ملفات في السياسة الخارجية العمانية

كتب بواسطة حجاج سلامة

ضمن الفعاليات الفكرية والثقافية لدار الفلق للنشر، أقيمت ضمن أنشطة الدورة الـ 28 من معرض مسقط الدولي للكتاب، والتي اختتمت مطلع شهر مارس الجاري 2024، جلسة حوارية بعنوان “السياسة الخارجية العُمانية في معترك الأحداث الإقليمية والدولية”، تحدث فيها الكاتب والمحلل السياسي المصري، عاصم رشوان، وأدارها الدكتور المعتصم المعمري، بتنظيم من دار الفلق.

حضر الندوة عدد من المفكرين والباحثين والكتاب العمانيين والعرب بينهم الشيخ سيف بن هاشل المسكري الأمين العامٍّ المساعد الأسبق للشؤون السياسيّة بمجلس التعاون لدول الخليج العربيّة، والعضو السابق بالهيئة الاستشاريّة للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون الخليجيّ، والإعلامي والمحلل السياسي المصري حسين عبدالغني، والكاتب سعيد عبده، رئيس مجلس إدارة دار المعارف ورئيس اتحاد الناشرين المصريين، بجانب جمهور كبير من روّاد الدورة الـ 28 من معرض مسقط الدولي للكتاب.

وخلال الندوة التي شهدت العديد من المداخلات من قِبل مثقفين عُمانيين وعرب، قال عاصم رشوان، إن جوهر السياسة العمانية الخارجية والركيزة التي انطلقت منها مواقف عمان ورؤيتها وتعاملها مع مختلف القضايا الخليجية والعربية والاقليمية والدولية، هو العمل الجاد والمخلص من أجل تحقيق السلام والأمن والاستقرار في الخليج والمنطقة العربية وعلى مستوى العالم.

وأضاف بأن سياسات السلطنة ومواقفها اتسمت على الدوام بالوضوح والشفافية والصراحة في تعاملها مع مختلف المواقف والتطورات، سواء كانت على المستوى الثنائي أو متعدد الأطراف أو الجماعي، مما جعلها موضع تقدير إقليمي ودولي واسع النطاق على مستوى قيادات العالم وشعوبه. وقد كان ذلك سبباً فيما تحظى به الدبلوماسية العمانية من ثقة وتقدير إقليمي ودولي، كما أهلها ذلك – بحسب قوله – لتكون طرفا فاعلا في كل الجهود الخيرة الساعية لحل المشكلات الخليجية والاقليمية وغيرها على امتداد العقود الماضية.

وتابع بالقول بأن سلطنة عمان تقوم بالكثير من الجهود غير المعلنة، من أجل تقريب المواقف وتجاوز الخلافات بين الاطراف المعنية بمشكلات عديدة خليجية وعربية واقليمية ودولية. وأكد “رشوان” على أن السياسة العُمانية ومواقف السلطنة كافة تقوم على مبادئ عديدة منها حسن الجوار، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى واحترام سيادتها ورفض التدخل على أي نحو في الشؤون العمانية الداخلية والالتزام بمبادئ الحق والعدل والإنصاف وحل المنازعات بالطرق السلمية والعمل على الاخذ بسبل الحوار الإيجابي وتعزيز المصالح المشتركة والمتبادلة ودعم الجهود الطيبة التي تقوم بها المنظمات الإقليمية والدولية من أجل السلام وتعظيم التعاون بين الدول والشعوب.

وبيّن أن سلطنة عُمان، ترفض كل صيغ الاستقطاب اقليميا ودوليا إدراكا منها بأن ذلك لا يسهم في حل المشاكل والخلافات ساعية – بدلا من ذلك – الى اتاحة الفرص لتحقيق قدر أكبر من التفاهم والادراك لمواقف الاطراف معتبرة أن ذلك يسهم في تقصير المسافات وبناء الجسور بين الاطراف المختلفة، وهو ما أدى إلى نجاحها في الوصول الى حلول مقبولة لمشكلات كانت تشكل تهديدا للأمن والاستقرار اقليميا ودوليا.

ولفت الكاتب والمحلل السياسي المصري، عاصم رشوان، خلال حديثه “السياسة الخارجية العُمانية في معترك الأحداث الإقليمية والدولية”، إلى أن سلطنة عمان لم تسعى أبداً إلى استغلال جهودها الخيرة لتحقيق مصالح ذاتية ولا توظيفها من اجل اجندة خاصة، وأرجع ذلك إلى أن السلطنة مهتمة وملتزمة دوما بالسعي من أجل أن يعُم الأمن والاستقرار والسلام والوئام بين دول وشعوب المنطقة، كما أنها لم تقم أبداً ببناء علاقات مع طرف على حساب أطراف أخرى وذلك وفقاً لقوله.

واعتبر “رشوان” أن مواقف سلطنة عمان وتصرفاتها وتعاملاتها مع مختلف التطورات الخليجية والعربية والاقليمية والدولية على مدى على مدار عقود وسنوات، وحتى اليوم، لم تكن إلا استجابة أمينة للمنطلقات والأسس الثابتة التي ارتضتها باعتبارها دولة مستقلة ذات سيادة تصوغ وتدير علاقاتها وتتخذ مواقفها بما يحقق مصالحها الوطنية دون الاضرار بمصالح الدول الأخرى، وبحسب قوله، فقد أكدت أحداث الماضي القريب والبعيد سلامة مواقف السلطنة وصواب قراءتها الدقيقة والواقعية للأحداث وبُعد نظرها في كثير من المواقف.

ورأى المُحاضر والمتحدث الرئيسي بالندوة، أن سلطنة عُمان تُشكل نموذجاً للتصالح مع النفس في مواقفها وردود أفعالها، وأنها نسجت صورة مثالية للتناغم بين شعبها ومؤسساتها كافة.

كما بأنه يحسب لعُمان وقيادتها تلك المواقف التي تميّزت بها السلطنة تجاه الكثير من قضايا المنطقة، واسترجع بعض القضايا التي كان للسلطنة فيها موقفا متفرداً، مثل موقفها المتعلق بالتعامل مع المسألة العراقية الكويتية، حيث ظلت تسعى حتى اللحظات الأخيرة الى انسحاب القوات العراقية تفاديا لاندلاع حرب الخليج الثانية – المسماة حرب تحرير الكويت – محذرة بكل وضوح وشفافية من مخاطرها وتداعياتها على المنطقة في حينها بكل ما يحمله ذلك من مخاطر. ونوّه عاصم رشوان، إلى أنه بالرغم من ذلك الموقف، إلا أن السلطنة لم تتخل عن التزاماتها في اتفاقيات الدفاع المشترك الموقعة بين دول مجلس التعاون الخليجي الست، حيث شاركت بقوات عسكرية ضمن قوة “درع الجزيرة” لدول مجلس التعاون الخليجي التي كانت ترابط آنذاك في منطقة “حفر الباطن” بالمملكة العربية السعودية حتى الانتهاء من تحرير الكويت.

وقال بأنه من المهم الاشارة الى أن عمان ربما كانت الوحيدة التي رفضت ادراج نفسها في قائمة تعويضات “المتضررين من حرب الخليج” مترفعة معتبرة ما قدمته واجبا مبدئيا. وليس عملا مدفوع الاجر؟

واستعرض المُحاضر العديد من المواقف التي تُحسب لعُمان وقيادتها الحكيمة – السابقة والحالية – ومنها أنها لم تكن يوماً طرفاً في الإستقطابات العربية – العربية ما خفي منها وما بطن، إيماناً منها بأن كل ما يجري في هذا السياق ليس سوى سحابات في الأجواء العابرة بين الأشقاء سرعان ما تنقشع. وأنها تبقى مجرد متغيرات لا يجوز أن تمتد تأثيراتها السلبية الى الثوابت العربية – العربية التي كانت وستبقى دوما هي محور انطلاق السياسة العمانية تجاه الاشقاء في العالم العربي، ومن تلك المواقف موقف السلطنة تجاه القضية السورية، وموقفها تجاه القضية الليبية وغير ذلك من القضايا، كما استعرضت الندوة موقف سلطنة عُمان من القضية الفلسطينية والأحداث الجارية في غزة.

وثمّنت المحاضرة مواقف وزير الخارجية العماني السيد بدر بن حمد البوسعيدي، تجاه القضية الفلسطينية، وهو الموقف الذي جاء مُعبراً عن فهم عماني عميق لجذور الصراع مع العدو الإسرائيلي، كما جاء ليؤكد التزام السلطنة الثابت بمبادئ ارتضتها هي لسياساتها الخارجية في شأن قضية العرب والمسلمين الاولى.

وشددت المحاضرة على أن سياسة سلطنة عمان الخارجية تجاه قضايا المنطقة بشكل عام والعلاقات العربية البينية بشكل خاص، تُبيّن وبوضوح أن السلطنة كانت قارئة بعناية لأحداث التاريخ مستفيدة من دروسها، وهو ما أنتج سياسة تجري وفق معايير وضوابط ثابتة وحاكمة قوامها تجاوز المتغيرات لحساب الثوابت، والاحتفاظ لنفسها بمسافة تضمن لها حيادا إيجابياً يؤهلها في الوقت المناسب لتكون وجهاً مقبولاً لدى الفرقاء بما يسمح لها بهامش واسع للمناورة من أجل التحرك باتجاه مساعي حميدة لتحقيق التوافق وصولا الى حلول سلمية تراعي مصالح الشعوب، وتمنع الانزلاق نحو الصراعات.

وتناولت المحاضرة السياسة الداخلية العادلة للسلطنة، والقائمة على أساس المواطنة وتماسك النسيج المجتمعي والتسامح وقبول الأخر.. جميعها أكسبت عمان مكانة عربية وعالمية متميزة حتى أصبحت الصورة الذهنية للمواطن العماني ودولته خارج الحدود عاكسة بصدق لكل هذه المفاهيم الإيجابية.. “مستوجبة الانحناء احتراما لعمان الدولة وعمان السلطان وعمان الشعب”.

سياسة

عن الكاتب

حجاج سلامة