الصباح – افتتاحية العدد

كان الشهر المنصرم من الشهور التي ستشكل علامة فارقة في الذهنية العمانية اتجاه جارتها الشقيقة الإمارات العربية المتحدة. ولا نظن أن ما حصل يمكن أن يمر دون أن تكون له تبعات يدفع ثمنها من لا ناقة لهم ولا جمل في قضايا العلاقات الدولية. خبر خلية التجسس التي تناقلها الناس شفاها وفي الشبكة العنكبوتية لم يتم تأكيده بشكل رسمي بعد، غير أن هناك إشارات تكاد تؤكد صحة الخبر أهمها خطبة جلالة السلطان قابوس بن سعيد بمناسبة انعقاد الدورة السنوية لمجلس عمان والتي أشار فيها، ربما لأول مرة، رفضه للتدخل في شؤون الآخرين. كانت هناك تساؤلات حول سبب الالتفات لمثل هذه القضية وحينها لم يكن خبر الخلية قد انتشر بعد.

صمت الإعلام الرسمي وغير الرسمي عن هذه القضية يجعل الحديث حولها محفوف ببعض المخاطر وربما العواقب. فالجزم بصحة الخبر والانطلاق برأي على أساسه قد يأخذنا بعيدا عن الصواب، والجزم بكذب الخبر والإعراض عنه لا يتفق مع طبيعة العمل الصحفي الذي نؤمن بأن دوره لا يمكن أن يؤدى بإخلاص إن كانت مادته تنشر وتمنع امتثالا لرغبات بعض المؤسسات التنفيذية التي ترى أن المعلومة حكر لها فلا تتيحه إلا بما تعتقد أنه يخدم الصالح العام. فلنفرض جدلا أن الخبر صحيح، وأن هناك خلية تجسس تم تفكيكها واكتشف أنها كانت تعمل لصالح إمارة أبوظبي أو لأحد من أمرائها. فما هي دلالات مثل هذا الخبر إن صح !

العلاقة بين عمان والإمارات لا يمكن اختزالها في 39 عاما لأنها ليست كذلك، وإن كان العمر السياسي لدولة الإمارات العربية المتحدة لا يتجاوز تلك الأعوام. نحن نتكلم عن دولتين كانتا في الماضي القريب كيان واحد تجمعهما ثقافة واحدة، وحتى بعدما أنشئت الإمارة بقيت العلاقات – الاجتماعية – كما هي لم تتغير، وبقيت العلاقات السياسية، عدا بعض الأحداث العابرة كحادثة البريمي في عام (؟) مستقرة دون خلافات. فما الذي تغير حقا خلال السنوات القليلة الماضية كي تقوم إحدى الجارتين التجسس على الأخرى؟

يُرجع البعض استقرار العلاقة بين عمان والإمارات هي العلاقة القوية التي كانت تربط الشيخ زايد رحمه الله مع السلطان قابوس، حتى كان يقال بأن الشيخ زايد لم يكن ليقطع أمرا إلا بعد استشارة السلطان. وعلى الرغم من أن عمان والإمارات لم يتبادلا السفراء إلا في وقت قريب فقد كان سبب غياب التمثيل هو اقتناع القيادتين بأن العلاقة الإستراتيجية بينهما كانت أكبر، وأن الخط المباشر بين القيادتين كان يغني عن الحاجة لوجود سفارتين قد تضفي البيروقراطية الدبلوماسية على عملهما بطئا لا يتفق مع الطبيعة الحيوية للعلاقة بين البلدين.

قبيل غياب الشيخ زايد بدأت بعض الإرهاصات التي تشير إلى غياب عامل الثقة من الجانب الإماراتي فكان السياج الحديدي على طول الحدود بين عمان والإمارات أحد مظاهره، وتشديد الإجراءات الأمنية على المسافرين بين البلدين مظهر آخر من مظاهر غياب الثقة. وقد كان المحرك الرئيس لمثل هذه التصرفات هو أحد أبناء الشيخ زايد والذي تقول الإشاعة أنه كان وراء الخلية التي تم اكتشافها مؤخرا.

… فهل المشكلة التوتر اليوم وغياب الثقة سببه اعتماد البلدين على تلكم العلاقة فقط دون إيجاد قواعد إستراتيجية تجعل العلاقات نفسها إستراتيجية وطويلة الأمد!؟