في بيان البيان وهيبة الوطن

كتب بواسطة زاهر السالمي

سنخسر جميعنا اذا ما دخلنا في جدل الديموقراطية وجدواها ومتى وقت حلولها الأمثل. وما استدلال بعضنا بما حل من خراب في عراق صدام وليبيا القذافي بعد سقوطهما؛ وكان من الأجدى على الغرب الابقاء عليهما، ليس الا دليلا على قصر نظر تاريخي. فالدول لا تحتسب بثلاثين او اربعين عاما، وآفة الانهيار كانت متجذرة في تلك السلطات ولم يكن الرهان الا على متى ستسقط، اليوم، غدا، او بعد غد؟ وما الخراب الذي تلى الا سيرورة للانهيار والانحطاط العربي بعد الاحتلال العثماني والامبريالية الغربية الى حكم العسكر والثيوقراط في شبه الدول المتحررة!

اعتقال سليمان المعمري…لماذا؟

 

في خضم هذا الوضوح الملتبس؛ سألنا سائل في معنى البيان وجوهره. إنه لجدل غائر في البحث عن إجابات شافية، يركن إليها السائل، لكن بالتأكيد لا إجابات نهائية.

 

وحتى نزيل الغمة، وندرأ التصحر في المفاهيم، في هذا الزمن الأجدب إلا من نائحات، كان لزاما علينا أن نرجع لقول الأقدمين، وندغمه بما قاله المحدثون، لربما يتضح شيء من سراب.

جاء في المعاجم: بان الشيء أوضحه وأفصح عنه. وجوهره الكشف والإظهار. ثم تطور المفهوم وتفرع إلى ما يدعوه العرب بالبيان الإصطلاحي، ألا وهو التعبير عن المعنى الواحد بطريق الحقيقـة أو المجاز أو الكناية. إذن، وهنا لا نقول بديعا، البيان ممارسة اجتماعية وأدبية وسياسية؛ سارت فينا منذ تشكل اللغة والمجتمع ثم الدولة. ومن هنا فالبيان محمود وليس مذموما. والبيان الفصاحة.

وحديثا، البيان الصحفي ليس إلا تصريحا يُعلن للجمهور وأصحاب الشأن عن طريق الوسائط الإعلامية؛ يكتبه ويتبناه فرد أو مجموعة أفراد، عن موضوع عام في معظم الأحيان.

لكن؛ لماذا يُجَرَّم قانونا كاتب/كاتبوا بيان؟

إذا ما كتبت بيانا ودعوت من يهمهم الأمر بتبنيه والتوقيع عليه لأجل التأكيد بأن المسألة ليست شخصية بل عامة تهم مجموعا وليس فردا، وإذا ما كان هذا البيان يتناول جهة أو فرعا حكوميا، فأنت مُجَرّم بفعلك البياني/ اللغوي هذا؛ لكن لماذا؟ لأنك أصبت هيبة الدولة في مقتل….!

نقول قولنا هذا؛ والبيان المشار اليه ليس أكثر من طلب ورجاء ودعوة للإفراج عن الأديب والسينمائي العماني عبدالله حبيب. هناك مؤاخذات جديرة بالمناقشة: لماذا تستدعون في هذا البيان وتستنجدون بمنظمات دولية في شأن داخلي؟ لماذا تحشدون الحشود والتواقيع ضدنا؟ لماذا تكتبون بيانكم في معزل عن جمعية الكتاب الموقرة والمرخصة والمدعومة ماليا من رأسها لأخمص قدميها من الحكومة؟ لماذا تطالبون بالديموقراطية وأنتم العالمون بأنها إذا حلّت على شعب جاهل كانت وبالا وخرابا؟

أولا؛ المنظمات الدولية المشار إليها انما هي منظمات حقوقية، وبعضها ينتمي إلى منظمة الأمم المتحدة، أي أن كاتبي البيان لم يستنجدوا بجيش بلد ما، ولم يطلبوا من شركات أمنية أو عسكرية بالتدخل، كما فعل الآخر!! وهذه المنظمات الحقوقية جل وسائلها وفعلها لا يخرج عن القول والطلب والنصح الحقوقي! وبما أن عمان المعاصرة كسرت عزلة العمانيين في اختلاف جذري عن العهد المنصرم وإيمانا بأننا جزء من العالم؛ وبما أن حكومة السلطان قابوس ومنذ بزوغ النهضة سارعت إلى الانضمام إلى العائلة العالمية بالتوقيع على المواثيق والمعاهدات الدولية، فلماذا تنكرون على العمانيين أن يكونوا جزأ من العالم الذي ارتضيتم أن تنضموا إليه؟ إنها الرأسمالية، إنها العولمة، العالم قرية صغيرة، إنما بحساب وكمٍّ متدرج حسب ترمومتر الخصوصية العمانية! هذه الانتقائية لن تجدي نفعا. وبما أن المعاهدات الدفاعية والأمنية جزء من السياسة الوطنية، فصَيْحَةٌ من منظمة حقوقية لن تؤخر الركب ولا القافلة.

إننا نجد كل العذر لجمعية الكتاب في عدم تبنيها للبيان، لأنها تعمل تحت ركام هائل من القوانين. إن الدعم الحكومي للجمعيات وهي في طور نموها له ميزاته الجمة، وله اشكالياته الهيكلية، التي ربما تكون مقبولة في هذه المرحلة من التجربة شبه المدنية.

سنخسر جميعنا إذا ما دخلنا في جدل الديموقراطية وجدواها ومتى وقت حلولها الأمثل. وما استدلال بعضنا بما حل من خراب في عراق صدام وليبيا القذافي بعد سقوطهما؛ وكان من الأجدى على الغرب الإبقاء عليهما، ليس إلا دليلا على قصر نظر تاريخي. فالدول لا تحتسب بثلاثين أو أربعين عاما، وآفة الانهيار كانت متجذرة في تلك السلطات ولم يكن الرهان إلا على متى ستسقط، اليوم، غدا، او بعد غد؟ وما الخراب الذي تلى إلا سيرورة للانهيار والانحطاط العربي بعد الاحتلال العثماني والإمبريالية الغربية إلى حكم العسكر والثيوقراط في شبه الدول المتحررة!

لكن الإشكال في جوهره ليس الديموقراطية؛ فلم يطالب أحد بها في ذاك البيان العسير على الهضم! كل ما تم طلبه هو الإفراج عن مواطن اعتقل انفراديا لثلاثة اسابيع بسبب جملة لا تزيد في أُسّها عن نصف سطر! ومن بعد ذلك البيان وبسببه يعتقل الأديب الفذ سليمان المعمري!

على الرغم من تصريح الأستاذ عبدالله حبيب عن حسن المعاملة اثناء احتجازه الأمني؛ فإن كل علوم النفس، والقوانين الدولية، تؤكد بأن السجن الانفرادي هو من أشد وأنكى أنواع السجن، وأحد اساليب التعذيب النفسي والجسدي.

إن هيبة الوطن من هيبة المواطن، من هيبة الشعب، وليس العكس.

السجن عزل في الفراغ؛ إلغاء

 

 

الحادي والسبعون سياسة

عن الكاتب

زاهر السالمي