب الترجمة؟ والمعروف عن عبد السلام بنعبد العالي أنه يرفض وصف الترجمة بالخيانة، فكل ترجمة لديك هي إضافة وإثراء للنص. ولكن عندما أريد أن أقرأ كتابا لدولوز مثلا؛ لا أريد أن أقرأ فكر المترجم. أريد أن أقرأ فعلا لدولوز. ماذا يقول د. عبد السلام عن ذلك؟

إضافة إلى هذه البينية التي أشرت إليها في الجواب السابق هناك بينية أخرى، وهي أن الفلسفة لا يمكن أن تدرس اليوم إلا بأكثر من لغة. وهذا أمر لا يخصنا نحن قراء العربية. كل نص فلسفي يكتب ويقرأ بأكثر من لغة. خذ مثلا نصا لدريدا، تجده يقتبس في الصفحة ذاتها نصا لنيتشه وآخر لأوستين، فلا يكتفي بالاعتماد على ما يتوفر من ترجمات، وإنما يعود لينقحها مشيرا إلى ذلك في الهامش بقوله: “التنقيح من عندنا”. فكأن قراءة النص الفلسفي هي دوما إعادة لترجمته. فلا عجب أن يقترن كل ما سمي قراءات جديدة بإعادات ترجمة. نلمس ذلك فيما يخص علاقة الفكر الفرنسي بالأمهات الألمانية. عظام الفلاسفة اليوم هم مترجمون كبار. هذا ما كان هايدغر أشار إليه في أول ترجمة فرنسية لكتبه عندما تنبأ بأن فكره سينفتح على نور جديد، مشيرا إلى دور الترجمة، ليس في نقل الفكر وحده، وإنما في تخصيبه.

 

الملاحظ عند أغلب الفلاسفة والمفكرين العرب اليوم، هو أنك تجد غالبا شقين في فلسفتهم؛ شق يتجادل مع الفلسفة الغربية، وشق يتجادل مع الفكر العربي والاسلامي. كما لو أن الأصل في التفلسف اليوم هو الفلسفة الحديثة والتي كلها تقريبا غربية، ولكن حتى لا يتهم الفيلسوف بالتحيّز مثلا، أو بالانسلاخ من حضارته؛ فإنه يطل على قضايا الفكر العربي، فإذا كان القدماء كان جلّ همهم التوفيق بين الحكمة والشريعة، فإن المحدثين جلّ همّهم التوفيق بين الفلسفة العربية والفلسفة الأوروبية. ألا تظنّ أنه لو صح ذلك؛ فإنه يمثّل عائقا أمام الابداع الفلسفي؟ أم أنه على العكس؛ يثري ويخصّب ما ورثناه من الفلسفة العربية؟ كيف يقرأ د. بنعبد العالي هذه المفارقة؟

سأكتفي ردا على سؤالك هذا بما سبق أن كتبته عن عبد الفتاح كيليطو، ولكن في مجال الأدب هذه المرة، “ليست المسألة إذاً، بالنسبة لكيليطو هي أن يكتب عن الأوروبيّين أو عن الأدب العربي، وإنّما “أن يواجه، كما يقول، رهاناً صعبا: ألاّ يكتُبَ كالأوروبيّين، وأن يَختلف، في الآن نفسه، عن المؤلّفين العرب”. المسألة إذاً هي أن يكتب عن أولئك وأن يكتب عن هؤلاء، لكن شريطة ألاّ يكتب لا كأولئك ولا كهؤلاء”.

 

بما أنك ذكرت كليطو فلعلّك تشير إلى كتابه “لن تتكلم لغتي”، أو ربما كتابه الآخر “أتكلم كل اللغات بالعربية”. يحضرني هنا مثاله عن المنفلوطي. الاتصال بين الثقافات هنا هو الذي يشتغل شئنا أم أبينا. جوليا كريستيفيا تقول: “كان يتكلم الروسية بخمس عشرة لغة”. كما لو أن هذه الثنائية بين داخل/خارج هي ثنائية زائفة، ولكنها تشتغل في الواقع. كيف نعالجها على مستوى المجتمع والمتلقّي؟ كيف يقول عبد السلام بنعبد العالي لطلابه أن الفلسفة واحدة وليست اثنتين أو ثلاثة؟

أنا لا أتبنى عبارة هيجل في هذا المجال، ولا أقول لطلابي إن الفلسفة واحدة. ربما ولى الزمن الذي كانت فيها المساعي نحو بناء تاريخ كوني موحِّد وموحَّد للفلسفة. كتُب تاريخ الفلسفة المعاصرة تعرض كل فيلسوف على حدة لتبرزه في فرادته، بل إنها قد تقف عند مفهوم بعينه من المفهومات. فهي تميز بين تاريخ الفلسفة وفلسفة التاريخ، ولا تحشر الفكر في حركة متواصلة يشكل كل فيلسوف حلقة من حلقاتها، وإنما تعرض الفكر في اختلافاته وانفصاله وتعدده.

 

سؤالي التالي لك د. عبد السلام؛ عن تعليم الفلسفة. ربما أنت من المفكرين الذين يرون أن التدريس الفعلي للفلسفة لا يكون بجعلها مادة مستقلة، بل بتشريبها في المواد والفعاليات الأخرى في النظام التعليمي. ومن خلال متابعاتي البسيطة لتجربة دولة مثل المغرب في تدريس الفلسفة؛ لا تبدو أن التجربة ناجحة تماما. كيف ترى لدولة مثل سلطنة عمان لا يتم تدريس الفلسفة فيها؛ كيف يمكننا أن نقدمها أو نضمنها داخل النظام التعليمي سواء في الأساسي أو الجامعي؟

ما كنت أقصده من ذلك أن انفتاحنا على الحداثة الفكرية لا ينبغي أن يتم في مجال، دون آخر. لا يمكنني، على سبيل المثال، أن أدعو إلى تبني الثورة المنهجية التي عرفتها الدراسات التاريخية منذ مدرسة الحوليات، وما تمخض عنها في تاريخ الأفكار، وأعتمد في دراساتي الأدبية على مناهج أكل عليها الدهر. هذا فضلا على أن قضايا تبدو فلسفية محض دفعت إلى إعادة النظر في مفهومات في تاريخ الأدب كمفهوم النص والقارئ والمؤلف والعتبة والاقتباس، بل ومفهوم تاريخ الأدب ذاته. فلا ينبغي للتحديث أن يمس ميدانا دون آخر، ونحن ملزمون، لا أقول، بجعل الفلسفة مادة ذائبة في الدراسات الأخرى، وإنما بفتح تلك الدراسات على الحداثة الفلسفية.