غرائبيَّــة التَّخييل تصنع الأساطير

(قراءةٌ تأويليَّـةٌ في ديوان: لا يمكنُكَ الاختباء من الموتى)

عمد الشَّاعر أسامة بدر(*) إلى التَّــكثيف السَّرديِّ، في ثنايا ديوانه “لا يمكنُكَ الاختباء من الموتى”، من خلال إغراقه في مضامينَ معرفـيَّـةٍ، ذات عمقٍ تاريخيٍّ وصبغةٍ فلسفـيَّـةٍ، حتَّى خرجَتْ كثيرٌ من قصائده على هيئة سرديَّـةٍ أسطوريَّـةٍ، وقد يطرح الشَّاعر فكرةً رئيسةً تكون أقرب إلى ساق شجرةٍ، ثمَّ يراوح في الانتقال إليها من قصيدةٍ إلى أخرى لتكون أشبه بأفرع تلك الشَّجرة، فيما يمكن أن نطلق عليه (مراوحة الـتَّـأمُّل).

فبطل قصيدة “أشتري أحلامي جاهزةً” لا يقوى على النَّوم، والنَّوم هو السُّوق الَّذي تروج فيه الأحلام، ممَّا يدفع هذا البطل اليقظان أبدًا إلى شراء الأحلام جاهزةً، حيث تقوم إحدى الجنِّــيَّات ببيعها، يقول الشَّاعر: “كُنْتُ أطارد شبحًا/ ويطاردني شبحٌ آخَرُ/ حتَّى جلسنا نشرب في حانةٍ للبحَّارة/ القراصنة الغرقى القدامى/ حين اقترب أحدهم وصاح بوجهي: أنتَ لصٌّ/ هذا ليس حُلْمَكَ/ هذا الْحُلْمُ لصديقي/ الَّذي دفنْـتُهُ منذ ألف عامٍ/ قبل غرقي الأخير/ نحن البحَّارة ندفن أحلامنا معنا.. يا لصُّ” [ديوان لا يمكنُكَ الاختباء من الموتى: قصيدة “أشتري أحلامي جاهزةً”، ص9- 10].

ومضمون الْحُلْمِ قائمٌ على الصِّراع، المفضي -غالبًا- إلى الهلاك، حيث يصفه الشَّاعر بالغرائبيَّـة، ويختم الأسطورة بحوارٍ بين البطل والقرصان، وينتهي حوارهما بالمفارقة، يقول الشَّاعر: “حين أخبرْتُهُ الحقيقة.. فزع/ أخذني من يدي/ ومشينا حتَّى قبر صديقه/ وجدنا جُـثَّـةً تعيسةً/ بجوارها أحلامٌ كثيرةٌ منهوبةٌ/ كان البحَّار يبكي/ وأنا أنظر مأخوذًا/ بشاهد القبر الخشبيِّ/ واسمي محفورٌ عليه!” [قصيدة “أشتري أحلامي جاهزةً”، ص10].

ولعلَّ هذه القصيدة تجسِّد الصِّراع الأبديَّ، من خلال الثُّـنائيَّات الضِّدِّيَّـة، تلك الَّتي تنطمر تحت الثُّـنائـيَّـة الكبرى (الحياة والموت)؛ فنجد إلماحة الشَّاعر إلى الواقع المعيش والْحُلْمِ المهيض، وتردُّد وصف الْحُلْمِ بين السَّعيد والبئيس، والحوار للرَّغبة في استكناه الحقيقة بينما يتجلَّى عالَم الأشباح، كما تبرز إشارة الشَّاعر (منذ ألف عامٍ) أبديَّـة هذا الصِّراع.

ولأنَّ الصِّراع الحقيقيَّ لا يكون إلَّا في الواقع، فقد أحدث الشَّاعر مفارَقةً بأن جسَّد الْحُلْمَ في الواقع وليس في المنام، فيقول: “حين كُـنْـتُ أستعدُّ للنَّوم/ أمسكْتُ حُلْمًا على مخدَّتي/ غالبًا سبقني للنُّعاس/ جلسْتُ إلى الصَّباح أتساءل: ماذا أفعل به؟!/ والله يا أصدقاء/ كان كابوسًا فعلًا” [قصيدة “يحدث قبل النَّوم أحيانًا”، ص129].

كذلك في قصيدته “صِرْتُ نقشًا على كعك أمِّي” يقول الشَّاعر: “نحَّاتةٌ عجوزٌ/ كلُّ أولادها مسافرون/ حين تشتاقهم/ تنقش وجوههم على الكعك.. وتضحك/ ترشُّهم بالسُّكَّر/ وتهديهم للغرباء في صباح العيد” [قصيدة “صِرْتُ نقشًا على كعك أمِّي”، ص11]، ففي دروب الحياة العصيبة ومساربها المتعدِّدة، قد يُغرَّب الإنسان عن مفردات بيئته، وقد يغترب عن أهل مودَّته، فتصير ذكراه في مخيِّلتهم كالنَّـقش على العجين، حيث دقَّة الأثر وعطر الذِّكر، ممَّا حدا بالشَّاعر أن يجعل الأمَّ العجوز حين يبرِّح بها الشَّوق إلى أولادها المسافرين، أن تنقش ملامحهم على عجينها.

ويدور معجم القصيدة حول الغربة المكانيَّة والاغتراب النَّـفسيِّ، كألفاظ (السَّفر- الهجرة- الغربة)، في حنايا جملٍ دالَّةٍ، مثل: (كلُّ أولادها مسافرون- أكلَـتْـنِي طيورٌ مهاجرةٌ- تهديهم للغرباء- تقول للغرباء: سيعود)، ولا نستطيع أن نغفل الظِّلال الاجتماعيَّة لمعاني الألفاظ، فلفظة (النَّـقش) مرتبطةٌ بالتَّعلُّم، حيث قوَّة الأثر، لاسيَّما إن كان في زمنٍ باكرٍ، كما يقرِّر المثل: “التَّعليم في الصِّغَرِ كالنَّـقش على الْحَجَرِ”، فربط الشَّاعر بين ملامح الابن المحفورة في ذاكرة الأمِّ، واستعادَتِهَا نقشًا على عجينها.

ويرى الشَّاعر ملامحه نقشًا قاسيًا، حيث يقول: “عند الفجر/ كُنْتُ أختمر مع العجين/ أعلو وأهبط بضربات يدها الخبيرة/ ثمَّ أرى وجهي منقوشًا على كعك أمِّي/ مع الوقت/ صارَتْ ملامحي قاسيةً/ وصار فرنها الطِّينيُّ يَلْـفِـظُنِي/ رَمَتْـنِي للشَّمس/ فأكلَـتْـنِي طيورٌ مهاجرةٌ/ كانت تمرُّ بالصُّدفة” [قصيدة “صِرْتُ نقشًا على كعك أمِّي”، ص11- 12]، ولأنَّ أبناءها هم الأحبُّ إلى قلبها، فإنَّ الأمَّ ترشُّ ملامحهم على العجين بالسُّـكَّر، قبل أن تهديه، ولأنَّ الغربة فيها من القساوة ما فيها، فإنَّ ملامحهم قَسَتْ لمَّا أُدْخِلَ العجينُ الفرنَ لتنضجه النَّار، وهي تلك النَّار المشتعلة في قلب الأمِّ حُرْقَـةً على غربة أبنائها.

وأيقونة (الكعك) ترتبط بالمناسبات الإنسانـيَّـة عامَّةً؛ كالأعراس والمآتم والأعياد، بل إنَّ فكرة (الخبز) في حدِّ ذاتها تدلُّ على الحياة؛ لذا يُسمَّى في بعض البيئات بـ(العيش)، وشاعَتْ في الدِّيوان ألفاظٌ مثل: (أخبز- خبَّازٌ- فطائر- كعك)، وما نقشَتِ الأمُّ وجوه أبنائها على الكعك إلَّا لشدَّة محبَّـتها لهم، فالنَّـقش يوحي بالخلود، وما رَشَّتْ وجوههم بالسُّكَّر إلَّا لاشتداد هذه المحبَّـة فنقلَتْ صورهم إلى النَّاس محلَّاةً، وذلك لا يمنع أن نلمس دلالة التَّضاد؛ في الهيئة بقساوة الكعك بفعل النَّار بعدما كان عجينًا هيِّنًا، والصِّفة بجمعه بين قساوة مادَّته وحلاوة مذاقه، والمناسبة بتقديمه في يوم العيد ولكن صدقةً على أرواح الموتى!

ورغم أنَّ الأب رحل دون أن يخلِّف وراءه وصيَّةً، في قصيدة “يموت بلا وصيَّـةٍ”، فإنَّ الشَّاعر استهلَّ قصيدته بوصيَّـةٍ (سأطيعُكَ يا أبي)، ووضَّح تجلِّيات الطَّاعة، قائلًا: “سأمشي خلف مسبحتِكَ/ أصلِّي في المسجد القريب/ خلف الشَّيخ العجوز الأعمى” [قصيدة “يموت بلا وصيَّةٍ”، ص13]، كبراعة استهلالٍ لمحاولة كسر النَّسق المعرفيِّ، فبدلًا من أنَّ الأب الرَّاحل هو الَّذي يقدِّم الوصيَّة، فإنَّ الابن الحيَّ هو الَّذي قدَّمها.

ورأى الشَّاعر في الأب مصدر المعرفة، ممَّا يُوجِبُ على الابن طاعته، حيث كرَّر لفظة (أب) مسندةً إلى ضمير المتكلِّم (الياء)؛ لإفادة التَّخصيص، في أربعة مواضعَ متفرِّقةٍ من القصيدة، فيقول في موضعيْنِ خبريَّـيْنِ: (سأطيعُكَ يا أبي)، و(تبعْتُكَ إلى القبر يا أبي)، ويقول في موضعيْنِ إنشائـيَّـيْنِ (استفهامٍ مجازيٍّ/ استنكاريٍّ): (أنا مقدَّسٌ يا أبي؟!)، و(ماذا أفعل يا أبي؟!)، ونجد تقاليب فعل الطَّاعة في أربعة مواضعَ متفرِّقةٍ من القصيدة كمكافئٍ، فيقول: (سأطيعُكَ يا أبي)، و(سأطيعُكَ في هذا أيضًا)، و(غير أنِّي أطعْـتُـكَ)، و(أنا الولد الطَّـيِّب أطيعُكَ دائمًا).

ولأنَّ الأب الرَّاحل كان المصدر الوثيق للمعرفة، فقد كرَّر الابن له جملة (أنتَ تعلم) مرَّتيْنِ، ولمَّا أُغلق على الأب باب القبر، فقد أُغلق على الابن باب المعرفة، فبينما يبدأ الأب الرَّاحل حياته البرزخيَّة، يقبع ابنه أمام قبره مغلولةٌ يده عن الفعل، لرحيل الآمر النَّاهي بوصفه مصدره للمعرفة، يقول الشَّاعر: “وحين أغلقوا عليكَ الباب/ جلسْتُ أمام القبر أنتظر/ أنتَ لم تقل لي: ماذا أفعل؟!/ أنا الولد الطَّــيِّب أطيعُكَ دائمًا/ سأنتظر.. فقط قل لي: ماذا أفعل يا أبي؟!” [قصيدة “يموت بلا وصيَّـةٍ”، ص15].

والشَّاعر يُـنْـزِلُ تعاليم والده له منزلة الهدايا، كما في قصيدته “أهداني أبي نهرًا كصديقٍ”؛ فعن هديَّـة (النَّهر) يقول: “حين كُـنْـتُ طفلًا/ كُـنْـتُ أقتني نهرًا في حجرتي/ في الحقيقة كان هديَّـةً من أبي… حين أهداني أبي النَّهر/ أوصاني به/ قال: هذا صديقٌ جيِّـدٌ/ لم يكن نهرًا عظيمًا على أيَّـة حالٍ/ فلا جِـنِّــيَّـاتٍ ولا أسماكَ ملوَّنةً/ ولا غرقى طيِّبين/ فقط ماءٌ وطميٌ/ احتفظْتُ به قريبًا في غرفتي/ يوم مات أبي اختفى/ وحين بحثْتُ عنه/ كان عند القبر”، وعن هديَّـة (الحوت) يقول: “مَـرَّةً أهداني حوتًا/ كُـنْـتُ ألهو به سعيدًا/ حتَّى عرفْتُ أنَّ نبيًّا يسكن في بطنه/ فأعدْتُهُ للسَّماء على غيمةٍ/ كانت تمرُّ فوق السَّطح/ واكتفيْتُ بتحيَّـةٍ من ذيله”، وهي هدايا لا تخلو من الإدهاش، حيث يقرِّر: “لم يكن عيد ميلادٍ ولا شيئًا/ هو لا يحبُّ أعياد الميلاد ولا يهتمُّ/ لكنَّه يفاجئنا بهدايا عجيبةٍ” [قصيدة “أهداني أبي نهرًا كصديقٍ”، ص106- 108]، ولا تخلو من الرَّمزيَّـة؛ فالنَّهر يرمز إلى المعرفة، والحوت يرمز إلى السِّـرِّ، والمتأمِّل في بنية القصيدة، يجد أنَّ الشَّاعر ضَمَّنَ الحوت وهو المشهد الفرعيُّ في طيَّات النَّهر وهو المشهد الرَّئيس، فكما أنَّ حياة الحوت في المياه، فإنَّ كشف السِّـرَّ في المعرفة، فالمياه ضَمَّتْ حوتًا، والحوت ابتلع نبيًّا، وحول نبيِّ الله يونس –عليه السَّلام- تُروى القصص وتُـنسج الأساطير.

ويجد الشَّاعر في الْحُلْمِ إيناسًا لِمَنْ فقدناهم لاسيَّما الأحبَّة كوالده، وجعل لقاء الأحياء بالأموات في ثنايا الْحُلْمِ موضعًا للـتَّــأسِّي، حيث لا تعوِّضه مشاهدُ أخرى اقترحها في القصيدة، فيقول: “في زيارتي لأبي اليوم/ انتبهْتُ أنَّ المقابر حوله فارغةٌ/ خِفْتُ عليه من الوحدة/ أعرف حبَّه للصُّحبة والمسامرة/ كيف سيقضي اللَّيل وحيدًا في هذا الصَّيف؟!/ فَـكَّرْتُ لو أتصل بجنودٍ قريبين/ ونقيم حربًا هنا… لو استأجرْتُ قطيعًا من الذِّئاب/ أُطْـلِـقُـهُـمْ على القرية المجاورة… لم يكن ممكنًا بناء مقبرةٍ بجوار البحر… شعرْتُ بالأسى لبرهةٍ/ ثمَّ عُـدْتُ إلى القبر هامسًا: لا تغضب/ ماذا لو زُرْتَـنِـي في المنام كلَّ ليلةٍ/ وأطلْتَ البقاء قليلًا/ حتَّى لو في هذا الصَّيف فقط؟/ أنا ابنكَ على كلِّ حالٍ!” [قصيدة “جيرانٌ يصلحون لهذا الصَّيف”، ص135- 137].

ويرى الشَّاعر أنَّ عالَم الأموات النَّاهض على الغرائبيَّة، يُعَدُّ مصدر معرفةٍ آخَرَ للبشر، ولعلَّ الأحلام هي القنطرة الَّتي عبرها تنسرب معارفهم إلى الأحياء، ففي قصيدةٍ سمَّاها “الموتى” يقول: “يا أخي/ غريبٌ أمر هؤلاء الموتى/ إنَّهم مدهشون… إنَّهم يعودون في أحلامنا/ بملابسهم البيضاء تلك/ يقولون أشياءَ مدهشةً/ ونبوءاتٍ غريبةً” [قصيدة “الموتى”، ص16].

وإن كان من الدِّيانة ألَّا يُـقْسِمَ الإنسان إلَّا بالله، فإنَّنا من النَّاحية الاجتماعيَّة عادةً ما نُـقْسِمُ بالأموات، كمن يُـقْسِمُ برحمة أبيه، أي: بوفاته، فكسر الشَّاعر ذلك النَّسق المعرفيَّ، بأن جعل الأب قبل أن يرحل يُـقْسِمُ بحياة ابنه، في إشارةٍ إلى تقديس الحياة ذاتها، عن طريق القسم بالأحياء، حيث يقول: “وحين أجلس بجواركَ في جلسات الكبار/ وتضع يدكَ على رأسي/ وَتُــقْسِمُ: وحياة ابني هذا/ يصمت الكبار بعدها/ كُنْتُ أشعر أنِّي مقدَّسٌ/ أنا مقدَّسٌ يا أبي؟!/ أنتَ تعلم” [قصيدة “يموت بلا وصيَّـةٍ”، ص14].

ويشبِّه الشَّاعرُ الْحُلْمَ بالخبز، قائلًا: “أنا يا مولاي كما خلقْـتَـنِـي/ خبَّازٌ.. أخبز الأحلام/ أمرِّرها للمنازل في المساء/ ولا أستبقي حُلْمًا آخذه لسريري/ كيف أنام بلا حُلْمٍ؟!/ مَنْ سيطعم الجنِّــيَّات اللَّاتي أربيهنَّ؟!/ والوحوش الَّذين أرسلَتْهُمْ لي أطلقْتُ سراحهم/ إنَّهم يلبسون ملابسَ مضحكةً/ لقد بنوا سِيرْكًا فعلًا/ على أطراف المدينة/ أصبحوا مشهورين/ النَّاس تضحك/ حين يدحرجون عيونهم… عندما يفكِّكون عظامهم/ أو يشدُّ الواحد منهم لسان الآخَرِ/ فيدور مثل بَـكَـرَةٍ كبيرةٍ” [قصيدة “يا مولاي كما خلقْـتَـنِـي”، ص88- 90]، وبما أنَّ الشَّاعر رأى في نفسه صانع الأحلام فقد صار خبَّازًا، وكأنَّ البشر لابدَّ لهم من الْحُلْمِ لاستدامة حياتهم.

والشَّاعر يجعل الْحُلْمَ رأيًا وقرارًا، كما في قصيدته “قابلْتُ قلبي صدفةً”، إذ يقول باذلًا النُّصح: “لا تحلم حُلْمًا واحدًا مرَّتـيْـنِ”؛ ويقرِّر أنَّه سيحلم حُلْمَهُ الأوَّل، قائلًا: “كُـنْـتُ قَرَّرْتُ اللَّيلة/ أن أحلم بعينيْكِ/ أراهما –مثلًا- قمريْنِ/ يسبحان في بحيرةٍ”، ويقرِّر أنَّه سيحلم حُلْمَهُ الثَّاني، قائلًا: “ثمَّ غَيَّرْتُ رأيي/ سأحلم بكِ غزالةً/ وأنا صيَّادٌ جميلٌ/ ستحملين غابةً على ظهركِ/ وتخبِّئين الذُّباب والأفاعي بين شجيراتٍ/ تنبت على ضفَّتيْ نهرٍ/ ينبع من عينيْكِ/ ثمَّ تشربينه بكأسٍ واحدةٍ/ تنظرين إليَّ فجأةً وأنا مُـرْتَـبِـكٌ/ لا أجد سهمًا مناسبًا لاصطيادكِ/ تنفضين الغابة برعشةٍ واحدةٍ/ فأبقى تائهًا بلا فريسةٍ طوال عمري”، ويفكِّر الشَّاعر في العدول عن حُلْمِهِ الثَّاني ليعود أدراجه إلى حُلْمِهِ الأوَّل، قائلًا: “قد لا أستيقظ حتَّى من هذا الْحُلْمِ/ لو تسمحين لي/ أيمكن أن أعود/ وأحلم بعينيْكِ القمريْنِ؟!” [قصيدة “قابلْتُ قلبي صدفةً”، ص110- 111].

والشَّاعر يخلق عالَمًا موازيًا للواقع هو الْحُلْمُ، بل خصَّه بأن جعله مصدرًا لاستشراف المعرفة، في قصيدته “نبوءةٌ”، وفيها يستهلُّ مقاطعها الشِّعريَّـة بجملة (الَّذين خرجوا من الْحُلْمِ)، إذ جعل من الْحُلْمِ مستودَعًا للمعارف بطرفيْهَا الأشخاص والأحداث، ومستودَعًا للأحداث بظرفيْهَا الزَّمانيِّ والمكانيِّ، وإن كان الشَّاعر يستخدم مفردات الواقع، فإنَّه يوظِّفه أسطوريًّا في الْحُلْمِ.

فيتحدَّث عن القمر، قائلًا: “الَّذين خرجوا من الْحُلْمِ/ أقسموا/ إنَّهم رأوا قمرًا/ كالَّذي نعلِّقه في أحلامنا/ بعيدًا قليلًا/ وإنَّهم حاولوا لمسه/ بَـيْـدَ أنَّ أيديهم النَّحيلة/ لم تَــقْــوَ على الضَّوء”، ويتحدَّث عن الفتاة، قائلًا: “الَّذين خرجوا من الْحُلْمِ/ شاهدوا بنتًا/ تمشي على حافَّة نهرٍ/ كتلك الَّتي ترقص في أحلامنا/ شعرها لا يغطِّي النَّهر/ ولا يسافر في اتِّجاه الغروب/ وإنَّهم حين لمسوها/ ذابَتْ.. ولم تضئ” [قصيدة “نبوءةٌ”، ص18- 19].

فالشَّاعر القابع في الْحُلْمِ منتظِرًا النُّبوءة، يقرِّر أنَّ قلوب العاشقين هي وسيلة استمداد معارفهم، قائلًا: “الَّذين خرجوا من الْحُلْمِ/ عُشَّاقٌ قدامى/ بدَّلوا قلوبهم وناموا/ في انتظار حُلْمٍ جديدٍ” [قصيدة “نبوءةٌ”، ص19]، ممَّا جعل هذا المقطع حسن خاتمةٍ للقصيدة بما قرَّره الشَّاعر في ثناياها؛ وليوطِّئ به لقصيدةٍ عنوانها “قلبٌ أليفٌ”، يبذل فيها خطابًا مؤدَّاه التَّوجيه لامرأةٍ تبدو محبوبته، رغم ما أضفاه عليها من التَّجهيل بالاسم والوصف، فيقول: “اصطحبي قلبي كقطٍّ أليفٍ/ إنَّه طَــيِّبٌ ومستأنَسٌ/ برئٌ.. لم تلمسه امرأةٌ قبلكِ/ نظِّفيه فقط من دخان السَّجائر/ وغَبَش الأصدقاء/ قُصِّي أعشاب الغربة الضَّارَّة/ الَّتي تملأ الحوافَّ/ يمكنكِ أن تناديه: (رفيقي)” [قصيدة “قلبٌ أليفٌ”، ص20].

وبعد أن يصير القلب مُعَـدًّا للصُّحبة، يفيض الشَّاعر في الدَّور الَّذي سيؤدِّيه قلبه، عن طريق تشكُّلاته الَّتي أهمُّها أَنْـسَـنَـتُـهُ، قائلًا: “سوف يملأ ظمأ الوقت/ سيكون مِعْـوَلًا لتحطيم جدرانكِ الصَّدِئَةِ/ دعيه بين يديْكِ بُـرْهَةً.. سَيَطْهُـرُ/ ويأخذكِ في نزهةٍ إلى الغابة/ ترسمينه على شجرةٍ/ تراقصين صديقه النَّهر/ سيرتفع كبالونٍ إلى السَّماء/ ويهديكِ غَـيْمَةً/ أو ريحًا تمشِّط شعركِ” [قصيدة “قلبٌ أليفٌ”، ص20- 21]، ولأنَّ القلب لدى الشَّاعر هو وسيلة استمداد المعارف، فإنَّه يرمز به إلى الخلود، إذ يرى فناء جسده وبقاء قلبه، قائلًا: “خذي هذا القلب/ خذيه.. ولو على سبيل الهديَّـة/ فعندما أرحل/ سيبقى وحيدًا على أيَّـة حالٍ” [قصيدة “قلبٌ أليفٌ”، ص21]، وليس شرطًا أن تكون الوحدة نَجَمَتْ عن الزُّهد في صحبته، وإنَّما هي وحدة تَــفَــرُّدٍ؛ لما يمارسه القلب من تأمُّلٍ، تُستجلى على صفحته المعارف.

وأحيانًا يلجأ الشَّاعر إلى مشهدٍ معروفٍ من أسطورةٍ أو حكايةٍ سابقةٍ، لكنَّه يتمكَّن من استلهامه، وتوظيفه في حنايا شعره، كما في قصيدة “اليوم يصلح لقبول الهدايا”، الَّتي يقول في مستهلِّها: “حين غرق البحَّارة كلُّهم/ تمسَّـكَتْ هي بآخِرِ عِرْقٍ خشبيٍّ في السَّفينة/ ركبَـتْـهُ كحصانٍ يشقُّ قلب البحر” [قصيدة “اليوم يصلح لقبول الهدايا”، ص92]، فقد استلهم الشَّاعرُ الرِّسالةَ الموضوعة في زجاجةٍ الملقَى بها في البحر، والرِّسالةَ الموضوعة في خطابٍ يسلِّمه ساعي البريد، لكنَّه جعل القلب هو الرِّسالة في المشهديْنِ.

فالمشهد الأوَّل يمكن أن نسمِّيه (قلبٌ في زجاجةٍ)، يقول الشَّاعر فيه: “حين ارتعش قلبها/ أخرجَـتْـهُ ووضعَـتْـهُ في زجاجة نبيذٍ فارغةٍ/ كانت ترحل وحدها لتنجو من الغرق/ وضعَتِ البنت قلبها في الزُّجاجة/ ورمَتْهَا بعيدًا/ قالَتْ: هاتِ لي فارسًا”، والمشهد الثَّاني يمكن أن نسمِّيه (قلبٌ في رسالةٍ)، يقول الشَّاعر فيه: “على الضَّـفَّة الأخرى/ يجلس جنديٌّ متقاعِدٌ/ فقد قلبه في أثناء الحرب/ حين كان في نَوْبَةِ حراسةٍ/ يفكِّر لو يكتب رسالةً إلى حبيبته/ هاجمه الأعداء فجأةً فخاف على قلبه/ أخرج الجنديُّ قلبه ووضعه في مظروفٍ/ كتب عليه: إلى حبيبتي.. وشكرًا لساعي البريد” [قصيدة “اليوم يصلح لقبول الهدايا”، ص92- 93].

ثمَّ يطول الزَّمن لتأتي لحظةٌ يحين فيها وصول قلب كلِّ منهما إلى الآخَرِ، وهوبيت القصيد ويُعَدُّ المشهد الثَّالث ويمكن أن نسمِّيه (تبادُل القلوب)، يقول الشَّاعر فيه: “علَّقه [يعني: المظروف] في قدم طائرٍ غادر للتَّــوِّ/ يهرب من صداعٍ شديدٍ سَـبَّـبَـتْـهُ القنابل/ سنواتٌ كثيرةٌ مَضَتْ/ قبل أن يصطاد الجنديُّ زجاجة النَّبيذ/ وَيُخْرِجَ قلب الفتاة/ حين كان الطَّائر يَحُطُّ على رأسها/ وتفتح الرِّسالة/ في يومٍ كهذا.. يصلح لقبول الهدايا” [قصيدة “اليوم يصلح لقبول الهدايا”، ص93]، فبدلًا من أن تصل الهدايا من المحبِّين على هيئة رسائل، كتـبَـتْـهَـا كلماتهم الرَّقيقة الَّتي تنمُّ عن قلوبهم الشَّفيفة، فإنَّ الشَّاعر جعل الهدايا هي الرَّسائل التَّي تحوي قلوبهم ذاتها، ولعلَّنا سمَّيناه (تبادُل القلوب) لأنَّ كلَّ حبيبٍ أصبح لديه قلب الآخَرِ، الَّذي لن يفرِّط فيه لأنَّه سيحيا به.

والشَّاعر يمنح القلب حياةً أبديَّةً، فيبحث عن قلبه من خلال نفسه الَّتي لازالَتْ تحيا، وهو يتـفـقَّـد جسده الَّذي صار جُـثَّـةً، ولكن رغم تعرُّضه لفقد قلبه، فإنَّه ينتظر أن ينبت له غيره، إذ لا حياة بدونه، فيقول: “عُـدْتُ متخفِّـيًا إلى مكان الحادث/ كُـنْـتُ أبحث عن القلب/ الَّذي سرقَـتْهُ منِّي/ لمَّا كُـنْـتُ أطاردها/ جَـفَّـتِ الدِّماء كلُّها تقريبًا/ ولا أحد شَافَ قلبًا مثل هذا.. مأساةٌ!/ لا سبيل للعودة لسؤال جثَّـتي عنه/ ولن أهيم هكذا بلا قلبٍ/ الأمر لله!/ سأنتظر حتَّى ينبت لي واحدٌ من جديدٍ!” [قصيدة “أعيش في جريمةٍ مُـلَـفَّـقَـةٍ”، ص142].

وكثيرًا ما يذكر الشَّاعرُ العينَ، بوصفها أداةً لاستجلاء الحقائق، فيضفي عليها حسَّه السَّاخر، يقول: “أنظر إلى هاتيْنِ العينيْنِ البرَّاقـتـيْـنِ/ هناك في الْجُبِّ/ هاتان العينان ليستا عينيْ نبيٍّ/ إنَّهما عينايَ/ تدحرجتا منِّي حين كُنْتُ أبحث عنه” [قصيدة “نبيٌّ تائهٌ”، ص31]، وإن كانت العين تسجِّل الحقائق المشاهَدة، فبإمكان الرَّائي أن يكوِّن صورةً ذهنيَّـةً تخصُّه، بما يتوهَّمه من تشكُّلات مفردات الرُّؤية، ويستجلب إنكار الآخَرين عليه، ولعلَّ ذلك يتَّسق مع قول الشَّاعر: “طفلٌ فوق سطح البيت القديم/ يطارد بعينيْهِ سحابةً بيضاءَ كبيرةً/ تشكَّـلَتْ على هيئة أصدقائه/ فحادثهم الطَّفل الَّذي صرخ فجأةً: رأيْتُهُ رأيْتُهُ/ عاقـبَـتْهُ أمُّه بشدَّةٍ/ دون أن يفهم/ وقالَتْ: مَسَّكَ شيطانٌ!” [قصيدة “حنينٌ”، ص47].

ويجمع الشَّاعر بين العين والقلب في صورةٍ ساخرةٍ وذات ظلالٍ مأساويَّـةٍ، حين وصف الحبيب الخائب بالصَّـيَّاد الخاسر، الَّذي يقول عنه: “لم يَصْطَدْ فريسةً طوال سنوات عمره الخمسين/ لم يطلق سوى سهميْنِ في حياته/ الأوَّل أصاب قدمه/ والثَّاني كان كارثـةً فعلًا/ تراجيديا حقيقـيَّـةٌ/ إذ أُغْرِمَ بالفريسة/ فأطلق السَّهم على عينه/ وهربَتْ بقلبه/ تُجَرْجِرُهُ وراءها على عشب الغابة/ قضى عمرًا يطارد قلبه في واقع الأمر”، ويوضِّح الشَّاعر أنَّ هذا الصَّـيَّاد لا يتعلَّم من أخطائه ولا يفيد من تجاربه، وربَّما هذا ما أفقده كلَّ أسلحة الفروسيَّة؛ ليتقـلَّد من جوارح جسده أسلحةً، في صورةٍ بَدَتْ ساخرةً، حيث يصوِّره قائلًا: “هو لم يكن مستعِدًّا بسلاحٍ مناسبٍ على أيَّـة حالٍ/ رغم هذا شدَّ من جنبه ضِلْعًا يَشْحَذُهُ كسهمٍ/ وخلع إحدى يديْـهِ ليصنع قوسًا/ لم يَعُدْ يرى سوى فريسةٍ أخيرةٍ لِـلْـقَـنْصِ/ لم يَعُدْ يسمع سوى دقَّات قلبه/ الَّتي تشبه طبول حربٍ إغريقـيَّـةٍ/ لم يكن منتبِهًا/ حتَّى إلى الذِّئب القادم من الخلف/ يفاضل بين فريستيْنِ!” [قصيدة “مثل غابةٍ وصيَّادٍ وحيدٍ”، ص85- 87]، ففي النِّهاية لم تصنع منه الأسلحة الَّتي اتَّخذها من جوارحه صيَّادًا نابهًا، ممَّا جعله في مَرْمَى الذِّئب ليرشَّح أن يصير فريسةً.

ويتعامل الشَّاعر مع (اليد) بوصفها كائنًا مستقلًّا عن الإنسان، وجعل راحة اليد مرآة الحوادث، الَّتي يفيض في سرد مرائيها الغرائبيَّة، كما في قصيدته “ألمٌ مُعَادٌ”، قائلًا: “رأيْتُ عليها جدرانًا تتداعى/ وأطفالًا يلهون بلا أحذيةٍ في الحطام/ رأيْتُ أحلامًا حقيقـيَّـةً تموت/ كوردةٍ قطعها مراهِقٌ من حديقةٍ عامَّةٍ/ لحبيبةٍ لا تأتي… رأيْتُ أسماكًا تقفز خلف نهرٍ/ يهرب باتِّجاه العاصفة/ وتهرب طيورٌ بَــرِّيَّـةٌ بأعشاشها/ وأصدقاءَ –سكنوها لسنواتٍ- يسقطون بذكرياتهم”.

وما أضفاه الشَّاعر على اليد من حركـيَّـةٍ، أضفى بدوره على المشهد الشِّعريِّ حيويَّـةً، ففي مستهلِّ قصيدته تلك يصف اليد بـ(اليـقِـظة) و(القلِقة) رغم نوم صاحبها، بل هي الَّتي تعمل على إيقاظه، قائلًا: “في اللَّيل أيقظَـتْـنِـي يدي/ لم تَـنَمْ وظلَّتْ وحدها قلِقةً”، ويختم القصيدة بوصف اليد بـ(المعذَّبة) و(الخائبة)، قائلًا: “كانت يدًا معذَّبةً فعلًا/ أنا لا ألومها/ هذه اليد الخائبة/ يؤلمها الوداع.. هكذا في كلِّ مَرَّةٍ”، ويصفها بـ(المرتعِشة) وهو دورها في القصيدة، قائلًا: “كانت يدي ترتعش/ فتسقط سنواتٌ كثيرةٌ كالمطر” [قصيدة “ألمٌ مُعَادٌ”، ص94- 95]، ولأنَّ الحوادث تمرُّ تَــتْــرَى، فناسب وصف اليد بالارتعاش؛ لتتساقط منها الْخَـبِـيـئَةُ تِـلْـوَ الأخرى.

وإذا ما توقَّـفنا يسيرًا عند قصيدة “أطارد وجهي في المدينة”، فيمكن أن نسمِّيها (أسطورة الوجه)، والَّتي يستهلُّها الشَّاعر بقوله: “خسرْتُ وجهي وأنا أغسله في النَّهر/ ماذا أفعل؟/ هذا النَّهر المجرم يسير بوجهي في المدينة/ يقابل أصدقائي في المقهى/ يحدِّثونه في شؤوني الخاصَّة”، ولعلَّ الشَّاعر استخدم الوجه بوصفه مجازًا مرسَلًا علاقته الجزئـيَّـة، حيث أطلق الجزء (الوجه) وأراد الكلَّ (الإنسان)، كما عبَّر عن الحياة بالنَّهر، إذ تجري الحياة بأقدار البشر كما يجري النَّهر في الحياة، والجريان يكون على الوجهيْنِ؛ بما ينفع ويضرُّ، وبما يسيء ويسرُّ، فقد يجري النَّهر بأرزاق البشر لاستدامة حياتهم، وقد يجري بجثثهم إذا ما لقوا حتفهم.

كذلك عبَّر بالوجه عن الحقيقة والوهم، قائلًا: “المجرم [يعني: وجهه] أيضًا قد يقابل فتاتي صدفةً/ فتدعوه: حبيبي/ بالطَّبع لن أتَّهمها بالخيانة/ ولا أندهش لو قَــبَّـلَـتْـهُ/ سألتمس لها أعذارًا جَمَّـةً”، فيوضِّح الشَّاعر من خلال كلماته الدَّالَّة أنَّ الأقدار تسير دون ترتيبٍ بشريٍّ؛ لذا وصفها بالصُّدفة أو المصادفة، ولأنَّ الوجه الَّذي ستقابله الفتاة ليس وجه حبيبها، فقد وصفه بالمجرم لأنَّه منتحِلٌ، وكما أنَّ الانتحال يظهر الحقائقَ أوهامًا والأوهامَ حقائقَ، فوجب على المتلقِّي أن يلتمس الأعذار، في حين سيسارع البعض إلى التَّخوين. والإيهام بالوجه ليس موقفًا خاصًّا بالشَّاعر، وإنَّما هو وصفٌ عامٌّ يشمل سواد البشر، فيقرِّر: “أصبح الأمر مقلِـقًـا للغاية/ بالأمس وجدْتُ جُـثَّـةً على سريري/ من تلك الَّتي يتركها الغرباء عادةً/ كانت بلا وجهٍ/ رغم هذا رَحَّـبْتُ بها كأنَّها جـثَّـتي!”، ثمَّ يضفي الشَّاعر عليها غرائبيَّـته المعهودة، قائلًا: “حين رميْـتُهَا من الشُّـبَّاك/ نبت لها جناحان.. وطارَتْ”، فتشكَّلَتْ جـثَّـة البشريِّ في صورة الملاك المجنَّح، حيث تخلَّص الشَّاعر من كثافة المادَّة الَّتي تميِّز الجسد البشريَّ، بتزويدها بجناحيْنِ تسمو بهما إلى شفافية الرُّوح.

ولأنَّ دروب الحياة شاسعةٌ، فقد تتوه فيها الوجوه، فيقول الشَّاعر: “مازال النَّهر ضائعًا بوجهي في المدينة/ أخاف لو يصطدم مثلي بالمارَّة/ فيطلقون عليه الرَّصاص/ وأفقد وجهي إلى الأبد”، أو يتوه الإنسان عن ذاته خلال مراحل عمره، لاسيَّما إن طالَتْ، فكأنَّ الإنسان في كلِّ مرحلةٍ هو إنسانٌ آخَرُ، وفي ذلك نوعٌ من تحوُّلات التَّجريد، فتصير صورة الإنسان المتقادِم ذاتًا لإنسانٍ قادمٍ، فيقول الشَّاعر: “فقدْتُهُ مَرَّةً وأنا صغيرٌ/ حين خلعْتُ سِنَّـتِي/ خرج وجهي معها/ رميْـتُـهَا للشَّمس/ فأعادَتْ لي الشَّمس وجهًا محترِقًا/ وظلَّ فمي فارغًا إلى الآن”.

وممَّا يُعَدُّ حسن خاتمةٍ لأسطورة الوجه –كما سمَّيناها- أنَّ النَّهر هو الَّذي توقَّف عن الجريان فجلس كمن ضلَّ طريقه، بينما نجد الإنسان هو الَّذي يطارد النَّهر، في إشارةٍ إلى أنَّ الإنسان لا يتوقَّف عن طلب الحقيقة وإن توقَّفَتِ الحياة، فيقول الشَّاعر: “أطارد النَّهر في أوردة المدينة/ فأجده يجلس كمشرَّدٍ/ يبحث في كَوْمَةٍ مليئةٍ بالوجوه/ حين انتبه لي/ سألني: أنتَ أيضًا فقدْتَ وجهكَ؟!” [قصيدة “أطارد وجهي في المدينة”، ص79- 81]، فتبدَّى من قساوة الحياة على البشر أنَّها تنسى ما فعلَتْ بهم، ممَّا حدا بالشَّاعر أن يحمل النَّهر على سؤال الشَّخص الَّذي فقد وجهه عن مدى فقدانه إيَّاه، وكأنَّ النَّهر لا يدرك ما قد فعل به من قبلُ؛ لذا خرج سؤاله في صورةٍ استنكاريَّـةٍ.

وأحيانًا يلجأ الشَّاعر إلى الحقيقة (كجوارح الإنسان)، ويلبسها مظاهر الدَّهشة، كحديثه عن بنتٍ تطير، حيث دَرَّبَتْ يدها على الطَّيران فاستطاعَـتْـهُ، وكانت تَـعِــدُ الشَّمس بزيارتها واحتساء القهوة معها، فيصوِّر: “حين صافحَتِ [يعني: البنت] الشَّمسَ ذابَتْ/ أمسَتْ مَجَـرَّةً كبيرةً في اتِّساعٍ/ عيناها صارتا كوكبيْنِ/ يجريان بعيدًا في العتمة/ حين زرناها.. كان قلبها كوكبًا صالحًا للحياة/ نبتَتْ فيه جزيرةٌ/ بأشجارها وطيورها الملوَّنة/ تنفَّسنا هواءً جيِّـدًا/ كانت تخـبِّـئه في رئـتها/ لكنَّ يديْهَا ضمرتا جدًّا/ حتَّى إنَّها لم تَـعُــدْ تقوى على الطَّيران” [قصيدة “بدايةٌ أخرى”، ص96- 97]، فخرجَتِ القصيدة صورةً من الخيال الشِّعريِّ، الممزوج بمسحة الغرائبيَّة الَّتي أضفاها الشَّاعر على تشكُّلات الصُّورة.

ويصل الشَّاعر إلى المفارَقة بعد رسمه صورةً شعريَّـةً تجمعه بقطِّه، إذ يقول: “حين لاحظ أنَّ قطَّه/ يشعر بمللٍ شديدٍ/ مدَّ قدميْهِ/ وألقى برأسه إلى الوراء/ وفي حركةٍ واحدةٍ/ أخرج عينيْهِ/ وأعطاهما للقطِّ/ القطُّ.. الَّذي تصرَّف هذه المرَّة بشكلٍ عمليٍّ/ فضَّل أن يأكلهما/ وتركه مندهِشًا/ غير قادرٍ على أن يذرف دمعتـيْـنِ أخيرتـيْـنِ” [قصيدة “مداعبةٌ”، ص44- 45]، وإن كانت جارحة العين، بما تؤدِّي من حاسَّة البصر، ممَّا تُحصَّل به المعارف وتُدرك به الحقائق، فإنَّ الحسَّ السَّاخر حين يعطِّل عملها، يجعلها أداةً للتَّـشكيك فيها.

ولقد أجاد الشَّاعر في توظيف الحقل الدِّلاليِّ للحيوان والطَّير والنَّبات، معتمِدًا على دقَّة الوصف في بلاغة التَّصوير، حيث تلتئم الصُّور مكوِّنةً نسيج الأسطورة؛ كصورة القطِّ فيما يمكن تسميته بـ(أسطورة البحر)، يقول: “حينما أغرق/ فلا سبيل لإخراج الماء من رئتيَّ/ مَهَمَّةٌ شاقَّـةٌ/ سيكون عليكم إحضار قِطٍّ مدرَّبٍ/ ليدخل في رئتيَّ/ ويسحب دخان السَّجائر أوَّلًا/ عمرًا كاملًا من دخانٍ مُـثْــقَـلٍ بالحزن/ حين يُصاب القطُّ بالسَّرطان/ يدخل قِطٌّ بديلٌ يسحب أراجيل المقاهي الرَّخيصة/ حيث الطُّفولة مُنْهَـكَةٌ/ وأحلامٌ لَـقِـيطَةٌ بلا هُوِيَّـةٍ/ قد لا يخرج من صدري أبدًا/ دَعُوهُ.. هنا مقبرةٌ لائقةٌ على أيَّـة حالٍ!” [قصيدة “حين أغرق أصير بحرًا”، ص124- 125]، وصورة الذِّئب فيما يمكن تسميته بـ(أسطورة الغابة)، يقول: “أمام بابي/ ظهر ذئبٌ على هيئة شَحَّاذٍ/ كان يستجدي بصوتٍ واهنٍ/ حين شاخ طرده القطيع/ والفرائس أصبحَتْ لا تناسبه/ كانت هيئته سيِّـئةً بحقٍّ/ السُّوس يملأ مخالبه/ ولا ناب يسند فمه” [قصيدة “لا أصلح صديقًا لأحدٍ”، ص122].

وصورة الصَّقر في أسطورة الغابة كذلك، يقول: “البارحة أيضًا/ وجدْتُ صقرًا يربط قدمه في فَخٍّ/ لم أضعه أبدًا على سطح البيت/ أنا لا أصنع فِخَاخًا أصلًا/ عرفْتُ أنَّه أُصيب في الحرب/ وفضَّل الْأَسْـرَ على أن يحلِّق/ بعكَّازيْنِ وأطرافٍ صناعيَّـةٍ” [قصيدة “لا أصلح صديقًا لأحدٍ”، ص122- 123]، وصورة النَّبات فيما يمكن تسميته بـ(أسطورة الموسيقى)، يقول: “تُصَدِّقُ أنَّني كُـنْـتُ أزرع الموسيقى في الحقل؟!/ من خلف ظهر أبي/ والله! كُـنْـتُ أغافله ونحن ندفن البذور/ وأضع نغمًا أو اثنيْنِ/ للنَّاي الَّذي صنعْـتُهُ من الغاب… وقبل الحصاد قبل أن يُفتضح أمري/ أذهب باللَّيل وحدي/ أجمع النَّغمات الَّتي تنمو… كان النَّغم حزينًا رغم ذلك/ كُـنْـتُ أخاف أبي جدًّا/ فأقطفها براعمَ صغيرةً/ سرعان ما تذبل قبل شروق الشَّمس/ كُـنْـتُ أشعر أنَّني قاتلٌ!” [قصيدة “أقتل الموسيقى بالخطإ”، ص143- 145].

وهناك ملمحٌ بَادٍ على تجربة الشَّاعر، هو الغربة بأبعادها المكانـيَّة والاغتراب بأبعاده النَّفسيَّة والاجتماعيَّة، كما في قصيدة “أربِّي ريحًا في الغربة”، إذ أنزل الشَّاعرُ الرِّيحَ منزلة الإنسيِّ، واستضافها على مأدبته، فيقول: “اللَّيلة استضفْتُ ريحًا طـيِّبةً على العَشَاء/ في الحقيقة كانت بضع نسماتٍ/ هاربةً من عاصفةٍ لاذَتْ بنافذتي”، وقد حدَّد الشَّاعر هدفًا من جرَّاء هذه الاستضافة، وهو أن يجعل الرِّيح مِرْسَالَهُ إلى بلدته، حيث يعاني من قسوة الغربة منذ مغادرتها، فيقول: “قُـلْتُ: أربِّيها لوقتها/ حين اشتدَّتْ قليلًا/ صِرْتُ أبعثها بعيدًا/ هناك لقريتنا الصَّغيرة… كانت الرِّيح تزورهم جميعًا/ وتعود لي بأخبارهم”.

وأخذ الشَّاعر يسرد المشاهد الَّتي التقطَـتْـهَـا الرِّيح من بلدته ونقـلَـتْـهَـا إليه، وأهمُّها عن الفلاحين والموتى والصَّـيَّادين وأمِّه، فيقول: “لمَّا الفلاحون يزرعون أيديهم مع شتلات القمح/ فتنبت السُّنبلة يحرسها مَلَاكَانِ/ وحيث الموتى ينامون في جدران البيوت/ ويدسُّون أنوفهم في شؤوننا الخاصَّة… أحيانًا كانت [يعني: الرِّيح] تمرُّ على البحر/ فتعلق بها مواويل الصَّـيَّادين/ وأنين الأسماك في شباكهم/ وأحيانًا كانت تأتي متأخِّرةً بعد العِشَاء/ فتسقط منها دعوتان من دعاء أمِّي في الصَّلاة”، ويستمرُّ الشَّاعر في أَنْسَنَةِ الرِّيح، فيجعل منها صديقًا يعشق القرية، حتَّى يتماهى الصَّديقان مع البيئة الأمِّ بسبب الغربة، فيقول: “أحبَّتِ الرِّيح قريتنا كثيرًا/ فكانت تروح وحدها وتجيئ/ اللَّيلة في هذه العاصفة/ قُـلْتُ لها: لا تخرجي نامي هنا/ أَوَتِ الرِّيح إلى يدي حزينةً/ أعرف شعورها جيِّـدًا/ كانت الرِّيح مثلي/ تشعر بغربةٍ شديدةٍ!” [قصيدة “أربِّي ريحًا في الغربة”، ص98- 100].

ويكشف استقاء الشَّاعر تجربته من حكايات جدَّته عن النُّوستالجيا (أو الحنين إلى الماضي)، فيقول: “نحن أبناء القرى البعيدة/ ماذا نكون دون حكايات الجدَّات/ ونار السَّمَرِ/ والنَّوم أمام البيوت في الصَّيف؟!/ نحن غالبًا غَزْلُ جدَّاتنا/ وجدَّتي تدير مغزلها في الهواء/ فتدور السَّماء دورةً كاملةً… كبرْتُ وأشعر أنَّ غزلي اكتمل/ تموت فجأةً فأتذكَّر/ أمشي خلف نَعْشِهَا/ وأصرخ: ظلِّي يا جدَّتي/ نَسِيتِ الظِّـلَّ!” [قصيدة “أشياءُ قد تسقط من الذَّاكرة أيضًا”، ص130- 131].

والشَّاعر يرى ذاته كمن يرى شخصًا آخَرَ، فيحكي: “كمن استيقظ فجأةً/ كأنَّ يدًا تخنقه/ فَزِعْتُ فرأيْتُ نفسي حيًّا”، ثمَّ ينظر إلى كلِّ شِلْوٍ من أشلائه بوصفه كيانًا مستقلًّا، فيفصِّل: “الهواء مالحٌ.. ومعبَّـأٌ في رئتيَّ بلا ضرورةٍ/ ودمي بحيرةٌ.. تسبح في نهرٍ/ يجلس على شاطئٍ/ يجفِّف نفسه من الغرقى/ رأيْتُ يدي تمشي وحدها/ تصافحهم كأنَّهم أصدقاءٌ/ وقلبي صار قاطع طريقٍ/ يختطف الجنِّـيَّات مقابل فديةٍ/ أو يقتلهنَّ بأجرٍ/ عينايَ تبحثان عن ضوءٍ هنا وهناك/ بجدِّيَّـةٍ شديدةٍ”، وفي حين تنفصل أعضاؤه أشلاءً، يخاطب الشَّاعرُ صديقَهُ الألمَ، قائلًا: “أيُّها الألم/ أيُّها الصَّديق الوفيُّ/ حروبنا لم تنتهِ بعدُ/ انتبه.. يبدو أنِّي صِرْتُ حيًّا من جديدٍ”، ويختم حواره معه بأن يقطع على نفسه وعدًا، مُؤَدَّاهُ: “كما وعدْتُكَ/ سأترك رأسي رهينةً عند الجيران/ سأجيئ كمحاربٍ شريفٍ/ استيقظ فَزِعًا كأنَّه حيٌّ” [قصيدة “رأيْتُ نفسي حيًّا”، ص68- 70]، كأنَّ الرَّأس وهي رئيسةٌ بما تحويه من أفكارٍ، لا تتناسب مع شرف المحارَبة، ولمَّا فزع من الاستيقاظ كأنَّه حيٌّ، ولا يكون الاستيقاظ إلَّا للحيِّ! تحقَّـقَـتِ المفارَقة في ختام السَّرد الشِّعريِّ.

وفي سرديَّـةٍ شعريَّـةٍ يتحدَّى الشَّاعرُ النَّهْيَ، الَّذي أَسْـدَتْهُ إليه أمُّه نصحًا؛ لينزل إلى باطن الأرض، باحثًا عن المجهول، فيقول في المشهد الاستهلاليِّ: “عقارب السَّاعة تدور كعربةٍ حربيَّـةٍ/ والصَّقيع لا يوقف النَّزف/ كُنْتُ أظنُّ هذه اللَّيلة طويلةً/ لم أنم/ أَجَّلْتُ أحلامي قليلًا/ وتركْتُ الباب مُوَارَبًا لزائرٍ أخيرٍ/ علَّ اللَّيلة تكفي/ مدفئتي بلا حَطَبٍ/ سأضع عظامي/ أقلعها سعيدًا/ لن أحتملها أربعين سنةً أخرى/ السَّاعة.. العربة الحربيَّة تمشي فوقي بعقاربها الثِّــقَالِ”، ثمَّ ينتقل إلى عقدة السَّرد وجوهرها النَّهي، قائلًا: “أمِّي كانت تخاف القطط/ قالَتْ لي يومًا/ كأنَّها تبوح بسرٍّ عظيمٍ: (يا ولد.. لا تضرب القطط باللَّيل.. قد تكون رُوحًا.. أو جِنِّــيًّـا يخطفكَ لتحت الأرض)/ أعجبني ذلك!/ كُنْتُ أضرب القطط باللَّيل/ عندما لا تشبه أحدًا/ لا قريبَ أو أصدقاءَ موتى/ أرغب في رحلةٍ لتحت الأرض!” [قصيدة “لا شيء سوى هذا الصَّقيع”، ص62- 64].

والإنسان أصلٌ وفرعٌ، جِرْمٌ وظلٌّ، ولاشكَّ في أنَّ مصاحَبةً لغويَّـةً تنشأ بين جِرْمِ الإنسان وظلِّه، شريطة أن يُوجد ضوءٌ يحقِّـق هذا التَّلازُم، وبدلًا من أن يذكر الشَّاعرُ الْجِرْمَ بوصفه أصلًا، فإنَّه يذكر الظِّـلَّ بوصفه فرعًا عليه، ويشكِّل صوره الشِّعريَّـة من خلال هذه الرُّؤية، فيقول: “اليوم مثلًا قابلْتُ ظلًّا قديمًا لي/ وجدْتُهُ مُمَـدَّدًا أمام بابي في الصَّباح/ رغم ما اعْـتَـلَاهُ من شيبٍ وتجاعيدَ/ وبعض الأحزان المعلَّقة به كطحالبَ بحريَّـةٍ/ لكنَّه كان لي في النِّهاية/ يمكننا أن نمشي معًا/ كرجلٍ وظلِّه/ ونجلس على المقهى/ ويمكن أن أجعله يصاحب/ فتياتٍ صغيراتٍ بلا ظلٍّ” [قصيدة “اليوم مثلًا لديَّ ما أفعله”، ص55- 56]، ويقول عن الرَّاعي أو الدَّليل: “حين سألْـتُهُ عن الطَّريق/ قال: اتبع ظلَّـكَ/ ثمَّ ألقاني في العتمة/ حيث لا ظلَّ لي!” [قصيدة “عصا الرَّاعي”، ص33].

والشَّاعر ينظر إلى الإنسان في الحياة بوصفه ظلَّ إنسانٍ، أو يراه طيفًا، فيقول عن لحظة مولده: “أنا يا مولاي كما خلقْـتَـنِـي/ ولدٌ عالقٌ في مَـشِـيـمَـتِـهِ/ معلَّقٌ في حَـبْـلِـهِ السُّـرِّيِّ لم يَزَلْ/ أخطأَتْهُ القابلة/ وأخرجَتْ ظلَّه للحياة!” [قصيدة “يا مولاي كما خلقْـتَـنِـي”، ص88]، ويقول في ثنايا حياته: “الرَّجل الَّذي أمسك بي/ في منتصف الشَّارع/ وصاح: أخيرًا أيُّها الظِّـلُّ الهارب!/ وجدوه مُـلْـقًى في المساء/ أمام قصر العينيِّ/ وبجواره ظلَّان ينزفان” [قصيدة “حادثٌ”، ص43].

وفي أثناء توظيف الشَّاعر للظِّلِّ يذكر (المشيمة)، بوصفها وعاءً يحفظ الإنسان في مرحلة تكوينه الجنينيِّ، و(الحبل السُّـرِّيَّ) بوصفه مسارًا ممدودًا لتغذيته، كما قرَّر القرآن خلقه على هيئة مراحلَ، في قوله -تعالى-: ﴿يَخْلُـقُـكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِـكُمْ خَلْـقًـا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُـلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [سورة الزُّمر: الآية 6]، فالظُّلمات الثَّلاث هي: البطن والرَّحم والمشيمة؛ لذا أجاد الشَّاعر استلهامها في هذا السِّياق، فكما يبدو الإنسان ظلًّا على الأرض، يبدو منذ بدايته ظلًّا من وراء مشيمته الَّتي هي أقرب الظُّلمات إليه.

ويرى الشَّاعر أنَّ الظِّـلَّ كالإنسان، فيمكن أن يُستعاد من الماضي، ويمكن أن يتلاشى في المستقبل، قائلًا: “لمَّا توقَّـفْـتُ عن الرَّسم تمامًا/ تمسَّـكَتْ يدي بالفرشاة/ قالت: لا أذهب واللَّوحة فارغةً/ تركْـتُـهَـا ومشيْتُ وحدي/ ماذا ستفعل وحدها في كلِّ هذا الفراغ؟/ حينها شعرْتُ بدبيبٍ خلفي/ إذ رسمَتْ لي ظلًّا/ كُـنْـتُ خسرْتُهُ في رِهَانٍ قديمٍ/ على شكل سنواتٍ من الحزن تتبعني/ وخلفي لوحةٌ للغابة مليئةٌ بالحكايات/ حزنْتُ وعدْتُ أرسم قبرًا لظلِّي” [قصيدة “الرَّسَّام لا ينسى ثأره القديم”، ص101- 102].

وفي التَّجريد فإنَّ الإنسان ينفصل عن ذاته، ويخاطبها بوصفها ذاتًا أخرى، والشَّاعر انفصل عن جِرْمِهِ، فخاطب ظلَّه كشيءٍ آخَرَ، كما في قصيدة “لا يمكنُكَ الاختباء من الموتى” الَّتي عنون بها ديوانه، يقول في مستهلِّها: “لا جدوى من الاختباء خلف ظلِّـكَ/ فأنتَ بالنِّسبة إليهم شفَّافٌ/ سوف يعثرون عليكَ” [قصيدة “لا يمكنُكَ الاختباء من الموتى”، ص36]، وينظر إلى الْحُلْمِ كعالَمٍ للغرائبيَّة، والأبطال فيه أحبَّاؤه الرَّاحلون، ويصوِّرهم قائلًا: “أقابل الموتى الأعزَّاء/ يجيئون كأطفالٍ/ يحدِّقون بدهشةٍ مثلهم/ لا ملامح مميِّزةً… اليوم حضرَتْ أمِّي/ جاءَتْ وحدها تمشي/ تضمُّ جناحها وتنظر إليَّ/ قُلْتُ: لماذا تموت الأمَّهات؟!”، وبعدما ختم الشَّاعرُ الصُّورةَ بالاستفهام الاستنكاريِّ، قال: “في النِّهاية كان الْحُلْمُ غريبًا/ كُنْتُ أجلس قُـبَالَتِي وحدي!” [قصيدة “شيءٌ كالحُلْمِ”، ص38- 39]، فكان من المناسب لهذه الغرائبيَّة ختام القصيدة بالتَّجريد.

ولعلَّه من حسن التَّجريد لدى الشَّاعر، أن فصل بين نفسه الَّتي لازالَتْ تعي وجسده الَّذي صار جُـثَّـةً، فيقول: “حين كُـنْـتُ أطارد جثَّـتي/ صدمَـتْـهَـا سيَّارةٌ في الطَّريق/ الجميع قال إنَّني السَّبب/ وشهد بذلك جميع أصدقائي/ أخذني الشُّرطيُّ معه/ وكتب الطَّبيب الشَّرعيُّ اسمي في تصريح الدَّفن/ أصرَّ حارس المقابر على مرافقة الجثَّـة/ حاولْتُ الدِّفاع عن نفسي كثيرًا/ قُـلْتُ: إنَّها جُـثَّـةٌ مارقةٌ كانت تهرب منِّي/ ولكن دون جدوى/ الأمر لله!/ أطعْـتُـهُـمْ جميعًا وجلسْتُ معها/ أتحيَّن الفرصة/ حتَّى صعدْتُ مُعَـلَّــقًـا في ساق شجرةٍ/ نبتَتْ أمام القبر” [قصيدة “أعيش في جريمةٍ مُـلَـفَّـقَـةٍ”، ص141- 142].

ويحاول الشَّاعر تقديم تجريدٍ مغايرٍ، بألَّا يخاطب نفسه بوصفها شخصًا آخَرَ، بل إنَّه يَخْـتَـلِعُ قلبه من مكانه، وَيُؤَنْسِنُ ذلك القلب، ويخاطبه بوصفه شخصًا آخَرَ، حيث تصير جارحة الإنسان إنسانًا، ويضفي عليها صفاته وأحواله، فيقول: “اليوم وأنا أجمع بعض بهائكِ/ من تحت الشُّرفة/ قابلْتُ قلبي صدفةً/ كان يجلس شاردًا/ بدا لي عجوزًا تائهًا/ بأسماله الرَّثَّةِ/ ينزف كأنَّه يغنِّي/ فَـكَّرْتُ لو تجاهلْـتُـهُ تمامًا/ أتركه وحده وأمشي إليكِ/ لكنَّه قلبي في نهاية الأمر/ ألقيْتُ عليه بُرْدَتِي/ وغسلْـتُـهُ بدمعتـيْنِ/ قلبي الَّذي غفا في راحتي لحظةً/ صحا فَزِعًا/ كان يصرخ باسمكِ/ ويجري باتِّجاه الشُّرفة” [قصيدة “قابلْتُ قلبي صدفةً”، ص109- 110].

وباستقراء تجربة الشَّاعر نلمس تيمة الحزن مسيطِرةً على كثيرٍ من قصائده، وهي مؤتلِفةٌ نفسيًّا واجتماعيًّا مع الموضوعات المطروحة والصُّور المنسوجة حولها، فيقول: “بينما كُـنْـتُ أقشِّر الأحزان عن جسدي/ باغتَــتْــنِـي سماءٌ غريبةٌ/ سماءٌ لا أعرف عنها شيئًا… عيناي يؤلمهما الحنين/ وجسدي مليءٌ بالوجع/ وجعٌ كُـنْـتُ أذيبه في ماء البحر وملحه/ لكن لا بحر يبدو قريبًا!” [قصيدة “كيف أفقد سماءً؟!”، ص120- 121]، ويقول: “حين يدقُّ الجرس/ يعلن انتهاء اليوم/ تقف الأحزان على الباب/ نمرُّ جميعًا خلالها/ الأحزان الَّتي تأخذ وجوهنا قبل الدُّخول/ توزِّعها علينا في نهاية اليوم/ قبل الذِّهاب إلى المنزل/ تخطئ أحيانًا/ فتعود بوجهٍ مختلِفٍ وأحزان الآخَرين” [قصيدة “أحزانٌ لا تناسب أحدًا”، ص127]، ويقول: “جارتنا الَّتي كانت تربِّي الأحزان/ فوق السَّطح الملاصِق لسطحنا/ تُخَمِّـرُهَا في المساء/ وفي الصَّباح تطلقها في شكل حيواناتٍ أليفةٍ/ وطيورٍ ريفيَّـةٍ تسكن البيوت… جاءَتْـنِـي أمس في حُلْمٍ طارئٍ/ قالَتْ إنَّها خَـبَّـأَتْ أحزانًا/ فوق السَّطح في تلك اللَّيلة/ وأوصَـتْـنِـي بها!” [قصيدة “لا تخبِّئ الأحزان قبل رحيلكَ”، ص139- 140].

ولعلَّ الشَّاعر أراد استلهام بعض المشاهد من قصص الأنبياء –عليهم السَّلام- وتوظيفها في حنايا شعره من خلال تيمة كلِّ قصَّةٍ على حدةٍ، سواءٌ في عناوين قصائده أم في الكلمات المحوريَّة داخل القصائد، مع مغايرة المضمون المعرفيِّ لها، فالأمر لا يعدو أن يكون استمدادًا لهذه الكلمات من القرآن، بينما اكتسبَتْ دلالاتٍ معرفـيَّـةً جديدةً في النَّصِّ الشِّعريِّ؛ فقد يستحضر المتلقِّي رؤيا الذَّبح والفداء في قصَّة نبيِّ الله إبراهيم مع ابنه إسماعيل من خلال عنوان قصيدة “شيءٌ كالحُلْم”، أو من خلال كلمة “الحُلْم”، ويستحضر رفقه بأبيه من خلال النِّداء “يا أبي”، ويستحضر النَّجاة والتَّسبيح في قصَّة نبيِّ الله يونس من خلال كلمة “الحوت”، ويستحضر النَّجاة واللِّقاء في قصَّة نبيِّ الله يوسف من خلال عنوان قصيدة “نبيٌّ تائهٌ”، أو من خلال كلمة “الجُبِّ”، ويستحضر عصا التَّحدِّي في قصَّة نبيِّ الله موسى من خلال عنوان قصيدة “عصا الرَّاعي”، أو معجزة يده التَّي أخرجها بيضاءَ من غير سوءٍ من خلال كلمة “اليد”، ويستحضر معجزة إحياء الموتى وإبراء المرضى في قصَّة نبيِّ الله عيسى من خلال عنوان قصيدة “الموتى”، فأعاد الشَّاعر إنتاجها الدِّلاليَّ وبقيَتْ ظلال النَّصِّ الأوَّل.

وأخيرًا.. فالدِّيوان يُعَـدُّ نموذجًا جيِّـدًا لقصيدة النَّثر الحداثـيَّة، ولغته الفصحى صحيحةٌ واضحةٌ على مستوى التَّركيب، عميقةٌ غامضةٌ على مستوى الدِّلالة، ويميل الشَّاعر إلى القصائد القصيرة أو المقاطع الَّتي تُعـدُّ لمحةً دالَّـةً لتكثيفها، ويعمد إلى ابتكار الصُّور الشِّعريَّة الجزئـيَّة بمجازاتها واستعاراتها، حيث يضفي عليها كثيرًا من التَّخييل والسُّخرية، ويعمد أحيانًا إلى التَّجريد، ويختم بالمفارَقة، فخرجَتِ الصُّور الشِّعريَّـة الكلِّــيَّة أقرب إلى الأسطورة.¨


(*) الشَّاعر المصريُّ أسامة بدر: وُلد في محافظة بني سويف، في العام 1391هـ/ 1971م، صدر ديوانه الأوَّل: “قمرٌ يغامر باستدارته”، ضمن سلسلة النَّشر الإقليميِّ، بالهيئة العامَّة لقصور الثَّـقافة، بني سويف- مصر، ط1، 1422هـ/ 2001م، وصدر ديوانه الثَّاني: “لا يمكنُكَ الاختباء من الموتى”، ضمن سلسلة ديوان الشِّعر العربيِّ، بالهيئة المصريَّـة العامَّة للكتاب، القاهرة- مصر، ط1، 1437هـ/ 2016م، ونشر بعض قصائده في الصُّحف والمجلَّات، وألقى بعضها في النَّدوات والمؤتمرات. وكرَّمَتْهُ الهيئة العامَّة لقصور الثَّـقافة، في مؤتمر أدباء إقليم القاهرة الكبرى وشمال الصَّعيد الثَّـقافيِّ، في دورته العشرين، تحت عنوان: “الأدب واستلهام الموروث الثَّـقافيِّ”، المنعقد في مدينة بنها بمحافظة القليوبـيَّـة، من 22 إلى 24 سبتمبر 2020م.

*****

أدب

عن الكاتب

أحمد تمّام سليمان